جستجو کردن
Close this search box.

۰۰-۰۴-۰۲ شرح الزیارة الجامعة الکبیرة – المجلد الرابع – مقابله – الجزء الثانی

شرح الزیارة  الجامعة الکبیرة

 

من مصنفات

الشیخ الاجل الاوحد الشیخ

احمد بن زین الدین الاحسائی

 

 

المجلد الرابع – الجزء الثانی

 

و قوله عليه السلام : و الشَّفاعة المقبولة
الشّفاعة مصدر شفَع كمنَع و ربّما كان استعمالها علي جهة النقل فهي اسم لسؤال التجاوز و الصفح عن الذنوب و الجراۤئم و قيل كما يشفع صاحب الشفاعة لاهل الذنوب في التجاوز عنها كذلك يشفع للمطيعين ليزيد في درجتهم في الجنّة و المستفاد من الادلّة العقلية و النّقلية صحة هذا القول و هو قول المعتزلة و لاينافيه قوله صَلّي اللّه عليه و آله اُعِدّتْ شَفاعتي لاَهْلِ الكَبٰاۤئر من اُمَّت۪ي لاَنَّ قوله (ص‌) ذٰلِك لبَيٰانِ قبول شفاعتِهِ عِنْدَ اللّهِ تعالي حتي في الكباۤئر لانّ اللّه تعالي قال اشفَع تُشَفَّعْ وَ اسئَلْ تُعْطَ فاذا كانت مقبولة في الكباۤئر ففي رفع الدرجات تقبل بطريقٍ اولي لانّه صلي اللّه عليه و آله كثيراً ما يقول لعليّ عليه السلام ما معناه ان شيعتك معنا في الجنّة و لا رَيْب انّ شيعتهم لايصلون الي مجاورتهم في الجنّة باعمالهم اذ لايجاورونهم في الاعمال و لايزاحمونهم فيها فلايجاورونهم في الجنة من جهة المجازاة و انّما يجاورونهم من جهة الفضل و هو بالشفاعة لانها متمّمة لنقص القابليّة لا انّها تمام القابلية و الّا لصلحت لاعداۤئهم مع ان اللّه تعالي نفي ذلك الّا مع القابلية فاشار الي ذلك بقوله الحق و لايشفعون الّا لمن ارتضي و هم من خشيته مشفقون فاذا كان المشفوع له صالحاً للشفاعة بمعني انه ممّن ارتضي اللّه دينه و هو المؤمن فانه صالح لسكني دار رضي اللّهِ تعالي و هي الجنّة الّا انه ربّما حصل له من تقصيراته عواۤئق عنها فقعد به نقصان اعماله “-٢” التي هي حدود قابليته لرضي اللّه فَتُتَمِّمُهَا شفاعةُ الشافع او قعد به نقصانها “٢-” عن الكمال فلم‌يصل الي اعالي الدرجات فتأخذ بيده شفاعة الشافع حتّي تُبَلِّغه بتكميل اعماله اعالي الدرجات و في الكافي عن الباقر عليه السلام و ان الشفاعة لمقبولة و ماتُقْبل في ناصبٍ و ان المؤمن ليشفع في جاره “-٢” و ما له “٢-” حسنةٌ فيقول يا ربّ جاري كان يكفّ عنّي الاَذي فيشفع فيه فيقول اللّه تعالي انا ربّك و انا احقّ مَنْ كافَي عنك فيدخله اللّه تعالي الجنّة و ما له من حسنةٍ و انّ ادني المؤمنين شفاعةً ليشفع لِثلٰث۪ين انساناً فعند ذلك يقول اهل النار فما لنا من شافعين و لا صديق حميم ه‍ ، فبيّن عليه السلام مراد اللّهِ في كتابه في قوله تعالي و لايشفعون الّا لمن ارتضي بقوله (ع‌) و ماتُقْبَل في ناصبٍ لانّها قبيحة في حقِّه۪ في الحكمة لان مقتضي طينتِه من عمله و عملِه۪ من طينتِه۪ خلاف مقتضي الشفاعة كما قدمنا الكلام في معناه في قوله عليه السلام و الجاه العظيم و لو جاز له لسقطت فائدة التكليف بالاعمال لان الشفاعة لاتضيق عن القبول فيمن لا عمل له و يتساوَي في ذلك جميع الخلق و لو كان ذلك جاۤئزاً لجري فعل اللّهِ علي غير المقتضي و لو كان كذلك لكان الخلق كله نفساً واحدة لان التعدّد انّما حصل بتعدّد القوابل للفعل و لو انتفت فاۤئدة تعدّد القابليات و المشخصات اتّحد تعلّق الفعل و لو اتّحد تعلّق الفعل انتفت فاۤئدة الايجاد الكَوْني و ان امكن الامكاني و يبطل النظام و تعالي اللّه عن الرضي بقبول الشفاعة للناصب علوّاً كبيراً و ما ذكر عليه السلام من ذكر الشفاعة للمؤمن لاينافي ما نحن بصدده من انّ لهم عليهم السلام الشفاعة المقبولة لانّ الشفاعة لهم و هم يشفعون لشيعتهم و شيعتهم يشفعون لمحبّيهم و اصدقاۤئهم و جيرانهم و هو عليه السلام ذكر شفاعة المؤمنين اذا شفعوا لهم في ان يشفعوا و في تفسير علي بن ابراهيم في قوله تعالي فما لنا من شافعين و لا صديقٍ حميم عنهما عليهما السلام واللّهِ لنشفعنَّ في المذنبين من شيعتِنا حتي يقول اعداۤؤنا اذا رأوا ذلك فما لنا من شافعين و لا صديق حميم و في المحاسن عن الصادق عليه السلام الشافعون الائمة عليهم السلام و الصَّد۪يق من المؤمنين ه‍ ، لانّهم يشفعون لشيعتهم ان اشفعوا فيمن تحبّون فاذا شفعوا فيهم و شفّعوهم كسِيَ المؤمن حلّة الشفاعة بفضل شفاعتهم صلي اللّه عليهم حتي انّه اذا احبَّ جري القبول له من اللّه عز و جل كما احبّ و لقد روي في المجمع عن النبي صلي اللّه عليه و آله ان الرجل يقول في الجنّة ما فعل صديقي فلان و صديقُه في الجح۪يم فيقول اللّه تعالي اخرجوا له صديقه في الجنة فيقول مَن بقي في النار فما لنا من شافعين و لا صديق حميم ه‍ ، و الشفاعة المقبولة يراد منها التصرّف المطلق في امر الحساب و الجنّة و النار يفعلون بولاية اللّه سبحانه و توليته اياهم الولاية العاۤمّة ما يشاۤؤن من غير مراجعة في كلّ جزئيٍّ جزئي لان اللّه سبحانه خلقهم علي اكمل مزاج يحتمله الامكان فاقتضت حكمته الحق اَن يُشهدهم خلقَ كلّ شئ و ينهي اليهم علم كلِّ شئ و يجعلهم اولياۤء علي كلّ شئ ولايةً مطلقة غير مقيّدةٍ و عاۤمّةً غير خاۤصّةٍ و من ذلك ان جعل سبحانه اياب خلقه اليهم و حسابهم عليهم لما بيّنّا مراراً متعددة انه تعالي خلق كلّ شئ لهم كما تواترت به اخبارهم معنيً تواتُراً ملأ آذان الموالي و المعادي حتي لايجهله احدٌ و ان كان من الناس مَن يردّ ذلك عداوةً و حسداً و منهم من يردّه جهلاً منه لعدم احتمالِه۪ لَهُ لانّ عقله لم‌يتأدّب بٰادابهم و لم‌يتخلّق باخلاقهم فلم‌يحتمل كلامهم الصعب المستصعب لا لانّه لم‌يسمع به بل كلّ مَن تتبّع آثار الفريقَيْن وجد هذا المعني في الاحاديث من الطرفين قد ملأ الخافقين فلمّا خلقهم لهم و جعلهم اولياۤء امور الخلق كلهم و اولي بهم من انفسهم فوّض امور الخلق اليهم و ليس معني هذا التفويض رفع يده و استقلالهم بالخلق لان هذا شرك باللّه تعالي اللّه عن ذلك علواً كبيراً و لكن معناه ما ذكرناه سابقاً في مواضع متعدّدة من ان معناه ان اللّه سبحانه خلقهم له فلم‌يجعل لهم مشيّة غير مشيّته و لا ارادة غير ارادته لانه تعالي جعلهم محاۤلّ مشيّته و اَلْسِنَةَ ارادته كما قال تعالي في حقهم و ماتشاۤؤن يا ال‌محمد الّا ان يشاۤء اللّٰهُ و كما قال في حق نبيّه صلي اللّه عليه و آله و مارميتَ اذ رميتَ و لكن اللّه رمي و قال في حقهم لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون مع انهم عليهم السلام خلق له فهم ابداً قائمون به قيامَ صدورٍ لا غني لهم عنه طرفة عينٍ ابداً فلاينطقون الّا بما نطق فيهم من مشيّته و لا التفاتَ لهم الي شئ من اِنّيّاتهم ليقع منهم غير ما اراد سبحانه فقولهم قول اللّه و فعلهم فعل اللّه و ارادتهم ارادة اللّه سبحانه و من نظر في احاديثهم و ادعيتهم و كثير منها مجمع عليه بين الفرقة المحقّة وجد ما ذكرناهُ و اعظم ممّا اشرنا اليه و منه ما تقدم في حديث الوسيلة و غيره و منه ما رواه المفضّل بن عمر قال قلتُ لابي‌عبداللّه عليه السلام اذا كان علي صلوات اللّه و سلامه عليه يُدخل الجنّة محبّه و النار عدوَّه فاين مالك و رضوان اذاً فقال يا مفضّل اليس الخلاۤئق كلهم بامر محمد (ص‌) قلتُ بلَي قال فعليّ يوم القيمة قسيم الجنّة و النار بامر محمد (ص‌) و مالك و رضوان امرهما اليه خذها يا مفضّل فانها من مكنون العلم و مخزونه و منه ما في رجال الكشّي بسنده الي الحسن بن علي ابن فضّال يقول عجلان ابوصالح ثقة قال قال له ابوعبداللّه عليه السلام يا عجلان كأني انظر اليك الي جنبي و الناس يعرضون عَلَيَّ و في مناقب ابن‌شاذان رفعه الي جابر عن ابي‌عبداللّه عليه السلام انه قال اذا كان يوم القيمة و جمع اللّه الاولين و الٰاخرين لفصل الخطاب دعا رسول اللّهِ صلي اللّه عليه و آله اميرالمؤمنين صلوات اللّه و سلامه عليه فيكسي رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله حلّة خضراۤء يضيۤ‌ءُ لها (ظ) ما بين المشرق و المغرب و يُكسَي علي عليه السلام مثلها و يُكسَي رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله حلّة ورديّةً يضيۤ‌ء لها ما بين المشرق و المغرب و يُكسَي علي عليه السلام مثلها ثم يدعي بنا فيدفع الينا حساب الناس فنحنُ واللّهِ نُدخِلُ اهل الجنةِ الجنّةَ و ندخلُ اهلَ النارِ النار ثم يُدعَي بالنبيين عليهم السلام فيقامون صفّين عند عرش اللّه عز و جل حتّي نفرغَ من حساب الناس فاذا ادخلَ اهلُ الجنّةِ الجنّةَ و اهلُ النارِ النارَ بعثَ اللّه تبارك و تعالي عليّاً فانزلهم منازلهم في الجنّة و زوّجهم فعليٌّ واللّهِ الذي يزوّج اهلَ الجنّة و ما ذلك الي احدٍ غيره كرامةً من اللّه عز ذكره له و فضلاً فضّله به و مَنَّ به عليه و هو واللّهِ يدخل اهل النارِ النار و هو الذي يغلق علي اهل الجنّة اذا دخلوا فيها ابوابها لان ابوابَ الجنّة اليه و ابواب النار اليه و عن ابن‌عباس عن النبي صلي اللّه عليه و آله انه قال يا علي انت صاحب الجنان و قاسم النيران اَلا و انّ مالكاً و رضوانَ يأتياني غداً عن امر الرحمن فيقولان لي يا محمد هذه هبةٌ من اللّه اليك فسلّمها الي عليّ بن ابي‌طالب فادفعُها اليك فمفاتيح الجنّة و النار يومئذٍ بيدك تفعل بها ما تشاۤء ه‍ ، و في مناقب ابن‌شهراشوب قال قال اميرالمؤمنين صلوات اللّه و سلامه عليه فِيّ نزلت هذه الٰاية انّ الينا ايابهم ثم انّ علينا حسابهم و في كنزالكراجكي باسناده الي محمد بن جعفر بن محمد عن ابيه عن جده عليهما السلام في قوله عز و جل انّ الينا ايابهم ثم انّ علينا حسابهم قال اذا كان يوم القيمة وكّلنا اللّه بحساب شيعتِنا فما كان للّه سألناه ان يهبه لنا فهو لهم و ما كان لمخالفيهم فهو لهم و ما كان لنا فهو لهم ثم قال هم معنا حيث كنا ه‍ ، و فيه في رواية عبداللّه ابن سنان عن الصادق عليه السلام كمعني ما قبله و فيه و ما كان للٰادميّين سألنا اللّهَ ان يعوّضهم بدلَهُ فهو لهم ،
و بالجملة الاخبار في هذا المعني من الشفاعة العاۤمّة لاتكاد تحصي و هذا لا اشكال فيه لانّ اللّه سبحانه المالك لخلقه جعل امر خلقه اليهم في الدنيا وَ الٰاخرة تكرمةً لهم و نظراً لمصلحة خلقِه۪ لانه تعالي لمّا كان متكرّماً عن معاناة امور الخلاۤئق و كان عز و جل بحالٍ من الجلال و العظمة و القهّارية لاتستطيع الخلاۤئق ظهوره لها لانه لو كشف حجاباً من الحجب النور التي ضربها بين ظهوره و فعله و بين خلقه و هي سبعون‌الف حجاب لاحرقت سبحات وجهه ما انتهي اليه بصره من خلقه و لهذا لمّا سأله موسي عليه السلام ما سأله قال له انظر الي الجبل فان استقرّ مكانه فسوف تراني فامر رجلاً من الكروبين من شيعة علي عليه السلام من الخلق الاول الذين لو قسم نور واحدٍ منهم علي اهل الارض لكفاهم فامر ذلك الرجل منهم و كان نوره من نور الستر بقدر الدّرهم او بقدر سَمِّ الأبرة فتقطّع الجبل فكانت قطعة منه هباۤء و هو هذا الهباۤء الموجود الذي هو مع الكرة البخارية و هو الذي بين الارض و السماۤء من الارض مرتفعاً الي نحو سبعة‌عشر فرسخاً و ثلث فرسخ كما ذكره بعض علماۤء الهيئة ما كان منه غليظاً كان مما يلي الارض و كلّما ارتفع كان الْطفَ و به بقاۤء حيوة الحيوان البريّة لانّه معين للماسكة و قطعة منه ساخت في البحر فكانت في الماۤء كما كانت الاولي في الهواۤء و بها بقاۤء حيوة حيتان البحر و قطعة ساخت في الارض فهي تهوي حتي تقوم الساعة و بها بقاۤء حيوة الجاۤنّ العاتين و الشياطين المتمردين اوْ انّ القطعة الثالثة كانت ربوةً باقية علي وجه الارض و نور هذا الرجل عليه السلام الذي هو من شيعة علي عليه السلام اذا نسب نور الشمس الي نوره كان نسبة الواحد الي ثلاث‌مائة‌الفٍ و ثلاثة و اربعين الفاً و نسبة نور هذا الرجل عليه السلام الي نور امامه و وليه اميرالمؤمنين علي بن ابي‌طالب صلوات اللّه و سلامه عليه كنسبة نورِ شعاعٍ خرج من سمّ الابرة الي نور الشمس و انوار ساۤئر الائمة الاحدعشر و فاطمة عليهم السلام كنور عليٍّ عليه السلام لان انوارهم من نوره كالضوء من الضّوء فاذا كان هذا نور رجلٍ من شيعة علي عليه السلام و نور عليّ عليه السلام محلّ مشيّته تعالي فكيف يُطيق احدٌ من الخلق ظهور فعله له بغير حجاب فلمّا علم سبحانه ان ظهور فعله بغير حجاب لايقوم له شئ من خلقه لطفَ بهم و رحمهم فاظهر لهم من رحمته حجُباً اتخذهم اعضاداً لخلقه لانّهم اقوياۤء جعلهم قادرين علي التلقّي من فعله لانهم محالّ مشيّته و قادرين علي الاداۤء الي الخلق لمناسبتهم لهم و يقدر الخلق علي التلقّي منهم لمشاركتهم لهم في البشريّة و احكامها و كان الخلق متساوون في النسبة الي هذه الامور فلهذه الامور قلنا انّ امور الخلق راجعة اليهم في اوّل خلقهم و في الدنيا و الٰاخرة في كل شئ .
و من الادّلة النقلية علي ان الخلق لاتستطيع التلقّي منه فاقام لهم محمّداً و اهل بيته صلّي اللّه عليه و اهل بيته لانّ الخلق لايقومون لشئٍ من ظهوراته قول اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبته يوم الغدير و الجمعة الي ان قال و اشهد انّ محمّداً عبده و رسوله استخلصه في القِدم علي ساۤئر الامم علي علمٍ منه انفرد عن التشاكُلِ و التّماثل من ابناۤء ( النبيين خ‌ل ) الجنس و انتجبَهُ آمراً و ناهياً عنه اقامه في ساۤئر عالَمِه۪ في الاداۤء مقامَهُ اِذْ كان لاتدركه الاَبْصار و هو يدرِك الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتُمَثِّله غوامِضُ الظنون في الاسرار لا اله الّا هو الملك الجبّار قرنَ الاعتراف بنبوّته بالاعتراف بلاهوتِيّتِه۪ ،
و من الدليلِ علي انّه تعالي خلقهم علي اَعْدلِ مزاجٍ لاجل ما اختصّهم به ممّا حمّلهم من القيام مقامه في ساۤئر عالمه قوله عليه السلام بعد ذلك الكلام المتقدّم و اختصّه من تكرمتِه۪ بما لم‌يلحقه فيه احدٌ من بَريّتِه۪ فهو اهْلُ ذلك بخاۤصّته و خلّتِه۪ اذْ لايختَصُّ مَنْ يَشُوبُه التغيير و لايُخالِلُ مَنْ يلحقه التّظن۪ينُ و امرَ بالصلوة عليه مزيداً في تكرمَتِه۪ و طريقاً للدّاعي الي اجابتِه۪ فصَلّي اللّٰهُ عليه و آله و كرّم و شرّفَ و عظّم مزيداً لايلحقه التفنيد و لاينقطع علي التأبيد و انّ اللّه تعالي اختصّ لنفسه من بعد نبيّه صلي اللّه عليه و آله من بريّتِه۪ خاۤصّةً علّاهم بتعليتِه۪ و سما بهم الي رتبته و جعلهم الدعاة بالحق اليه و الادلّاۤء بالارشادِ عليه لِقَرْنٍ قَرْنٍ و زمَنٍ زمَنٍ انْشأَهم في القِدَم قبل كلّ شئٍ مذروۤءٍ و مبروۤءٍ انواراً انطَقَها بتحميدِه و الهمَها شكرَه و تمجيده و جعلها الحجج علي كلّ معترفٍ له بِملكَةِ الربوبيّة و سلطان العبوديّة و استنطق بها الخرساتِ بانواع اللغات بُخوعاً له بانه فاطر الارضين و السموات و اشهَدَهم خلقَه و في نسخةٍ خَلْقَ خَلْقِه۪ و هو الذي تدلّ عليه اخبارهم و كتاب اللّه تعالي قال عليه السلام و ولّاهم ما شاۤء من امرِه و جعلهم تراجمَ ( تراجمةَ خ‌ل ) وحيِه و الْسُنَ ارادَتِه۪ عبيداً لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون يعلم ما بين ايديهم و ما خلفهم و لايشفعون الّا لمن ارتضي و هم من خشيته۪ مشفِقُون يحكمون باحكامه و يستنّونَ بسُنّتِه۪ و يعتمدون حدوده و يؤدّون فرضه الخ ، فبيّن عليه السلام انه تعالي انّما اقام محمداً صلي اللّه عليه في ساۤئر عالمِه۪ في الاداۤء مَقامَهُ اي في اداۤء جميع ما اراد ايصاله الي خلقه من خلقٍ و رزقٍ و حيوةٍ و مماتٍ مما يتعلّق بعقولهم و نفوسهم و اجسامهم في الدنيا و الٰاخرة لاتّحاد العلّة الموجبة لذلك و هي قوله عليه السلام اذ كان لاتدركه الابصار الخ ما ذكره من العلل و بيّن عليه السلام انّهم يجري لهم من اللّه تعالي ما يجري لرسوله صلي اللّه عليه و آله و انّ اختصّ لنفسه من بعد نبيّه (ص‌) الخ ، و بيّن انّه سيّدهم و به تشرّفوا و لاجله الحقهم اللّه به بقوله (ع‌) من بريّتِه خاۤصّة علّاهم بتعليتِه۪ و سما بهم الي رتبته الخ ، و بيّن عليه السلام انّهم ينطقون بما يُلهِمُهم بقوله (ع‌) انواراً انطقها الخ ، و انّهم الحجج علي جميع خلقه بقوله و جعلها الحجج علي كل معترف له الخ ، و بيّن (ع‌) انّ اللّه تعالي انّما جعل مَن سواهم من الانس و الجنّ و الملاۤئكة و الحيوانات و النبات و المعادن و الجمادات معترفين بربوبيّته مقرّين له بالعبوديّة في قوله تعالي و ان من شئ الّا يسبّح بحمده و حمدُهُ تعالي هو ما اظهر لخلقه و فيهم من انوار محمدٍ و اهل بيته صلّي اللّه عليه و آله و فيوضات جودهم و تعليمهم تسبيح اللّه و تحميده و تمجيده و كيفيّة عبادته و دينه الذي يرضاه من خلقه من كلّ شئ بحسبه فان كلّ ذلك فروعهم و اسماۤؤهم و اسماۤء اللّه تعالي لساۤئر خلقه التي يدعونه بها كما امر بقوله عليه السلام و استنطق بها الخَرِسات بانواع اللغات بُخوعاً له بانّه فاطر الارضين و السموات فكلّ شئ يدعو اللّه تعالي بها و هي اسماۤؤهم و علومهم و فروعهم و تعليماتهم و عباداتهم بالخلق و عبادات الخلق بهم و بيّن عليه السلام ان اللّه تعالي اشهدَهم خلقَ انفسهم و خلق السموات و الارض و خَلْقَ كل شئ من خلقه و اطلعهم علي علم جميع ذلك لما اراد منهم من القيام في الاداۤء الي ساۤئر عالمه مقامه و انّه تعالي حيث اقتضت الحكمة كما اشرنا اليه من اتّخاذهم اعضاداً لخلقه فيما اراد من الخلق لعلمه تعالي بانّهم لايقدرون علي شئ بغير واسطتهم عليهم السلام و بواسطتهم كلّ مَن اقتدي بهم و جعلهم ائمّته الي اللّه تعالي يقدر علي ما اراد اللّه تعالي منه و هو عليه السلام يشير بهذا البيان انّه مراد اللّه تعالي حيث نفاه عن اعداۤئهم لانّهم مضلّون لانفسهم و لمن اقتدَي بهم فاثبتَهُ تعالي لهم عليهم السلام بالمفهوم لانّهم الهادون لانفسهم و لمن اقتدي بهم و سلّم لهم ليكون عند من اراد اللّه تعالي هدايته معلوماً و ليسلمَ بتعميته عن تغيير الاعداۤء و الخصوم و ذلك في قوله تعالي مااشهدتُهم خلقَ السموات و الارض و لا خلق انفسهم و ماكنتُ متّخذَ المضلّين عضداً فالمفهوم انهم صلّي اللّه عليهم اشهدهم خلق السموات و الارض اي و ما فيهن و ما بينهنّ و ما فوقهنّ و ما تحتهن و اشهدهم خلق انفسهم فعرفوا اللّه حيث عرفوا انفسهم بتعريف اللّه تعالي تعريف الحضور و العيان و اتّخذهم اعضاداً لخلقه كما بيّنّا سابقاً في كون علل الايجاد الاربع انّما تمّت و تقوّمت بهم او منهم او عنهم فراجع لانهم الهادون لانفسهم و لمن اقتدي بهم و سلّم لهم و ردّ اليهم و والاهم و والي وليّهم و اطاعهم و تبرّأ من اعداۤئهم و اولياۤءِ اعداۤئهم و عصاهم فقال عليه السلام في بيان هذا كله و اشهدهم خلقه علي ارادة انه تعالي اشهدهم ايجادَ جميع ما احدث او الخلق بمعني المخلوق و المراد كالاول و علي النسخة الثانية و هي و اشهدهم خلقَ خلقِه۪ المعني ظاهر قال و ولّاهم ما شاۤء من امره اشارة الي انه تعالي انهي اليهم علمَ خلقِه۪ قال (ع‌) و جعلهم تراجم وحيه و الْسُنَ ارادته اشارة الي انهم عليهم السلام لاينطقون عن الهوي بل كما قال اللّه تعالي في شأنهم و ماتشاۤؤنَ الّا ان يشاۤء اللّه ، و بيّن عليه السلام انّهم لايعملون و لاينطقونَ بعمل و لا حال و لا قول الّا بامره و وحيه و انهم ليس لهم شئ من ذلك في جميع احوالهم فانّهم لو فعلوا شيئاً كثيراً او قليلاً غير ما امرهم به لكانوا قد سبقوه بالقول و قد اخبر تعالي بانهم لايسبقونه بالقول فبيّن عليه السلام ذلك بما بيّنه سبحانه له عليه السلام و لهم صلّي اللّه عليه و عليهم و لعباده من ذلك فقال عليه السلام عبيداً لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون الخ ، ثم بيّن عليه السلام انّ هذه الامور ممّا بيّنها اللّه لعباده انّما بيّنها لهم بعد ان اسبغ عليهم نعمه ظاهرة و هم الحجج عليهم و باطنة و هي العقول التي اثبتها فيهم ليهلك من هلك عن بيّنةٍ و يحيي مَن حيّ عن بيّنة فقال عليه السلام و لم‌يدع الخلق في بهماۤء صمّاۤء و لا في عمياۤءَ بَكماۤءَ بل جعل لهم عقولاً مازجَتْ شواهدَهم و تفرّقت في هياكلهم و حقّقها في نفوسهم و استعبدَ لها حواۤسّهم فقرّر بها علي اسماعٍ و نواظر و افكارٍ و خواطر الزمهم بها حجّته و اراهم بها مَحجّتَه و انطقهم عما تشهَدُ به بالسُنٍ ذرِبةٍ بما اقام فيها من قدرته و حكمته و بيّن عندهم بها ليهلك من هلك عن بيّنة و يحيٰي مَن حيَّ عن بَيّنَةٍ و انّ اللّه لسميع بصير و شاهد خبير انتهي كلامه صلي اللّه عليه و علي ذرّيّته المعصومين ،
و من الدليل علي انّه لو كشف حجاباً من الحجب الخ ما رواه ابن ابي‌جمهور الاحساۤئي في كتابه المسمي بالمَجْلَي و رواه غيره ايضاً عن النبي صلي اللّه عليه و آله علي اختلاف في الفاظ الروايات و المعني قال (ص‌) ان للّه سبعين‌الف حجاب و في رواية سبعمائة و في اخري سبعين قال (ص‌) من نورٍ و ظلمةٍ لو كشف حجاب منها لاحرقت سبحات وجهه ما انتهي اليه بصره من خلقه ه‍ ، اقول و المعني الذي دلّت عليه هذه الروايات صحيح تشهد له العقول السليمة التي اراها اللّه سبحانه آياته في الٰافاق و في انفسها و بيانه يطول فيه الكلام و قد اشرنا اليه فيما تقدّم و دليل قولنا في قصّة موسي عليه السلام فامر رجلاً من الكروبيين ما رواه ابن‌ادريس في مستطرفات السراۤئر عن بصاۤئرالدرجات قال سئل الصادق عليه السلام عن الكروبيّين فقال قوم من شيعتنا من الخلق الاول جعلهم اللّه خلف العرش لو قسم نور واحدٍ منهم علي اهل الارض لكفاهم و لمّا سَئَلَ موسي ربّه ما سأل امرَ رجلاً من الكروبيين فتجلّي للجبل فجعله دكّاً ه‍ ، و روي ان النور الذي تجلّي لموسي عليه السلام من نور العظمة بمقدار الدرهم و روي بقدر سمّ الابرة و مأخذ بيان نسبة عدد نوره الي نور الشمس من صحيحة علي ابن عاصم المروي فيما يدّعون هؤلاۤء من رؤية الحق تعالي يوم القيمة و الدليل علي انّهم عليهم السلام الحجب ما رواه الشيخ (ره‌) في آخر المصباح في زيارتهم عليهم السلام في رجب قال (ع‌) الحمد للّه الذي اشهدنا مشهدَ اولياۤئه في رجب و اوجبَ علينا من حقّهم ما قد وجب و صلي اللّه علي محمدٍ المنتجب و علي اوصياۤئه الحُجُبِ الدعاۤء ، و علي انّه تعالي اتخذهم اعضاداً يعني لخلقه ما في دعاۤء رجب للحجة عليه السلام قال (ع‌) بدؤُها منك و عودُها اليك اعضاد و اشهاد و مناة و اذواد و حفظة و رُوّاد و قد تقدم في مواضع متعدّدة و علي انّهم اقوِياۤءُ جعلهم قادرين علي التلقّي من فعله ما ذكره عليه السلام في خطبته المذكورة قبل هذا و قوله تعالي و وسعني قلب عبدي المؤمن و قوله و سراجاً منيراً ، و انّك لعلي خلق عظيم ، اللّه اعلم حيث يجعل رسالته و الاحاديث في ذلك لاتحصي ، فاذا عرفتَ ما اشرنا اليه و لوّحنا و ما بيّنّا فيما تقدّم و صرّحنا عرفتَ ان جميع ما خلق اللّه من جميع خلقه ترجع امورهم اليهم عليهم السلام باذن اللّه تعالي اوّلاً و آخراً و ظاهراً و باطناً في العالم الاول و في الدنيا و في البرزخ و في الٰاخرة و الي اللّه ترجع الامور و هي باللّه تعالي و بقدره و بقضاۤئه الجاريَيْنِ علي وجه الحكمة و وضع الاشياۤء في اكملِ مَواضعِها ترجع الامور اليهم لانّه تعالي لعظيم لطفه و رحمته بعباده اجري ذلك و هو الحكيم الخبير و اليه يرجع الامر كله و هو علي كل شئٍ قدير .
قال عليه السلام : ربّنا آمنّا بما انزلتَ و اتّبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ربَّنا لاتزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا و هب لنا من لدنك رحمة انّك انت الوهّاب
قال الشارح المجلسي (ره‌) ربّنا لاتُزِغ اي لاتُمِلْ قلوبَنا الي الباطل بعد معرفة الحق من لدنك رحمة كاملةً و هي الهداية الخاۤصة و الكمالات ه‍ .
و قال السيّد نعمت‌اللّه في شرح التهذيب ربّنا آمنّا بما انزلتَ الٰاية ، كلام النجاشي و اصحابه الذين اسلموا معه من الحَبشةِ بما انزلتَ اي بالقرءان و انه كلام اللّه حق لا ريب فيه فاكتبنا اي فاجعلنا بمنزلة ما قد كُتِبَ و دُوِّنَ و قيل فاكتبنا في امّ الكتابِ و هو اللوح المحفوظ مع الشاهدين اي مع محمد و امّته الّذين يشهدون بالحق عن ابن‌عبّاسٍ و قيل مع الذين يشهدون بالايمانِ و قيل مع الذين يشهدون بتصديق نبيّك ربّنا لاتزغ قلوبنا الخ حكاية عن قول الراسخين في الٰاية السابقة و هي قوله و الراسخون في العلم يقولون آمنّا به و ذكر ارباب التفسير في تأويله وجوهاً : الاوّل ان معناه لاتمنعنا اَلْطافَك فتميل قلوبنا عن الايمان بعد الاهتداۤء اليه و هذا دعاۤء للتثبُّتِ علي الهداية و الامداد بالالطاف فكأنهم قالوا لاتخلّ بيننا و بين نفوسِنا بمَنْعِك التوفيقَ و الالطافَ فنَزيغَ نضلّ و انّما يمنع ذلك بسبب ما يكتسِبُهُ العبد من المعصية و يفرّط فيه من التوبة كما قال سبحانه فلمّا زاغوا ازاغ اللّه قلوبهم ، الثاني انّ معناه لاتُكَلِّفْنا من الشداۤئِد ما يصعبُ علينا فعله و تركُه فتزيغ قلوبنا بعد الهداية و نظيره فلمّا كتبَ عليهم القتال تولّوا ، الثالث انّ المراد لاتزغ قلوبنا عن ثوابك و رحمتِك و هو ما ذكره اللّه تعالي من الشرح وَ السّعة بقوله يشرح صدره للاسلام و ضدّ هذا الشرح هو الحرج و الضيق اللّذانِ يَقعانِ بالكفّار عقوبةً و من ذلِك التّطهير الذي يفعله في قلوب المؤمنين و يمنعه الكافرين كما قال اولۤئك الذين لم‌يرد اللّه ان يُطهِّر قلوبهم ، و من ذلك كتابته الايمان في قلوب المؤمنين كما قال اولۤئك كتبَ في قلوبهم الايمان و ضدّ هذه الكتابة هي سمات الكفر في قلوب الكافرينَ فكأنهم سألوا اللّهَ الّاتزيغ قلوبهم عن هذا الثواب الي ضدّه من العقاب ، الرابع انها محمولة علي الدعاۤء بان لايزيغَ القلوبَ عن اليقين و الايمان و لايقتضي ذلك انه تعالي سُئِل عمّا لولا المسئلةُ لجاز اَن يفعَلَهُ لانه غير ممتنعٍ ان يدعوه علي سبيل الانقطاع اليه و الافتقار الي ما عنده بان يفعلَ ما يعلم انّه يفعله و بان لايفعل ما يعلم انه واجب ان لايفعله اذا تعلّقَ ذلِك ضربٌ من المصلحة كما قَال سبحانه ربّ احكم بالحقّ و قال رَبِّ احْكُمْ بالحقّ و قال ربّنا و آتِنَا ما وَعدتَنا علي رُسلِك و قال حاكِياً عن ابراهيم و لَاتُخْزِني يومَ يبعثون من لدنك رحمة اي من عندِك لُطْفاً نتوصّل به الي الثّباتِ علي الايمان اِنّكَ انتَ الْمُعْطي للنّعْمَةِ انتهي .
اقول قوله ربّنا آمنّا بما انزلتَ يراد به ما انزل من الكتب علي انبياۤئه و رسُله من الكتب خصوصاً ما انزل علي محمد صلي اللّه عليه و آله و ذلك من قوله تعالي قولوا آمنّا باللّه و ما انزل الينا و ما انزل الي ابراهيم و اسمعيل و اسحق و يعقوب و الاسباط و ما اوتي موسي و عيسي و ما اوتي النبيّون من ربّهم لانفرّق بين احدٍ منهم و نحنُ له مسلمون و ذلك لمّا قالت اليهود كونوا هوداً و قالت النصاري كونوا نصاري حكي اللّه تعالي قولهم فقال و قالوا كونوا هوداً او نصاري تهتدوا قال لنبيّه صلي اللّه عليه و آله قل لهم بل ملّة ابراهيم حنيفاً الٰاية ، ثم امرهم فقال قولوا آمنا باللّه الٰاية اي قولوا آمنا باللّه انه اله واحد لا شريك له و لا ولد كما قالت اليهود في عزير و النصاري في عيسي (ع‌) و ما انزل الينا يعني القرءان و ما انزل الي ابراهيم من الصحف و اسمعيل و اسحق و يعقوب و الاسباط و هم اسباط يعقوب يعني ذراري ابناۤئه الاثني‌عشر من الصحف و ما اوتي موسي من التورية و عيسي من الانجيل و ما اوتي النبيون من ربّهم من الكتب و الوحي و الالهام في اليقظة و المنام لانفرق بين احدٍ منهم فنقول نؤمن ببعضٍ و نكفر ببعضٍ بل نؤمن بجميعهم و بجميع ما انزل اللّه اليهم و نحن له مسلمون منقادون لما امر به و نَهي عنه و روي الكليني بسنده الي سلام بن عمرة عن ابي‌جعفر عليه السلام في قول اللّه عز و جل قولوا آمنّا باللّه و ما انزل الينا قال انما عني بذلك عليّاً و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام و جرت بعدهم في الائمة عليهم السلام ثم رجع القول من اللّه في الناسِ ثم قال فان آمنوا يعني الناس بمثل ما آمنتم به يعني علياً و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام فقد اهتدوا و ان تولّوا فانّما هم في شقاق و منازعة و محاربة لك يا محمد فسيكفيكهم اللّه و هو السميع العليم ،
اقول و جرت في شيعتهم و اتباعهم بالتبعيّة فيكون معني انزل الينا اي الي نبينا و اهل بيته صلي اللّه عليه و آله او انزل الينا منهم عليهم السلام و بواسطتهم فانّا مخاطبون بالقرءان بهم يعني انهم يخاطبونا بمرادات اللّه سبحانه منّا فيه عنهم و كان ممّا نزل عليهم في القرءان ما دلّ عليه بظاهره و بظاهر ظاهره و بظاهر ظاهر ظاهره و هكذا و بباطنه و بباطن باطنه و بباطن باطن باطنه و هكذا و بتأويله و هو كذلك اي كالظاهر في ظهوره و بُطونه و من ظاهر ظاهره في قوله تعالي و ننزّل من القرءان اي من محمد صلي اللّه عليه و آله في الباطن ما هو شفاۤء و رحمةٌ للمؤمنين بمعني قصرِ ما و مدِّها اي مَدِّ ما فعلي قصرها المنزل من محمد عليٌّ صلي اللّه عليهما و آلهما و هو شفاۤء و رحمة للمؤمنين لانه بابٌ باطنه فيه الرحمة و لذا قال هو شفاۤء اي بذاته شفاۤء و رحمة او بذات ولايته عليه السلام و علي مدِّها يعني يراد بالمنزل ماۤءٌ و هو الماۤء الذي به حيوة كل شئ و هو ولايته و علمه و لايزيد الظالمين الّا خساراً يعني مايزيد معني ما علي ارادة القصر و معناها علي ارادة المدّ لايزيد الظالمين اي الظالمين ال‌محمد حقهم الّا خساراً و المراد بهذا الحقِ الحقّ العاۤمّ و هو كلّ مرادٍ للّهِ تعالي علي جهة العموم و مرادنا بارادة المدّ انا نريد منه معني ما الممدود فانه يكون حينئذٍ ماۤءاً اي ماۤء الوجود و ماۤء الرحمة و ماۤء العلم و لانريد انه يقرأ ممدوداً لانه غير جاۤئز بل هو مقصور اللفظ علي الارادتين و هو من ظاهر الظاهر فانّه يؤخذ المعني من ماۤدّة الكلمة سواۤء تغيّرت عليه الصورة ام لا و سواۤء ارتبطت الكلمة بغيرها اَمْ لا يعني انّه عليه السلام لايزيد اعداۤءه لاجل عداوته الّا خساراً و بَواراً او لاتزيد علي ارادة معني المدّ ولايته اعداۤءه لانكارهم لها الّا خساراً و هو المراد بان ظاهره من قبله العذاب لان العذاب انّما لزمهم بانكاره و انكار ولايته فكان ذلك ظاهره من قبله اي من جهته ممّا يلي النار فجهته مما يلي الجنّة حبّه و طاعته و جهته مما يلي النار بغضه و معصيته و يشير الي انّ المنزل علي عليه السلام قوله تعالي فٰامِنوا باللّه و رسوله و النور الّذي انزلنا و هو في الباطن علي عليه السلام و الي كونه منزلاً من محمد صلي اللّه عليه و آله قوله عليه السلام انا من محمد كالضوء من الضّوء و في تفسير القمي النور اميرالمؤمنين عليه السلام و في الكافي عن الكاظم عليه السلام الامامة هي النور و ذلك قوله تعالي فٰامنوا باللّه و رسوله و النور الذي انزلنا قال النور هو الامام (ع‌) و عن الباقر عليه السلام انه سئل عن هذه الٰاية فقال النور واللّهِ الائمّة لنورُ الامام في قلوب المؤمنين انور من الشمس المضيۤئة بالنهار و هم الذين ينوّرون قلوب المؤمنين و يحجب اللّه نورهم عمّن يشاۤء فتظلم قلوبهم و يغشاهم بها ه‍ ، فعلي ما لوّحنا لك يكون من معاني قوله عليه السلام ربّنا آمنّا بما انزلتَ من جميع الكتب علي جميع رسلك او بما انزلت عليهم من ملاۤئكتك فيما اردتَ من اوامرك و نواهيك او بما انزلتَ من الهامك و وحيِك او بما انزلتَ من حججك و آياتِك او بما انزلتَ من آياتِ توحيدك او بما انزلتَ من انوار ظهوراتِك في مواقع نجوم علاماتِك و مقاماتك التي مَلأتَ بها اقطار سمواتِك و ارضِك او بخصوص ما انزلتَ الي نبيّك صلي اللّه عليه و آله من كتابك و وحيك و الهامك او من اوصياۤئه الذي شددتَ بهم اَزْرَه و قوّيْتَ بهم ظهره و اشركتَهُمْ في اَمْره او من خصوص ما يتعلّق بقضيّة يوم الغدير و المفهوم من المقام المتبادر الي الافهام ان قوله عليه السلام ربّنا آمنا بما انزلتَ يريد به العموم بداعي الخصوص يعني نقول كما قالت الحواريّون و نريد به جميع ما انزل اللّه علي رسوله محمد صلّي اللّه عليه و آله بداعي خصوص ما انزل ممّا يتعلّق بقضيّة يوم الغدير ممّا انزل في امر الولاية و تعيينِ مَن عيّنَه اللّه تعالي لها من عليّ و الائمّة من ذرّيّته و النصِّ علي نصبهم لها و اخذِ البيعة لهم عن اللّه تعالي و عن رسوله صلي اللّه عليه و آله من جميع الخلاۤئِق ممنْ حضر و مَنْ لم‌يحضر و من ولد و ممّن لم‌يولد من جميع الخلاۤئق الي يوم القيمة ،
و قوله عليه السلام : و اتّبعنا الرّسول
فيما دعا اليه و امر به من توحيد اللّه و معرفته و معرفة ما وصف به نفسه لنا و من الايمان به و بملاۤئكته و كتبه و رسله و باوصياۤئهم علي محمد و آله و عليهم السلام و باليوم الٰاخر و بتصديقه۪ فيما جاۤء به من احوال النشأتين و من الدين الاسلام و الايمان و غير ذلك من مرادات اللّهِ من عباده التي هي آثار الولاية و صفاتها و فروعها و من الامر بقبولها و من بيان حقيقتها و انها الدين و اَن لا دينَ الّا بها و بيان اَهْلها القُوَّام بها و بيان وجوب طاعتهم و انّهم معيّنون لتحمّل الولاية و تأدية احكامها الي الرّعيّة من اللّه سبحانه و انه يجب متابعتهم و الأخذ عنهم و التسليم لهم و انّهم اولي بالخلق من اَنْفُسِهم و انه لايجوز ان يتقدّمهم احدٌ بعد رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و لايتأخّر عنهم متأخّر و انّ اللازم لهم لاحق و المتقدّم لهم مارق و المُتَأخّر عَنْهُمْ زاهق و هو عهد منّا اخذه اللّه سبحانه فاعطيناه العهدَ من انفُسِنا بذلك اَنّا آمنّا بما انزل وَ اتَّبَعْنا الرّسول في جميع ما امر و من جملة ذلك انه (ص‌) امرنا باتّباعهم عليهم السلام في جميع ما امروا فيكون المعني آمنّا بما انزلتَ و اتَّبعنا الرسول و آلَ الرسول في جميع اوامرهم و نواهيهم و اراداتهم و هذا هو المراد من الٰاية و من المذكور في الزيارة و انّما لم‌يصرَّحْ به في القرءان لئلّايسقطه اعداۤؤهم و في الزيارة ليبيّن انّ المراد به ما اريد في الٰاية من ارادة العموم و خصوص احكام هذه الامّة و خصوص احكام الولاية و خصوص احكام ارادة اهلها المخصوصين عليهم السلام ،
و قوله عليه السلام : فاكتبنا مع الشاهدين ،
يراد منه انّا نسألك بكرمك و نعمك اللّذَيْن ابتدأتَنا بهما رحمة منك لنا من غير استحقاق لذلك الّا كرماً و جوداً منك حتي جعلتنا من الموالين لاولياۤئك و اولياۤء اولياۤئك و المعادين لاعداۤئك و اعداۤء اولياۤئك و اتباعهم و ماكنّا لنهتدي لهذا لولا اَن هَديتنا و حبّبْتَ الينا الايمان بك و بكتبك و ملاۤئكتك و رسلك و اوصياۤء رسلك صلي اللّه علي محمد و آله و عليهم اجمعين و بما جاۤؤا به منك و اخبروا عنكَ خصوصاً نبيّنا محمد و اوصياۤؤه صلي اللّه عليه و عليهم و القبول منهم و التسليم لهم و الائتمام بهم و الرضا بهم ائمة و سادة و قادة في الدنيا و الٰاخرة و زيّنتَ ذلك في قلوبنا و كرّهتَ الينا اعداۤءهم و الميل اليهم و البراۤءة منهم و من اشياعهم و اتباعهم و من اعتقاداتهم و اعمالهم و اقوالهم و دينهم و سنّتهم و جميع فروعهم فضلاً منك علينا و جعلتنا بما تفضّلت به علينا و وفّقْتَنَا له من طاعتك في اتّباع اولياۤئِك و في مجانبة اعداۤئهم بقلوبنا و بما نستطيع بتفويقك باَلْسِنَتِنا و اعمالِنا مؤمنين بما انزلتَ مصدّقين لما قلتَ مسلّمين لامرك و متّبعين لاولياۤئك و موالين لهم و لاولياۤئهم و معادين لاعداۤئهم و من تبعهم في معاداة اولياۤئك و رضي بذلك من الجن و الانس نسألك بكرمك و نعمك و تفضّلك علينا بذلك و باولياۤئك الابرار و بموالاتهم و بالبراۤءة من اعداۤئهم و بك يا اللّه فليس يعدلكَ شَئ ان تُصلّي علي محمد و آله الطاهرين و ان تُضَاعِفَ اللعن علي اعداۤئهم و ظالميهم و من رضي بذلك اجمعين و ان تكتُبَنا مع الشاهدين لك بذلك بما ابتدأتهم به من فضلك و اسبغتَ عليهم من نعمك و امددتَهم بتوفيقك و قوّيتهم علي طاعتك و رفعتَ عنهم ثقل العمل بحقيقة ما هم اهله من عنايتك و فضلك حتي كشفتَ لهم عن بصاۤئرهم غشاوات طباۤئعهم و صوارف لطخ اعداۤئهم و اعداۤئك في اولياۤئِك عليهم السلام بما تفضّلتَ به عليهم و وفّقتهم له من مراضيك فعاينوا حقاۤئق ما اردتَ منهم و ندبْتَهم اليه و اوقَفْتَهم عليه و ارَيْتَهُمْ ايّاه لما سبق لهم من الهدي فشهدوا لك بما ابصروا و رأوا بتبصيرك و اِراۤءتِك من اركان الايمان و شعبه و بتوفيقِك لهم للقيام بموجبه فاكتبنا معهم بان توفّقَنا لما وفّقتَهم له و تعينَنا علي ما اعنتَهُمْ عليه و تتمّم لنا نقصَ ما يوصل الي ما وصلوا اليه فان ذلك عليك سهل يسير و انت علي كل شئ قدير و معني هذه الكتابة بالعبارة الظاهرة التي يكون معناها مشرعةً لكلّ خاۤئض هو ما ذكره السيّد الاوّاه السيّد نعمت‌اللّه رحمه اللّه فيما تقدم من كلامه في بيان ذلك ،
و امّا حقيقة هذه الكتابة فانها من المكتوم من اسرار العلوم التي لاتُسْطَر في كتاب و لاتذكر في جواب و لاتسمع من خطاب الّا اذا كان من المعصوم صلوات اللّه عليه فانّ ما كتبتُ لك في هذا الشرح فانه من كلامهم عليهم السلام و لكن لايعرف ذلك الّا مَن علّموه و سلكوا به تلك المسالك لان امثال هذه الامور لاتذكر في السطور الّا تلويحاً و رمزاً منهم عليهم السلام لارباب القلوب التي في الصدور و قد قال جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه ما كلّ ما يعلم يقال و لا كلّ ما يقال حان وقته و لا كلّ ما حان وقته حضر اهله ه‍ ، الّا انّ السّائل مني لشرح هذه الزيارة الشريفة السيد حسين بن السيد محمدقاسم الحسيني الأشكوري الجيلاني اصلاً الرشتي مسكناً تغمّده اللّه برحمته و اسكنه بحبوحة جنّته التمس منّي ان اكتب في هذا الشرح الحقاۤئق و الاسرار و البواطن المستورة فاجبته بعد الالتماس الشديد الي ذلك فكتبتُ فيه من اوله الي آخره علي نحو ما طلب و لم‌اترك الّا ما اعلم انه لايجوز بيانه و لا كتابته و لا اجابة الساۤئل و كم من خبايَا في زوايا و بيان معني هذه الكتابة المذكورة علي الحقيقة من تلك الاسرار المكتومة حتّي انّ اهل العصمة عليهم السلام انما يذكرونها للخصيصين من شيعتهم تلويحاً و رمزاً قد البَسُوه ثوباً من القشر يستر لبّه عن الجهّال و الخصيصون من شيعتهم يعرفون لغتهم فيفهمونه و اما الخواۤصّ من شيعتهم فانهم لايفهمون مراد ائمتهم عليهم السلام الّا المراد من القشر و هذه و امثالها كثيرة لاتراها الناس و المعصوم عليه السلام يخبر عنها و القرءان ينطق بها فاين القلم و اين اللوح و اين الجنّة و اين النار التي قال لو تعلمُنّ علم اليقين لترونّ الجحيم و اين الارواح و اين الحوض و اين الصراط و اين الميزان و اين سدرة المنتهي و اين شجرة طوبي و اين البيت المعمور و ان الصادق عليه السلام اخبر انه صلي اللّه عليه و آله انّما اسري به من هذه الي هذه و اشار الي السماۤء يعني من المسجد الحرام الي السماۤء و قال بينهما حرم و اللّه تعالي اخبر انه اسري به من المسجد الحرام الي المسجد الاقصي و قال صلّي اللّه عليه و آله فقال لي يعني جبريل (ع‌) اتدري اين صلّيتَ فقلتُ لا فقال صلّيتَ بيت لخم و بيت لخم بناحية بيت المقدس حيث ولد عيسي بن مريم عليه السلام ثم ركبتُ فمضينا حتي انتهينا الي بيت المقدس فربطتُ البراق بالحلقة الّتي كانت الانبياۤء تربط بها الحديث ، و الصادق عليه السلام لمّا قيل له و المسجد الاقصي فقال ذاك في السماۤء اليه اسري رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و هو اعلم بما قال جده (ص‌) في قوله فربطتُ البراق بالحلقة التي كانت الانبياۤء تربط بها و الانبياۤء ماربطت دواۤبّهم في السماۤء و الصادق عليه السلام اخبر انه انما اسري به صلي اللّه عليه و آله من المسجد الحرام الي المسجد الاقصي و هو في السماۤء فاين هذا المسجد الذي في السماۤء و لم‌يمض الي بيت المقدس لانه عليه السلام لمّا قيل له انّ الناس يقولون انه بيت المقدس انكر عليهم ذلك فقال مسجد الكوفة افضل منه و هو صلي اللّه عليه و آله قال اني مضيتُ الي بيت المقدس فانظر رحمك اللّه في كمال هذا الاختلاف و التنافي الذي هو في كمال التوافق و الاتحاد و بالجملة لو تتبّعتَ ما ورد عنهم عليهم السلام و تأملتَ فيه ظهر لك ان عاۤمّة الناس لايعرفون شيئاً من كلامهم علي الحقيقة و لايعرفه الّا مَن هو كالكبريت الاحمر و الغراب الاعصم في القلّة و الندرة و انا جرياً علي ما التزمتُ للسيد المرحوم لا بدّ و ان اشير الي هذه الكتابة علي جهة الاختصار لان بيانه يستلزم تطويلاً كثيراً فان هذّبت العبارة و تركتُ الترداد و التكرار لم‌يفهم مرادي احدٌ قطّ لغرابة هذا المعني و عدم الانس به لكلّ احد و ان جريتُ علي عادتي من تكرير العبارة و الترديد لاجل التفهيم لزم التطويل المملّ فانا اشير الي ذلك بالعبارة المعتادة المكررة ليكون اسهل في التذكرة ، فاقول انّ الكتابة في لغة اهل العصمة صلّي اللّه عليهم عبارة عن اثبات المكتوبِ في رَقِّه۪ اللاۤئق به و اظهارِه في ذلك فكتابة شَبَحِك اظهاره في المِرءاة بمقابلتك لها و كتابة خيالك عبارة عن نقش صورتك الخياليّة في خيال مَن تصوّرك في غيبتك عنه و رَقّ الشّبح وجه المرءاةِ و وجه الماۤء و امثال ذلك من الاشياۤء الصقيلة عند مقابلتك لذلك الصقيل و رَقُّ صورتك الخياليّة مِرءاةُ خَيالِ مَن تخيّلكَ في غيبتك عند التفاته بمرءاة خياله الي مثالِك المنقوش في روح مكان رؤيته لك و زمانِها فان ذلك الرجل لمّا رءاك يوم السبتِ في المسجد تصلي اقام مثالك في ذلك المكان يوم السبت يصلّي الي يوم القيمة فكلّما التفتَ من رءاك الي ذلك المكان المعيّن في ذلك الوقت المعيّن بخياله وجد مثالك يصلّي في المسجد يوم السبت لايري ذلك المثال احدٌ الّا مَنْ رءاك في المسجد يوم السّبت و كل مَن رءاك هناك في ذلك الوقت لايري مثالك الّا في ذلك المكان في ذلك الوقت و لايراه في ذلك العمل يعني انه يصلّي و العلّةُ في ذلك انّ اللّه سبحانه امر القلم فكتب بمدادٍ من صِفتِك و عملك و مدادٍ من ذلك المكان و ذلك الوقت صورة مثالك فهو باقٍ الي يوم القيمة يعمل بذلك العمل الذي انت عملته و يرجع اليك ثمرته من خير و شرٍّ فاذا كان يوم القيمة حضرك مثالك بمكانه۪ و وقته و اَلْبَسَتْك الملاۤئكة ذلك المثال كما تلبس الثوب هذا اذا كان خيراً او شرّاً و لم‌يتب عنه توبة مقبولة و ان كان شرّاً و تاب منه توبة مقبولة مُحِيت تلك الصورة من المكان و الوقت فلاتجد الملاۤئكة شيئاً لكَ يأتونك به و لم‌يكن له وجود في خيال مَنْ رءاك في الدّنيا عاملاً به لك لان الخيال مرءاة و المرءاة لاتنطبع فيها الصورة الّا مع مقابلة الشئ لتنتزع منها الصورة المنطبعة فاذا لم‌تقابل شيئاً لك لم‌ينطبع فيها لك منه شئ ،
بقي هنا دقيقة يجب التنبيه عليها و هي جواب سؤال يرد هنا و هو انه قد دلّت الادلّة النقلية و الوجدانية و العقلية علي انّ التّاۤئب يُرَي مثاله يعصي و اِنْ كانَ تاۤئباً فانّ السّارق اذا تاب كل من رءاه يسرق اِذا الْتَفتَ الي مثالِه رءاه يسرق و ان تابَ ،
و الجواب انّ المثال في نفسه لايضمحل من الوجود لانه مكتوب في اللّوح المحفوظ و ما كُتِبَ في اللوح المحفوظ لايضمحلّ لان معني كونه محفوظاً اِنَّ ما كُتِبَ فيه محفوظ من المحو و انّما المراد بقولنا انه اذا تابَ مُحِيَتْ تلك الصّورة الخ ان الصورة التي هي المثال كانت مقابلةً للسارق بوجهها معلقةً هي بمشخّصاتها من المكان و الوقت و غيرهما به لازمةً له فاذا التفَتَ من رَءٰاه اليها رَءٰاها مرتبطةً بالسارق حاضرةً معه عند مَن رءاه فهو بها يَسْرِق اَيْنما كان و اذا تاب البسَتْه الملاۤئكة بامر اللّهِ ثوباً من رحمته يواري سَوْءَتَهُ فيحول هذا الثوب بين الصورة و بين وجهها منه فتصرف الملاۤئكة بامر اللّه وجهَ الصورة عن جهته المتجدّدة بالتوبة و تبقي في مَحلِّها من لوح الثري متوجهة بوجهها الي اصل مبدأها التي تفرّعت منه متعلّقةً به لانّها من سنخِه۪ لحقت هذا الشخص باللطخ ثم خلعَها بتوبته التي هي من حقيقته فلمّا خلعها و هي مثال و المثال صفة لاتقوم بغير الموصوف لحقت باصلها و مبدئها التي هي فرعه و من لطخه لعنه اللّه و انقطعت علاقتها بذلك الرجل و كان المؤمن بطيب قلبه و طهارته اذا نظر الي العاصي اَنْكَرَهُ و اسْتَوْحَشَ من اللباس المنهي عنه لانه لايستر عورته كما قال الشاعر :
ثوبُ الرياۤء يَشُفُّ عَمَّا تحْتَهُ       ** * **      فاذا التحَفْتَ به فانّكَ عاري
وَ اِذَا نظر اليه بعد التوبة النصوح مع علمه بها اَنِسَ به۪ لانّه يراه مَسْتُورَ العورةِ بلباسِ التّقوَي و لم‌ير ذلك المثال القبيح متوجِّهاً اليه بل يري بينهما حاجزاً من توفيقِ اللّه و رضاه و ذلك المثال غير منسوب اليه الٰان لانه الٰان في عليّين مع الابرار و حين باشر المعصية كان في نزوله بذلِكَ اللطخ الي سجّين مع الفجّار فلمّا تاب و تبرّأ من تلك الصورة بقيت في سجين متوجهةً الي موصوفها من الفجار بواسطة لطخه الذي هو سببُهَا في الرجل قبل ان يتوبَ فخلع اللطخ بالتوبة فلحقت اللطخ لانّها متعلقة به و هو متعلّق بالاصل فاذا كان يوم القيمة محيت من ذلك المكان و الوقت المنسوبين اليه فتراها هي و الوقت و المكان منسوباتٍ الي ذي اللطخ الذي كان منه و هذا معني قولنا محيت الخ ، و معني ما روي انه اذا تاب ستر اللّه عليه ففي الكافي بسنده الي ابن‌وهب قال سمعت اباعبداللّه عليه السلام يقول اذا تاب العبد توبة نصوحاً احبّه اللّه تعالي فسَتَر عليه في الدنيا و الٰاخرة فقلتُ و كيف يستر اللّه عليه قال يُنسي ملكَيْه ما كتبا عليه من الذنوب ثم يوحي اللّهُ الي جوارحه اكتم۪ي عليه ذنوبَهُ و يوح۪ي الي بقاع الارض اكتمي عليه ما كان يعمل عليكِ من الذنوب و يلقي اللّه تعالي حين يلقاه و ليس شئ يشهد عليه من الذنوب و فيه بسنده الي ابن‌وهب قال سمعتُ اباعبداللّه عليه السلام يقول اذا تاب العبد توبةً نصوحاً احبَّهُ اللّهُ تعالي فستر عليه فقلت و كيف يستر عليه قال ينسي ملكيه ما كانا يكتبان عليه و يوحي اللّه الي جوارحِه۪ و الي بقاع الارض اَنِ اكتمي عليه ذنوبَهُ فيلقي اللّه تعالي حين يلقاه و ليس شئ يشهد عليه بشئٍ من الذنوبِ ه‍ ، فقد ظهر لك بما ذكرنا و بما قدّمنا سابقاً انّ الخيال انّما تحصل فيه الصور بالانطباع لانه مِرْءٰاةٌ فاذا قابَل الشاخص انطبعت فيه صورته و انّ مثالَ الشخصِ الذي رأيتَهُ يُصَلّ۪ي في المسجد لاتنطبع صورته في خيالك حتّي تلتفِتَ الي مكان الرؤية و وقتها فَاِذَا الْتفتَّ اليه في ذلك المكان في ذلك الوقت رأيته فيهما و انطبعت صورته في خيالك في الوقت الّذي رأيتَ شخصه اي موصوفه فيه يعمل ذلك العمل كما في المثال المذكور اوّلاً فانّك كلّما التفتَّ اليه في وقتٍ رأيته يصلّي في المسجد يوم السبت و لو بعد خمسين سنة فَانّكَ تَراهُ في المكان في الوقت الاَوَّل لِاَنَّ وقْتَ رؤية المثال اذا التفتَ اليه خيالك في الدهر لا في الزّمانِ لِأنَّ الزمان سَيَّالٌ لايَجْتَمِعُ جزءانِ منه في حالٍ بل كلّما وُجدَ جُزْءٌ مضي ما قبله فلايَجْتمِعَان و مُرَاد۪ي باَنَّ الاَوَّل يمضي انّه يخرج من رتبة ظرفيّة الاجسام الي الدَّهرِ لَا انّه يفني بل هو في اللَّوْح الحفيظ و اَنّ ذلك المثال كتبَهُ القلم في ذلك الكتاب باذن اللّٰهِ وَ اَمْرِه۪ و هذه دَفَّةٌ من اللوح المحفوظ هذا كلّه في ادراكِك مِثاله اذا غابَ عنك و اَمّا اذا كان حاضراً بين يديك فان القلم بامر اللّهِ تعالي كتبَهُ في هذا المكان بمدادٍ من كون جسمه فيه و من هيئاته حينئذٍ في ذلك الوقت فهو حينئذٍ مكتوبٌ في دَفَّةٍ من اللّوح المحفوظ و اليه الاشارة بقوله تعالي جواب قول منكري البعث ائذا كنّا تُراباً ذلك رجع بعيد قال قد علمنا ما تنقص الارض منهم و عندنا كتابٌ حفيظ و هذا الذي اشار اليه الصادق عليه السلام في قوله تبقي طينته التي خُلِقَ منها في قبره مستديرةً ه‍ ، و ذلك لانّ صورةَ جسده التي كان بها في الدنيا تذهب من جسده في قبره و تلحق بعالم الاشباح و تبقي مادّته الاصليّة التي خلق منها في قبره مستديرة يعني ان الكتاب الحفيظ لاتخرج منه بل هو حافظ لها الي ان تُعَاد منها كما خلق منها اوّل مرة و معني مستديرة انّها مترتّبة في اصل رسم الكتاب الحفيظ كترتّبها في الوجود الكوني بل قد تكون اَصَحَّ ترتيباً لاحتمال انّه قد يختلف في الوجود بسبب غلبة بعض القوي علي بعض فيحصل لبعضها من بعضٍ او من لوازم بَعْضٍ قسرٌ يمنَعُها عن كمال الترتيب لوجود تلازم بعضها ببعض او بلواحق بعضٍ و لوازمه او بلواحقه و لوازمه فاذا زالتِ المقارَنات و التّلازم الّفتْهَا الطبيعة علي مقتضياتها و دَواعيها و تقاربها و تَشَابُهِهَا و تَنَاسُبِها و الطبيعة لايجري عليها الغلط فتكون مستديرةً لانّ الاستدارة اكمل الهيئات لتساوي ابعاد اجزاۤء محيطها و سطحها الي مركزِها فاذا فهمتَ هذا عرفتَ انّ الموجود بين هاتين الدّفّتين هو المكتوب بالقلم بامر اللّه تعالي دفّة الذوات و دفّة الصفات و كل شئ يكتب بمداد منه لانه ماۤدّته و الشئ يكتَبُ بمادته كالسرير فان النجّار باذن اللّه تعالي كتبه بمادته و صورته اي بمداد من الخشب و مداد من الهيئة الخاۤصّة به فافهم هذه العبارات المكررة المردّدة للتفهيم و معني قوله عليه السلام فاكتبنا مع الشاهدين يعني انّه يسأله ان يكتبه بهذا المداد في هذه الدفّة التي كتب فيها الشاهدين له بالحق بمدادٍ من ذواتهم و اعمالهم و اعتقاداتهم و اقوالهم فاذا عرفتَ هذه الكتابة كما بيّنتُ لك عرفت معني انّ القلم كتبَ في اللوح ما كان و ما يكون الي يوم القيمة و عرفتَ معني انّ اللّه تعالي لمّا خلق العقل قال له ادبِر فادْبَر ثم قال لَه اقبل فاَقْبلَ فقال له و عزّتي و جلالي ماخلقتُ خلقاً هو احبّ الَيَّ منكَ الحديث ، فافهم راشِداً موفّقاً و قد قال الشاعر و نعم ما قال :
و مَن حضَرَ السماعَ بغير قلبٍ       ** * **      و لم‌يُطْرِبْ فلايَلُمِ المُغَنّي
و قوله عليه السلام : ربّنا لاتزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا
اي لاتمل قلوبنا عن الهداية التي دللتنا عليها من دينك الذي ارتضيته و في التهذيب في الدعاۤء بعد صلوة الغدير عن الصادق عليه السلام ربّنا انّك امرتنا بطاعة ولاة امرِك و امرتَنا اَنْ نكون مَع الصادقين فقلتَ اَطيعوا اللّهَ وَ اَطيعوا الرسول و اولي الامر منكم و قلتَ اتّقوا اللّهَ و كونوا مع الصّادقين فسمعنا و اطعنا ربّنا فثَبِّتْ اقدامَنا و توفَّنا مُسْلِمين مصدّقين لاولياۤئِك و لاتزغ قلوبَنا بعد اذ هَدَيْتنا و هب لنا من لدنك رحمة انّك انت الوهّاب و هذا يشعر بان الدعاۤء بعدم ازاغة القلوب انّما هو عن ولايتهم و هو كذلك ان اريد بالولاية امرهم الذي اقامهم اللّه تعالي له و فيه و به و اقام به جميع خلقه بواسطتهم عليهم السلام و امّا اذا اريد بالولاية خصوص المحبّة فان اريد بالمحبّة الكليّة فكذلك لانها في الحقيقة جميع ما امر اللّه به و نهي عنه و احبّ و كره و ما بين ذلك و ان اريد بها المعني الخاص الذي هو خصوص ميل القلب اليهم و تولّيهم و البراۤءة من اعداۤئهم فالدعاۤء بعدم ازاغة القلوب اعمّ لان الاعمال و الاتّباع لهم و الصدق مع اللّه في كل المواطن لايدخل فيها الّا علي الارادة الاولي و الدعاۤء انما هو بالثبات علي كلّ حقٍّ لِلّهِ و لهم و قد تقدّم مراراً ان الولاية هي ولاية اللّه و المراد بها الامر الكلّي العام الشامل لكل ما امر اللّه تعالي لانه سبحانه هو الولي علي جميع خلقه فتأمّل ما هذه الولاية لتعلم اَنَّ كل ما اَمَرَ و احَبَّ منها و انّ الفاۤئض منها اربعة انهارٍ افاضها علي الخلاۤئق نهر الخلق و نهر الرزق و نهر الممات و نهر الحيوة و ما يُناط بكل واحدٍ منها و منها هداية النّجدين توفيقاً لهم و منها تعليمهم كيفيّة القبول لما اراد منهم القبول لشئ من تلك الاربعة و ما يُناط بكل واحدٍ منها و اعطاۤئهم شراۤئط الاستطاعة لما اراد منهم من صحة الخلقة و تخلية السرب و المهلة في الوقت و الزاد و الراحلة و السبب المهيج للفاعل علي فعله كما قال الصادق عليه السلام و ذكر في حقيقته داعي الطاعة ليبعثه علي فعلها تحنّناً منه و فضلاً و الزمه بمقتضي نفسِه۪ و انّيّته داعي المعصية ليتمكّن من فعلِها اختباراً له و عدلاً لانه لايحبّ الطاعة باكراهٍ فخلقَ له من حقيقتِه۪ منه تعالي عقلاً منيراً يدعوه الي طاعة اللّه تعالي و ايّده بروحٍ منه ملكٍ مسدّدٍ يؤيّده و يعصمه مما لايحبّ اللّه سبحانه و جعل له من حقيقته من نفسه نفساً امّارة بالسوۤء و داعيةً الي معصية اللّه تعالي و اثبت لها التسلّط علي استخدام الٰالة التي خلقها للعقل لاجل الطاعة في ما تحبُّ من معصية اللّه و قيّض لها شيطاناً جعله لها قريناً يعينها علي مقاومة العقل و صَدِّه عمّا يريد من طاعة اللّه سبحانه فاذا اجاب المرء داعي عقله قام الملك و جنوده في جهادِ شيطان النفس و جنوده حتي يهزمه و يقتل جنوده و تذل النفس و تنقاد مع العقل الي طاعة اللّه تعالي كارهةً و هكذا حتي تكونَ ملهمةً فان عمل المرء بمقتضي داعي النفس قويَتْ علي المعصية و اسعدها الشيطان و تنحّي الملكُ الخاۤصُّ بتلك الجهة و ان عمل بمقتضي داعي العقل مرة بعد اُخرَي كانت الملهمة لَوّامَةً و هكذا ثم تكون مطمئنّة فتكون اختاً للعقل طالبةً لما يطلب العقل من الطاعة و هي الكلب المعلّم الذي علّمه العقل ممّا علّمه اللّٰهُ فيصطاد بها قُوْتَهُ اي قُوْتَ مركبه فانّ العقل انّما يدعو الي طلب الحلال و الاكل الحلال و النكاح الحلال لِقُوتِ مركبه الذي يستعمله للركوب و حمل الاثقال فان البدن لايستغني العقل عن اصلاحه ليَستعمله في سيره الي ربّه و لايمكنه الّا بالنفس المطمئنّة و تحمل اثقالكم الي بلدٍ لم‌تكونوا بالغيه الّا بشقّ الانفس ،
و الحاصل هذه تلويحات و بيانها من العقل و النقل طويل و المراد بيان معني السؤال بعدم ازاغة القلب و هو انّه اذا حصل العقل الشرعي و هو العقل المكتسب من الطاعات و الاعمال الصالحات علي ما امروا به سادات البريات صلي اللّه علي محمد و آله الطاهرين استقام علي الولاية و فروعها مما امر اللّه به و دلّ عليه من صحيح الاعتقادات و خالص الاعمال الصالحات و اذا استقام علي الطريقة عرّفه اللّه نفسه و عرّفه نبيّه و اوصياۤءه صلي اللّه عليه و آله و وفّقه لطاعته و عصمه عن معصيته فيطلعه اللّه تعالي بحقيقة ما هو اهله علي بابٍ من ابواب غيوبه فرأي رأي العين ان كلّ ما سوي اللّه فهو قاۤئم بفعل اللّه سبحانه قيام صدور اقامه و اقام كونه و عينه بما يُمِدّه به من امدادِه۪ المتجدّد تجدّداً سيَّالاً فيري عياناً انه انما هو هو بذلك المدد الحادث المتجدّد و ذلك المدد الحادث انما هو شئ بفعل اللّهِ لا من شئ فهو من جهة الفعل داۤئم الفيض و من جهة القابل انّما يتحقّق بدَوام القبول جارياً من جهته كجريان المدد من جهة فعل اللّه تعالي و هو شئ اشترك فيه جميع الخلق فالراسخون في العلم العالمون بتأويل القرءان عن اللّه تعالي حين قالوا آمنّا به بمحكمه و متشابهه و انه كلّه من المحكم و المتشابه من عند ربّنا و بذلك ذكروا اللّه سبحانه و تذكّروا بما آتيهم من الحكمة علموا بانّ هذا الايمان الّذي اعترفوا به و انه دين اللّه سبحانه صفة و الموصوف لا قوام له الّا بمدد اللّه و لاينتفعون بذلك المدد الّا بقبوله و لا قبول له اعظم من مشاهدتهم في كلّ شئٍ انه من اللّه و بيده و حين اجراه عليهم لم‌يخلّه من يده اذ لو خلّاه من يده لم‌يكن شيئاً اذ لا شئ الّا باللّهِ و اعلمهم ان حفظ المدد عليهم انما هو باعترافهم انه من اللّه و باللّه و بالسؤال من اللّه بقلوبهم و باقوالهم و باعمالهم و الصفة مع مشاركتها للموصوف في الحاجة الي اللّه تعالي محتاجة الي الموصوف و ذلك بجَعْلِ اللّه سبحانه فهي في الظاهر اولي من الموصوف بالحاجة و لمّا كان باب الايمان من اللّه سبحانه اليهم في المدد و منهم الي اللّه عز و جل في القبول هي القلوب لانها سبب طلب الايمان و الهداية و الثبات عليهما و سبب الميل عن الايمان و الهداية الي الكفر و الضلالة سألوا اللّه تعالي ان يُثَبّتَ قلوبَهُمْ علي الايمان و الهداية و ان لايزيغَها و يميلها الي الباطل و الكفر بعد الهداية الي الايمان لعلمهم بان القلوب تزيغ عما كانت عليه من الايمان فان قلتَ اذا هديهم للايمان فكيف يميلهم قبل ان يميلوا و قد قال تعالي انّ اللّه لايغيّر ما بقومٍ حَتّي يُغَيّروا ما باَنفسِهم ، قلتُ انّ القلوب انّما لم‌تغيّر ما دام اللّه سبحانه حافظاً لَها عن التغيّر و لم‌يكن يحفظها الا بقبولها لحفظه و لا قبول لها لحفظه الّا بالاعتراف له بان ذلك من فضله الابتداۤئي بغير استحقاقٍ من العباد و بالسؤال من كرمه و فضله الثبات كما فعل الراسخون في العلم فانّهم في استحقاق الثبات بحقيقة ما هم اهله اولي و لكن لعلمهم باللّهِ سبحانه سألوه لانّهم يعلمون انّ ذلك عنده و لاينال ما عنده الا بطاعته و سؤاله و التضرع اليه فان قلتَ اذا كان الفيض داۤئم الظهور و المؤمن داۤئم الطاعة و الطاعة هي القبول لذلك المدد و لذلك الثبات علي الايمان لانه بالمدد فقد تمّت العلّة من جهة الفاعل و من جهة القابل و اذا وجدت العلّة التامّة امتنع تخلّف المعلول قلتُ اذا تمّت علّة القبول من قبل العبد لم‌يلزم من ذلك تمام العلة من قبل الربّ لان المدد ليس وجوده علّة تاۤمة و لا القبول لانّ العلل اربع العلّة الفاعلية و العلّة المادية و هي هنا المدد المشار اليه و العلّة الصورية و هي القبول و العلّة الغاۤئيّة و هي نفع العِباد و انتفاعهم اي نفع بعضهم بعضاً و امّا العلّة الفاعلية فهي فعله تعالي و فعله مشيّته و ارادته فاذا لم‌يشأ و لم‌يرد كيف ينفع القبول لان القبول حينئذٍ لا لشئ فليس بقبول و ايضاً مرادنا بقولنا ان العلة الفاعلية فعله نريد به فعله في المراتب السبع فعل الكون بالمشيّة و فعل العين بالارادة و فعل الحدود و الهندسة بالقدر و فعل التمام بالقضاۤء و فعل الاذن بالرخصة في جميع مراتب الظهور فانّ الشئ اذا تمت اسبابه توقّف علي سبب الرخصة فاذا اذن اللّه سبحانه له في الظهور ظهر و فعل الاجل بمعني انه لايظهر الّا في الوقت المقدّر لظهوره و لايفني الّا في الوقت المقدر لفناۤئه و فعل الكتاب بان يكتبه في الالواح بجميع اسبابه و هو قول الصادق عليه السلام لايكون شئ في الارض و لا في السماۤء الا بسبعة بمشيّةٍ و ارادةٍ و قدرٍ و قضاۤءٍ و اذنٍ و اجلٍ و كتاب فمن زعم انه يقدر علي نقص واحدة فقد كفر ه‍ ، و في رواية علي نقض بالضاد المعجمة و في رواية فقد اشرك و العلة فيما قلنا من ان العلّة الفاعلية لم‌تتم ان الحادث اذا استوجب شيئاً فذلك الشئ عند اللّهِ تعالي و له و ملكه و هو بالخيار ان شاۤء اعطي و ان شاۤء منع اذ لايجب عليه شئ و لايحكم عليه و ان كان سبحانه اجري عادته انه لايمنع الخير و يعطي من سأله و من لايسأله تفضّلاً منه و كرماً و اذا سمعتَ العلماۤء يقولون يجب علي اللّه سبحانه اللطف بعباده فيراد منه انه يجب عليه في الحكمة لا وجوب تسلّطٍ لانه تعالي يحكم و لايحكم عليه قال اللّه تعالي و لئن شئنا لنذهبنّ بالّذي اوحينا اليك مع انه تعالي لايفعل ذلك بنبيّه صلي اللّه عليه و آله ابداً و لكنه علي كل شئ قدير الّا انّه اجري عادته علي الاحسان و الجميل فلايفعل الّا ما هو الصلاح بعباده و ما هو الا لطف بهم و في الحديث في التوحيد قال الرضا عليه السلام في الردّ علي سليمن المروزي في قوله انّ ارادة اللّهِ علمه قال عليه السلام و ما الدليل علي ان ارادته علمه و قد يعلم ما لايريده ابداً و ذلك قوله عزّ و جل و لئن شِئنا لنذهبنّ بالّذي اوْحَيْنا اليك فهو يعلم كيف يذهب به و هو لايذهب به۪ ابداً فقوله عليه السلام فهو يعلم كيف يذهب به يشير به انّه قادر عليه لانّه ممكنٌ له و لَوْ كانَ وَاجِباً عليه لَمٰاجازَ اَنْ يقالَ وَ لَئِنْ شِئنا لَنذهبَنَّ بالَّذي اَوْحَيْنا اليكَ لانّ قوله هذا معناه انّا انّما ابقينا ما اوحينا اليك عندك تفضّلاً منّا عليك و ليس بلازمٍ علينا و لو شئنا لذهَبْنا به و هذا صريح بانه مايجب عليه و انّما اوجبه علي نفسه من الايفاۤء بعهده و اتمام وعده قال تعالي و يستعجلونكَ بالعذاب و لن‌يُخْلِفَ اللّهُ وعده ،
و ما ذكره السيد نعمت‌اللّه الجزاۤئري في الكلام الذي نقله عن بعض المفسرين كما تقدم و هو : و لايقتضي ذلك انّه تعالي سُئِل عَمّا لوْلَا المسئَلة لجازَ اَنْ يفعلَهُ لانَّهُ غير ممتنعٍ اَنْ يدعوَهُ علي سبيل الانقطاع اليه الخ ، يدلّ بان الراسخين لم‌يدعوا اللّه سبحانه بان لاتزيغ قلوبهم خوفاً من انّها يجوز عليها و يمكن وقوع الزّيغ من قلوبهم لانّهم معصومون آمِنون من زيغ قلوبهم و ميلِها عن الحق و انّما دعوه انقطاعاً اليه بمعني انّ كلّ شئ فانّما ثباتُه به و تبرّءاً من الحول و القوّة و المعروف من القرءان و من احاديث اهل العصمة عليهم السلام و من الدليل العقلي الّذي هو التوحيد الحقّ ان الراسخين انما دعوه خوفاً من زيغ قلوبهم و انّ القلوب تزيغ الّا ان يثبّتها اللّهُ تعالي و لايُثبّتها الّا بالدعاۤء و الانقطاع اليه و التضرّع عنده كما في دعاۤء الوتر و لاينجي منك الّا التضرّع اليكَ و انّ ما يدّعونه لو كانَ موجوداً لكان في حق سيّد المرسلين محمد صلي اللّه عليه و آله بالطريق الاَولي و قد اخبر عن نفسه كما في خطبته يوم الغدير بانّه يفعل ذلكَ خوفاً حقيقيّاً لا مجرّد انقطاعٍ فقال صلي اللّه عليه و آله خوفاً اَلّاافعَلَ فتحِلَّ علَيَّ منه قارعةٌ لايدفعُهَا عنّي احَدٌ و انْ عظمت حيلتُهُ لانّه اللّه الذي لايُؤمَنُ مكرهُ و لايُخافُ جَورُهُ و قال صلي اللّه عليه و آله و لو عصيتُ لهوَيْتُ و في الكتاب العزيز عباد مكرمون الي قوله تعالي و هم من خشيته مشفقون و من يقل منهم انّي الٰه من دُونه۪ فذلك نجزيه جهنّم كذلك نجزي الظالمين ، و في الكافي عن الصادق عليه السلام ما معناه انّ النبي الياس سجد و تضرّع الي اللّه تعالي فاوحي اللّه اليه ارفع رأسك فانّي لااُعَذّبُك فقال يا ربّ ان قلتَ لااُعَذِّبُك ثم عذّبْتَني الستُ عبدك فقال اللّه تعالي انّي اذا وعدت لااُخلِفُ الميعاد ه‍ ، نقلته بالمعني الّذي حضرني و الحاصل انّ خوف محمد صلي اللّه عليه و آله اشدّ من خوف جميع الخَلق و من دونه اهل بيته عليهم السلام و مِنْ دونهم الانبياۤء و المرسلُونَ و هكذا الملاۤئكة و المؤمنون و لو كان خوفهم للانقطاع لم‌يكن خوفاً بل هو انس باللّه تعالي و لو كان كذلك كانت دموعه في بكاۤئه من خشية اللّه باردةً و الامر علي العكس بل كما قال تعالي يخافون ربّهم من فوقهم و يفعلون ما يؤمرون و لقد كانوا احقّ بالخوف من مقام ربهم من جميع الخلق و ليس الّا للخوف من مكره تعالي كما قال صلي اللّه عليه و آله لانه اللّه الذي لايُؤمَنُ مكرهُ و اذا تتبّعتَ اخبارهم و ادعيتهم ظهر لك ان خوفهم عليهم السلام خوفٌ حقيقي و انهم مستجابوا الدعوة و وعدهم اللّه النجاة من عذابه و داۤئماً يتضرّعون اليه و يعلمون انّه لاينجيهم من مكره شئ الّا فضله و رحمته الابتداۤئيّانِ و انه تعالي لو قاۤصّهم لم‌يكن لهم ما يستحقون به ادني شئ من رحمته و فضله تدبّر كلام سيّدالعابدين عليه السلام في دعاۤئه في سجود الشكر بعد الثماني من صلوة الليل و قد ذكرناه في ما تقدم و هو الهي وَ عزّتِك و جلالك لو انّني منذُ بدعتَ فطرتي من اول الدهر عبدتُكَ دوام خلود ربُوبيّتِك بكلّ شعرة في كل طرفةِ عينٍ بحمد الخلاۤئق و شكرهم اجمعين الي آخر الدعاۤء يظهر لك انّهم خاۤئفون وجلون لانّهم لا عملَ لهم يقرّبهم عن استحقاقٍ و انّهم دعوه من الفضل و التكرم و الرحمة و اذا كان هذا حالهم انه لو عاقبهم بكل عقوبةٍ مع ما هم عليه لكان ذلك بعدله تعالي قليلاً في كثير ما يستوجبون من عقوبته كما في الدعاۤء المذكور و ليس هذا فعلوه للانقطاع خاۤصّةً او لتعليم الرعيّة لانه لو كان كذلك لكان اِمَّا لانّهم اربابٌ غير محتاجين الي ربٍّ تعالي اللّه عن ذلك علواً كبيراً و امّا لانّ لهم عليه جزاۤءً يستحقّونه من اعمالهم بدون فضله فحينئذٍ لو قال قاۤئلهم لااريد فضلَك و رحمتك و انّما اُرِيدُ حقّي الّذي عملتُه من نفسي و لا شكّ في انّ مَن قال ذلك فهو كمن قال انّي الٰهٌ من دُونه لانّه ادّعي انّ اعماله الصالحة ليست من نعم اللّه بل هي منه و لا شك في كون هذا شركاً باللّه تعالي و اِن وجد و علم انّها كلّها من اللّه تعالي فلا استحقاق له في شئ فلا نجاةَ له الّا بسؤاله و التضرع اليه و كلّها نعمه تعالي و انّما رضي من عبده بالاعتراف بالتقصير و انّ ما وَفّقه لَهُ من الاعمال فهو مما يجب عليه شكرها لانّها نعم متجددة من كرمه تعالي فاين الاستحقاق للثبات علي الايمان و حفظ القلب عن الميل عن الهداية الي الضلالة و كلّ ذلك نعمه تعالي و قال علي عليه السلام في خطبته يوم عيد الاضحي كما رواه الشيخ (ره‌) في المصباح فواللّهِ لو حَنَنتُمْ حنينَ الوالِه المعجال و دعوتم دُعاء الحَمَام ( الانام خ ) و جَأرْتم جُؤَارَ مُتَبَتِّلِي الرهبانِ و خرجتم الي اللّه من الاموال و الاولاد اِلتماسَ القربة اليه في ارتفاع دَرجةٍ و غفرانِ سيّئةٍ احصتْها كتَبَتُه و حفِظتْها رسُلُه لكان قليلاً فيما ترجون من ثوابه و تخشون من عقابه و تاللّهِ لو انماثت قلوبكم انمياثاً و سالت من رهبة اللّه عيونكم دَماً ثم عُمِّرتم عمر الدنيا علي افضل اجتهادٍ و عَمَلٍ ماجزت اعمالكم حقّ نعمة اللّه عليكم و لااستحققتم الجنة بسوي رحمة اللّه و منّه عليكم ه‍ ، فتأمّل قوله عليه السلام انكم لو قمتم بهذه الاعمال التي اشار اليها مدّة عمر الدنيا علي افضل اجتهاد و عملٍ ما قابلَت حقّ نعمة اللّه عليكم الخ ، مع انّ هذه التي اشار اليها عليه السلام لايمكن وقوعها من مكلّفٍ و لاسيما الاعمال التي اشار اليها زين‌العابدين عليه السلام في الدعاۤء المشار اليه سابقاً فانّ فيه و لو انّني يا الهي كربتُ معادن حديد الدنيا بانيابي و حَرثتُ ارضها باشفارِ عَيني و بكيتُ من خشيتك مثل بحور السموات و الارض دَماً و صد۪يداً لكان ذلك قليلاً في كثير ما يجب من حقِك عَلَيّ الخ ، فانّ هذا لايمكن وقوعه من المكلّف و مع هذا بيّن عليه السلام اني لو فعلتُ هذا كنتُ مقصِّرا في واجب حقك عليّ و لو عذّبتن۪ي بانواع عذاب الخلاۤئق علي التقصير الذي كان مني لكان تعذيبك ايّاي بعذاب الخلاۤئق كلهم بعدلِك ان لم‌تتجاوز عنّي قليلاً في كثير ما استوجب من عقوبتك علي تقصيري في حقك مع تلك العبادة فاذا تدبّرتَ ما ذكرنا لك و اشرنا اليه ظهر لكَ انّ الراسخين في العلم اشدّ خوفاً من جميع الخلاۤئق من ان يزيغَ قلوبهم عن الهدي بعد اذ هديهم و ان كان ممّا انعم عليهم ان تفضّل عليهم بالرجاۤء فيه و حسن الظن بقدر ما البسهم من الخوف فانّ المؤمن لايستقيم ايمانه حتي يعتدل خوفه و رجاۤؤه لانهما جناحان له يطير بهما الي اللّه تعالي و لايطير الطاۤئر حتي تعتدلَ جناحاهُ فافهم ،
و امّا قول السيد رحمه اللّه ان سؤالهم انقطاع اليه تعالي فهو من الحق ايضاً و نقول به و نقول ايضاً ان الانقطاع من الخوف و لايلزم مما ذكرنا ان تكون اعمالهم غير خالصة لوجهه تعالي لانّها راجعةٌ الي حظوظ النفس و المشهور عند المتقدّمين بطلان العمل بذلك لانّا نقول انّ ما اشرنا اليه هو حقيقة الاخلاص لان الاخلاص ايقاع العمل لمحض التقرّب اليه خاۤصّة و لا شك انّهم انّما سألوه ان يثبّت قلوبهم علي ما يقربهم اليه و لايُم۪يلَها الي ما يبعّدُهم منه و من هنا نشأ الخوف الشديد لهم لعلمهم بذلك حتّي كان اميرالمؤمنين صلوات اللّه عليه لمّا قرأ بعد ركعتي الافتتاح قبل صلوة الليل الهي كم من مُوبقةٍ حَلمتَ عن مقابلتها بنقمتِك و كم من جريرة تكرمتَ عن كشفها بكرمك الدعاء ، خرّ مغشيّاً عليه و اخبرهم ابوالدرداۤء انه عليه السلام قضي نحبه فرشّوا عليه الماۤء حتي افاق و اخبروا اباالدرداۤء انّ هذه عادته عليه السلام مع انه عليه السلام اخبر انّه ماعبد اللّه خوفاً من ناره و لا طمعاً في جنته و لكن رءاه اهلاً للعبادة فعبده فما هذا الخوف الشديد الّا لانّه يعمل للتقريب و يخاف التبعيد كيف لايكون كذلك و اللّه تعالي انزل في كتابه علي رسوله صلي اللّه عليه و آله افاَمِنُوا مكر اللّه فلايأمن مكر اللّهِ الّا القوم الخاسرون فافهم وفّقك لحقاۤئق الامور و صحيح الاعتقادات ،
و قوله عليه السلام : و هب لنا من لدنك رحمة انّك انت الوهّاب
يُشير به الي انّ الثبات علي الهداية انّما هو برحمةٍ منك تَهَبُهَا مَن تشاۤءُ و قوله و هب لنا نبّه بذكر الهبة علي الفضل الابتداۤئي لا عن استحقاقٍ فانّ الاستحقاق ليس هبة و انما هو طلب حقٍّ و قوله من لدنك و لم‌يقل من عندك اشار به الي انّها ابتداۤئيّة لانّ لدن و ان كان بمعني عند الّا انّها اخصّ من عند لاحتمال كون عند بمعني في ملكك و هو صادق علي القريب منه و البعيد و المحبوب و المبغوض و لدن لمّا كانت تفيد القرب اختصّ استعمالها في القريب و المحبوب اماتسمعهم يقولون لمن له علم غير مكتسب من غيره يقولون علمه لدنيّ و لايقولون عندِيٌّ و لو كان الثّبات علي ما وفّق من الايمان ليس نعمة جديدة و رحمة ابتداۤئيّة لماقال من لدنك لانّ معنَي مِنْ لدنك انّه جديدُ الحدوث لم‌يجعله لهم قبل السؤال و لم‌يستحقّوه بالسؤال و لهذا ذكر انك انت الوهّاب اي المبتدئ بالنعم قبل استحقاقها لان السؤال و ان كان من افضل القَوابل الّا انه غير مقتضٍ للاجابة لذاته و لو كان مقتضياً للاجابة لماكانت الاجابة رحمة و لمّا كانت الاجابة رحمة دلت علي انّ مقتضي الاجابة انما هو الجود و الكرم الذي نبّه عليه بقوله انّكَ اَنْتَ الوهّاب نعم السؤال شرط لوجود العطيّة اذا اجريٰها المتفضِّل عَلي مقتضي الاسباب فكان السؤال مقتضِياً بالاجابة لا لذاته و الاجابة من الكرم المطلق ثم اذا اقتضي بالاجابة فانما هو مقتضٍ بها للظهور لا للايجادِ لان ظهور هذه العطيّة اذا جُعِل السؤال لها سَبباً متوقفٌ عليه و لو لم‌يجعل سبباً لم‌يتوقف عليه و المعطي سبحانه سبب مَن لا سببَ له و سبب كل ذي سبب و مسبب الاسباب من غير سبب فهو يفعل ما يشاۤء و لي في بيان هذا الحرف سِبَاحَةٌ طويلة اقِفُ بها علي ساحِلِ القُطبيّة و لكن لايقتضي المقام بيان كله فان قلتَ هذه دعوي فلا بدّ في تصديقها من المشاهدة قلتُ ان افتريتُه فعليَّ اجرامي و انا بريۤ‌ء مما تجرمون و ايضاً من اهل القابلية لما اشرنا اليه ظهر مما ذكرتُ في هذا الشرح و كرّرتُ تصديق هذه الدعوي و الي اللّهِ ترجع الامور و رحمة اللّه تعالي حقيقة لا مجازٌ لانّه تعالي انّما خلق جميع الخلق بالرحمة و قد سمي نفسه بالرحمن قبل خلقه فقال الرحمن علي العرش استوي و انّما خلق جميع خلقه بفاضل تلك الرحمة و سمّاها رحمة و كلام علماۤء الاصول في هذه المسئلة غير محقق فقولهم انّ المجاز لايستلزم الحقيقة لمّا تورّطوا بقولهم انّ الحقيقة استعمال اللفظ فيما وضع له اوّلاً و المجاز استعماله ثانياً و وجدوا اسم الرحمن غير مسبوق بوضعٍ قبله قالوا انّ المجاز لايستلزم الحقيقة فنقول اذا لم‌يستلزم لم‌يكن مجازاً اذ معني المجاز الطريق الي الحقيقة فاذا وضع لفظ علي شئ لم‌يستعمل فيما قبله فان كان يجوز ان يكون مَجازاً لم‌توجد حقيقةٌ فان قلتَ بلي توجد بدليل انّ الرحمة حقيقة رقّة القلب قلتُ هذا مصادرة فمن اين علم اَنّ حقيقتها رقّة القلب فلعلّ حقيقتها معني آخر بدليل ان اللّه تعالي سمّي نفسه بالرحمن و سمّي الرحمة باسمها و خلق خلقه بها و لم‌يوجد قلبٌ و لم‌تخلق له رقّة و لعلّ هذه الرقّة انّما سمّيت رحمة مجازاً لانّ اللّٰهَ سبحانه لمّا خلق الرحمة و سمّاها بهذا الاسم و خلق الخلق آيات لما هنالك فقال سنريهم آياتنا في الٰافاق و في انفسهم فكان ما في الانفس آية و دليلاً لما في الغيب و الٰاية و الدليل ليسا ذاتين و انما هما صفتان و الصفة مجاز الموصوف و هو حقيقتها و لمّا كان الٰاية و الدليل مثلاً و صفة للمستدل عليه و للموصوف وجب في الحكمة ان يكون فيه ما يشابه الحقيقة التي في الموصوف و المستدل عليه فوضع تعالي ما يشابه اصله ليمكن الاستدلال به مثلاً لو انّك لم‌تر الفرس الحيوان الصاهل و طلبتَ مني بيانه و تمثيله و نقشتُ لك في القرطاس صورة فرس و هذه الصورة هي مثال الحيوان المعلوم و لها يدانِ و رجلان مثل الحيوانِ فيَداها اي الصورة و رجلاها حقيقةٌ فيها و ان كانتا مجازاً بالنسبة الي الحيوان فكذلك خلق اللّه الرحمة و سمّاها باسمها و وصفَ نفسَهُ بها قبل ان يخلق الخلق و القلوب و الرقّة لانّ المخلوق فرع عن صفات فعل الخالق فان كان في الاصل صفة و اراد الفاعل ان يجعل في الفرع نظير صفة الاصل صنعها مناسبة للفرع بقدر امكانه و سمّاها باسم صفة الاصل فليس لك ان كنتَ تفهم انّ صفة الفرع كانت بعد صفة الاصل و سمّيت باسمها و جعلت نَظيرها ان تسمّي صفة الفرع حقيقة و صفة الاصل مجازاً مع ان الحقيقة ذكر و المجاز انثي و تنسبون الذكر اليكم و الانثي له تعالي اَلكم الذكر و له الانثي تلك اذاً قسمةٌ ضيزي و المعلوم عند جميع العقلاۤء انه تعالي انّما خلق للاَجْسام آلاتٍ ليستعملها فيما يراد منه لانّه لايمكنه العمل بدون الٰالاتِ بخلاف الصّانِع فانه تعالي يفعل بغير آلةٍ فلمّا خلق الاجسام و النفوس المحتاجة في عملها الي الاجسَام و اراد منها عمل ما كلّفَها به خلقَ لها آلةً تعمل بها ما ارادَ منها و سمّاها لها باسماۤءٍ اشتقّها من اسماۤئه تعالي ليستدلّ بالاسماۤء ليعرفوه بها من غير تشبيه كما خلق للخلق علماً ليعرفوا به علمه تعالي بمعني انه عالم لانّه خلق العلم و الجاهل لايصنع العلم و ليس علم الخلق حقيقة و علمه مجازاً لان العلم حقيقةٌ في صورة المعلوم عندنا و لانعرف علماً الّا انّه صورة و مقترن بالمعلوم و علمه تعالي ان كان صفةً للمعلوم و صورةً له فهو حادث و ان كان مقترناً به فهو حادث للاجماع من جميع العُقلاۤء من الحكماۤء و المتكلمين و غيرهم من الملّيّين و غيرهم انّ الاقتران صفة الحدوث و لايقع الّا بين حادثين و ان لم‌يكن صفةً للمعلوم و لا مقترناً به فليس علماً لان العلم لايكون الّا صفة و مقترناً و لمّا ثبت انه تعالي عالم لانّه خلق العلم و صنع الصنع المحكم المتقن و لايكون هكذا الّا العالم و لمّا ثبت انّ العلم حقيقةٌ انه صورة المعلوم و مقترن به و هاتان لايجوز ان يوصف اللّه تعالي بهما وجب ان تحكموا بانّ علمه مَجازٌ لا حقيقة لانكم لاتعرفون من العلم الّا ما لايجوز علي الله تعالي كما قلتم انّا لانعرف من الرحمة الا رقّة القلب و هي غير جاۤئزةٍ علي اللّه تعالي فرحمته مجاز فقولوا ايضاً علمه مجاز كذلك و ان قلتم ان علمه مجاز فقولوا ايضاً بذلك في قدرته و سمعه و بصره و حياته و ادراكه و غير ذلك مع انكم تقولون هي عين ذاته فتكون ذاته مجازاً و ذواتكم حقيقة لانكم لاتعرفون من الذات الّا ما هو مثلكم و لهذا قال الصادق عليه السلام كلّ ما ميّزتموه باوهامكم في ادقِّ معانيه فهو مثلكم مخلوق مردود عليكم و ان قلتم انّ علمه لانعرف حقيقته و لا كيفيّته فكذلك قولوا رحمته لانعرف حقيقتها و كيفيتها فكما انّكم لاتحكمون بكون علمه مجازاً لعدم معرفتكم بحقيقته و الاصل في الاستعمالِ الحقيقة فكذلك لاتحكمون بكون رحمته مجازاً لعدم معرفتكم بحقيقتها و الاصل في الاستعمال الحقيقة كيف و قد استعمل الرحمن قبل المجاز و قبل خلق اهله فان قلتم فاذاً تكون رحمتُنَا مجازاً و المجاز مسبوق بالحقيقة و لايُعقل ذلك قلتُ اذا لم‌تعقلوا ذلك فقولوا رحمتُنا حقيقة و رحمة اللّه تعالي حقيقة و حقيقتُنا بنسبة حالنا كما مثّلنَا بالفرس فان يديها حقيقة فيها و صورتها المنقوشة في القرطاس يداها حقيقةٌ فيها و ان كانتا مجازاً بالنسبة الي الفرس الحيوان فافهم فاِنْ فهمتَ فحسن و الّا فقد بيّنتُ لكل مَن له قلبٌ اوْ القي السمع و هو شهيد ببيانٍ يفهمه الّا ثلاثة رجالٍ رجل معاند مكابرٌ لعقلِه۪ و رجل لايفهم العلم و انما هو كالطير المعلّم ينطق بما لايفهم و رجل جامِدٌ جمدَتْ طبيعته علي ما سمع بحيث اذا سمع شيئاً غير ما سمع لايلتَفِتُ اليه و لاينظر فيه لانّه لايريد العلم و انّما يريد الصورة فاذا حفظ الصورة جمَد عليها اذا سلِمَ من الردّ عليه من العوامّ او ما يستلزم ذلك فان قلتَ قد قام الاجماع علي ان رحمتنا حقيقة وَ انها لاتجوز علي اللّهِ قلتُ ان قام علي ان رحمة الخلق حقيقةٌ لم‌يقم علي انّ رحمة اللّهِ مَجازٌ و ان كان فرّعوا علي كون رحمتهم حقيقة و انها غير رحمة اللّه و لايلزم من المغايرة كونها في حقِّه۪ تعالي مجازاً كما انه لايلزم من كون علمنا حقيقة و قدرتنا و سمعنا و بصرنا و انه غير ما في اللّه تعالي كون علم اللّهِ و قدرته و سمعه و بصره مجازاً لجواز ان يكون هذا حقيقة و هذا حقيقة كما انّ ذاتنا حقيقة و ذاته حقيقة و انّا شئ و هو شئ و كلّ حقيقة و كلّ مُغايرٌ للٰاخر فافهم .
قال عليه السلام : سبحان ربّنا ان كان وعد ربّنا لمفعولاً
قال الشارح المجلسي (ره‌) سبحان ربّنا اي انزّهه تنزيهاً عما لا يليقُ بذاته و صفاته و افعالِه۪ ان كان اي انّه مخفّفةً من الثّقيلة وعد ربّنا لمفعُولاً في اجابة الدعوات فكيف يخلف وعده انتهي .
و قال السيد نعمت‌اللّه ان كان وعد ربّنا لمفعُولاً اِنْ هنا مخفّفة من المثقلة و يندرج في قوله وعد ربّنا اجابة الدعوات لانّه قال ادعوني اَسْتَجِبْ لكم انتهي .
اقول تذكّر ما اعترفَ به من الايمان و تذكّر انّ الثبات ليس في ايدينا و انّما هو في يد اللّه سبحانه و انه لا حول و لا قوّة الّا باللّهِ العلي العظيم لا حول لنا عن الانقلاب الي الضلالة و لا قوة لنا علي الثبات الي الهداية الّا باللّهِ المتعالي عن الجور و الظلم و عن البخل لانه المتفضّل بمبتدءات النعم الجزيلة و عن تغيير عادته من الجميل و الاحسان و الفضل و الامتنان و عن اَنْ يخيب رجاۤء راجيه و عن اَلَّايكون مع حسن ظنّ عبده به و عن ان يضيعَ عملنا بزيارتهم و محبّتهم و التسليم لهم و الردّ اليهم و بتوجُّهِنا اليه تعالي بهم و تقرّبنا بمحبّتهم و اتّكالِنا علي ولايتهم لامره لنا بذلك العظيم الذي لايوصف وَ لايعرف و لايكيّف و تذكّر ما وصفهم عليهم السلام به من الاوصاف التي لاتثبت عليها احكام الاقرار اِلّا مَعَ المُوَافَاة باَنْ تذعن القلوب و الاركان و اللّسان كُلُّ واحدٍ منها بالقيام بما يراد منه فلمّا قال ما ذكر و لم‌تَحْصل بالموافاة فقد خالف اللّسانُ و القلبُ الاركان و كان القول بدعوي الموالاة و المحبّة الَّتي لاتحصل الّا بالعمل و اقلّه البعض كما قال تعالي فمن يعمل من الصالحات و هو مؤمن فلا كفرانَ لسعيه و انّا له كاتبون و اكمله القيام بالكلّ عند اللّهِ اعراضاً و كان الاعراضُ تكذيباً و كان التكذيبُ استهزاۤءً و هذه امور لازمةٌ من قوله تعالي و ماتأتيهم من آيةٍ من آيات ربهم الّا كانُوا عنها معرضين فقد كذّبوا بالحقّ لمّا جاۤءهم فسوف يأتيهم انباۤء ما كانوا به يستهزؤن و الٰاية التي اتَتْهُ ما علّمه اللّهُ مِن انَّ مَن ادّعي ولايتهم و خالفهم فقد اعرض عما يعلم كما في الحديث القدسي ما معناه قال اللّه يا موسي كذبَ مَن زعم انه يحبّني و اذا جاۤء الليل نام عنّي و هل رأيتَ مُحِبّاً ينام عن حبيبه ه‍ ، و اذا اعرض فقد كذّبَ و لذا قال تعالي كذب مَن زَعم انه يحبّني الخ و اذا كذّبَ فقد استهزأ كما في الٰايتَيْن المتقدّمتَيْن فلمّا وجد ذلك من نفسِه۪ و هو يعلم ان ما قاله في الثناۤء عليهم عليهم السلام اذا كان مع الموافاة افضل العبادات للّهِ و اكمل ما يذكر به اللّه و يسبّح و يهلّل و بدون الموافاة قد يكون كما في الٰايتين فلمّا استشعر ذلك نزّه اللّه تعالي عمّا ادّعاه من الطاعة و انه ربّما كان عاصياً بترك الموافاة فقال سبحان ربّنا ان كان وعدُ ربّنا لمفعولاً و ربّما رجا من اللّه تعالي القبول لهذا العمل القليل كان لهم عليهم السلام لأنّ ولايتهم تتمِّم ما نقص من الاعمال كما دلّت عليه اخبارهم فقال انّه كان وعدُ ربّنا لمفعولاً لايخلفُهُ لأنّ الوعد يستعمل في القول بفعل الثواب و الوعيد في القول بفعل العقاب و قد يستعمل القول بفعل العقاب في الوعد اذا كان اتمامه فيه مصلحة اخري كما قال تعالي و يستعجلونك بالعذاب و لن‌يخلف اللّه وعده و كان وعده قد وقع موقع وعيده الّا انّه لمّا كان فيه نصرة نبيّه صلّي اللّه عليه و آله اتي بما يليق بنبيّه صلي اللّه عليه و آله لأنّه فعل ذلك ترجيحاً لجهته فكأن الكلام و يستعجلونك بالعذاب تكذيباً لك و لنبوّتك و لسوف اصدِّقُك و اُنْزِلُ بهم ما استعجلوا به فكأنّ المقام وعيد من جهةٍ و وعد من جهةٍ فرجح جانب نبيّه صلي اللّه عليه و آله فقال ان كان وعد ربّنا لمفعولاً بلحاظِ ارادة الوعدِ من هذا الوعد لان اللّه تعالي وعدَ القبول لاقلّ الاعمال مع ولايتهم لانها تتمّم ما نقص و تقوم مقام ما فقد لاشتمالها علي محبّتهم و لو خاۤصّة بالقلب بدون عمل الاركان بلحاظ ارادة الوعيد من هذا الوعد لانّ مَنْ قال بلسانه و لم‌يعمل باركانه فقد نقّص حقّهم كما قال عليه السلام انّ ولايتنا لاتنال الّا بالورع فذكر ذنوبه و تقصيراته امّا بسبب هذه الدّعاوَي التي لم‌يشفعها بالموافاة او مطلقاً و هذا اللحاظ بقرينة قوله يا وليّ اللّهِ انّ بيني و بين اللّه ذنوباً الخ ، و هذه القرينة مرجّحةٌ لِلّحاظ الثاني و يرجّح الاوّل و هو ارادة الوعد من هذا الوعد انه صدّره بان المخفّفة من الثقيلة و هي للتأكيد و دخول لام التأكيد في خبرها و ان كان اتي بها للفرق لكنّها مع ذلك تفيد التأكيد لانها اذا خفّفت و اُت۪ي لها باللام للفرق بينها و بين الشرطيّة لم‌يؤت للفرق الّا بلامها التي تدخل و ان كانت مشدّدة للتأكيد و انّه اَتي بلفظ الوعد و استعماله في الوَعيد بعيد و علي فرض الوجه الثاني فانّما لوحظ به مصلحة الٰاخر و الٰاخر هنا الائمّة عليهم السلام فانهم لايحبّون المعصية و التقصير من شيعتهم و محبّيهم و اذا وقع من محبّهم تحمّلوا تبعاته و استغفروا له و شفعوا فيه بحيث لايشمت بهم اعداۤؤهم و في تفسير العياشي عن كرّام قال سمعتُ اباعبداللّه عليه السلام يقول اذا كان يوم القيامة اقبل سبعُ قبابٍ من نور يواقيت اخضر و ابيض في كلّ قبّة امامُ دهرِه و قد حفّ به اهل دهره برّها و فاجرها حتّي تغ۪يبَ عن باب الجنّة فيطَّلِع اولها قبّةً اطّلاعةً فيمرّ اهل ولايته من عدوّه ثم يقبل علي عدوّه فيقول انتم الّذينَ اقسمتم لايَنالهم اللّه برحمةٍ ادخلوا الجنّة لا خوف عليكم اليوم لاصحابه فتسودّ وجوه الظالمين فيصير اصحابه الي الجنّة و هم يقولون ربَّنا لاتجعلنا مع القوم الظالمين فاذا نظر اهل القبّة الثانية الي قلّة من يدخل الجنّة “٢” و كثرة من يدخل النار خافوا اَلّايدخلوها “٢-” و ذلك قوله لم‌يدخلوها و هم يطمعون و اذا صرفت ابصارهم تلقاۤء اصحاب النار قالوا تَعَوُّذاً باللّه ربَّنا لاتجعلنا مع القوم الظالمين ، و في الجوامع عن الصادق عليه السلام الاعراف كثبان بين الجنّة و النار يوقف عليها كلّ نبي و كلّ خليفة نبيٍّ مع المذنبين من اهل زمانه كما يقف صاحب الجيش مع الضّعفاۤء من جنده و قد سبق المحسنون الي الجنّة فيقول ذلك الخليفة للمذنبين الواقفين معه انظروا الي اخوانكم المحسنين قد سَبقوا الي الجنّة فيُسلّم عليهم المذنبون و ذلك قوله سلام عليكم لم‌يدخلوها و هم يطمعون ان يدخلهم اللّهُ ايّاها بشفاعة النبي و الامام و ينظر هؤلاۤء الي النار فيقولون ربّنا لاتجعلنا مع القوم الظالمين و ينادي اصحاب الاعراف و هم الانبياۤءُ و الخلفاۤءُ رِجالاً من اهل النار و رُؤَساۤء الكفّار يقولون لهم مقرّعين مااغني عنكم جمعُكم و استكبارهم ( و استكباركم ظ ) اهؤلاۤء الذين اقسمتم لاينالهم اللّه برحمة اشارة الي اهل الجنة الذين كان الرؤساۤء يستضعفونهم و يحتقرونهم بفقرهم و يَسْتَط۪يلون عليهم بدنياهم و يُقسمون ان اللّه لايدخلهم الجنّة ادخلوا الجنّة يقول اصحابُ الاعراف لهؤلاۤء المستضعفين عن امرٍ من اللّه عز و جل لهم بذلِك ادخلوا الجنّة لا خوف عليكم و لا انتم تحزنُونَ اي لا خاۤئفين و لا محزونين و مثله ما في تفسير علي بن ابراهيم علي اختلافٍ في بعض الكلمات لفظاً و امثال هذه كثير و في دعاۤء الحجة عليه السلام قال رضي‌الدين ابن طاووس قدّس اللّه سرّه سمعتُ القاۤئم عليه السلام بسرّمن‌رأي يدعو من وراۤء الحاۤئط و انا اسمعه و لا اراه و هو يقول اللهم انّ شيعتنا خلقوا منّا من فاضل طينتِنا و عُجِنُوا بماۤء ولايتِنَا اللهم فاغفر لهم من الذنوبِ ما فعلوهُ اِتّكالاً علي حُبِّنا و وَلِّنا يوم القيمةِ امورهم و لاتؤاخذهم بما اقترفوه من السّيّئات اكراماً لَنا و لاتُقَاصصهم يوم القيمة مُقَابلَ اعداۤئِنا و انْ خفَّتْ موازينهم فثَقِّلْها بفاضل حَسَناتنا ه‍ ، و كلّ هذه وَ مَا اشبَهَها مُؤَيّد للاوّل فعلي الثاني يكون قوله فيما بعده يا وليَّ اللّه استشفاعاً في التقصيرات الخاۤصّة و هي ما تضمّنها قوله في ساۤئر هذه الزيارة مثل قوله مطيعٌ لكم آخذ بقولكم فانه لايصدق الطاعة و الأخذ بالقول مع المخالفة و علي الاول استشفاع في الاعمّ و في الثباتِ علي ما هُدِيَ له من المحبّة و الولاية و المتابعة و لو في الاغلب او بالقلب و التسليم لهم كذلك و الموالاة لهم و لوليّهم و البراۤءة من اعداۤئهم و من اشياعهم و اتباعهم و لو بالقلب .
قال عليه السلام : يا وليّ اللّٰه ان بيني و بين اللّه عز و جلّ ذنوباً لايأتي عليها الّا رضاكم
قال الشارح المجلسي (ره‌) يا وليّ اللّه المخاطب هو الامام الحاضر الذي يزوره او يقصده بالزيارة او الجميع لشمول الجنس له و يؤيّده الاتيان بالجمع بعده لايأتي عليها اي لايهلكها اوْ لايمحوها الّا رضاكم عنّي مطلقاً او بالشّفاعة انتهي .
اقول قوله يا وليّ اللّه ان عيّن بالقصد او الاشارة او الحضور عند قبره الشريف فان الحضور معيّن سواۤء خاطبه بالمفرد ام بالجمع و لكن اذا خاطبه بالجمع كان الحاضر عليه السلام سابقاً في الخاطر لمكان الحضور و ما سواه منهم عليهم السلام ان قصدهم مع الحاضر كانوا بعده في الحضور الذهني و ان لم‌يقصد غيره تعيّن في القصد و كان الجمع للتعظيم و الاشارة و القصد كالحضور في حكم اوّل الخطور بالبال و لكن يحتاجان الي تأكّد اقبالٍ و توجّه لانّ الحضور يُعينه علي التعيين البصر و المشاهدة للحضرة و القبر الشريف و اطلاق الشارح رحمه اللّه بقوله او الجميع تسامح او لارادة التّنبيه علي خصوص صحّة التوجّه اليهم عليهم السلام جميعاً عند زيارة احدهم و حينئذٍ يكون الحال كما قلنا فانّ الزاۤئر اذا توجّه اليهم جميعاً بالزيارة و الخطاب و هو عند قبر احدهم كان الحاضر سابقاً في الحضور في ذهن الزاۤئر و اذا قصد خطاب الجميع كانوا مخاطبين بواسطة خطاب الحاضر فهو المخاطب و هم تبع له في الخطاب او هو امامهم بفتح الهمزة و بكسرها في مخاطبة الزاۤئر و هذا ظاهر قوله عليه السلام يا وليّ اللّه قد يستعمل بمعني انّ اللّه تعالي تولّاه و تكفّل به في مصالح نشأتيه كما قال تعالي اللّه ولي الّذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الي النور ، و قد يستعمل بمعني انّ اللّهَ ولّاه اي وجّهه الي جهته التي خلق لها من مقامه من اللّه و رتبته في الجنّة او جهات ما اراد منه من رفع الحجب عن قلبه حتي يشاهدَ من ملكوت اللّهِ تعالي في خلقه ما كتب له في الواح قدَرِه۪ و قد يُستعمل بمعني انّ اللّه تعالي ولّاه و استرعاه من عباده۪ ما يحتمله من التأدية عنه تعالي اليهم و ذلك كساۤئر الانبياۤء و الاولياۤء من خلفاۤئهم عليهم اجمعين السلام و قد يُستعمل بمعني الحامل للواۤء الحمد و هو لواۤء الولاية المطلقة العاۤمة كما تقدّم يعني انه عز و جل خلق هذا الولي له تعالي خاۤصّة و خلق له جميع خلقه فلمّا خلقه اشهده خلقَ نفسه و انهي اليه علمها و حين خلق الخلق من الانس و الجن و الملاۤئكة و الحيوانات و الشياطين و النبات و المعدن و الجماد و السموات و الارضين و ساۤئر الافلاك في مشاهد متعددة و اوقات متجدّدة و هي الف‌الفِ دهرٍ كل نوع و جنس و صنف و شخصٍ في مكان حدوده و وقتِ وجوده اشهدهم كل شئ منها و انهي اليهم علمه و القيام به و تربيته بان يؤدّي اليه ما كتب عز و جل له من خلق و رزق و حيوة و مماتٍ و ما يلحق بذلك من كل ما يتعلق بتربيته في النشأتين فهم يؤدّون الي رعاياهم التي استرعاهم اللّه ايّاهَا بانفسهم و بوساۤئط من كلّ نوعٍ الي ما يشاكله علي حسب ما علّمهم اللّه و هذا هو الوليّ المطلق و الولاية العاۤمّة المطلقة مختصّة بهم من بَعْدِ اللّه تعالي و ما سواهم من جميع الخلق فولايتهم خاۤصّة و اليه الاشارة بقوله تعالي تعلم ما في نفسي و لااعلم ما في نفسِك و صاحب هذه الولاية المطلقة هو المرادُ هنا في قوله عليه السلام يا وليّ اللّهِ ،
و قوله عليه السلام : انّ بَيْن۪ي و بين اللّٰهِ ذنوباً
يراد منه اني في حالةِ طاعتي انا مقصّر عاصٍ ففي حالةِ عِصْياني كيف لااكون عاصياً كما في المناجاة الملحقة بدعاۤء الحسين عليه السلام علي ما نقله بعضهم و الّا فقد قيل انّ هذه المناجاة ملصقةٌ به و انّها من كلام ابن‌عطاۤءاللّه و قيل هي من كلام الحسين عليه السلام و زاد فيها ابن‌عطاۤءاللّه و في اوّل المناجاة الهي من كانت مَحاسنه مَساوِيَ فكيف لاتكون مَساو۪يه مَساوِيَ و من كانَت حقاۤئقُه دَعاوِيَ فكيف لاتكون دعاو۪يه دَعاوِيَ و ما تقدّم من دعاۤء علي بن ابي‌طالب عليه السلام و خُطبته و دُعَاۤء عليّ بن الحسين عليه السلام بعد الثماني من صلوة اللَّيْل فانّما يشعرانِ هما و غيرهما انّ العبد في جميع احواله مُقَصِّر ليس طريق الي استحقاق رحمة اللّه وَ استيهالِ عفوِ اللّه و فضله الّا بفضل اللّهِ و عفوه و منّه و كرمه و رحمته يمنّ بها علي من يشاۤءُ من عبادِه۪ هذا في حقّ مَن يقوم بظاهر اوامر اللّه و نواهيه في جميع احواله و قد نقل بعض العلماۤء الاخيار من اهل البحرين انه وجد بخطِّ الشيخ حسين بن محمد بن جعفر الماحوزي السّاكن القطيف و اظنه نقله من اشعارِ بعض العرفاۤء او المتصوّفة بيتين و هما :
لو اقسمَ المرءُ بالرحمنِ خالقِه۪       ** * **      بانَّ بعضَ الوري لا شئَ ماحَنِثَا
لو كان شيئاً فغيرُ اللّهِ خالقُه       ** * **      اللّهُ اكرم مِن ان يخلقَ العَبثا
و معناهما لو اقسم المرءُ باللّهِ بانّ بعض الوري و المراد الكل لا شئ يعني لا حقيقةَ له من ذاته و لا شيئيّة و انّما شيئيّته في الحقيقة من شيئية غيره اي بشيئية غيره ما حَنِث و لا كفارة عليه لان يمينه صادقة لانه اي المخلوق لو كان شيئاً لكان خالقه غير اللّهِ لانّه اذا كان شيئاً لم‌يكن للّهِ فيه صنع الّا التصوير كصنع البَنّاۤء للجدار فانّ التّراب و الماۤء اللذَين عمِل منهما الطين صنعُ غيره و كذلك الحجارة فليس له عمل الّا الهيئة و كذلك جميع العاملين الصانعين ماخلا اللّه تعالي فانهم انما يعملون في صنع غيرهم و لو كان اللّه تعالي يصنع في صنع غيره لكان عابثاً لان ذلك الغير الذي صنع الاصل و احدث الماۤدة يصنع الصورة فيكون صنع الصانع بعده عبثاً و الاستشهاد من هٰذَيْن البَيْتَيْنِ اَنّ كُلَ ما سِوي اللّٰهِ لا اِنّيّةَ له من ذاته و لا حقيقة فكلُّ مَن وجدَ لَهُ اِنّيّةً فهو عاصٍ بل جاحِدٌ وَ ما اَحْسنَ ما قال شاعرُهم في هذا المعني :
اَقول وَ مااذنَبْتُ قالَتْ مُج۪يبةً       ** * **      وجودُكَ ذَنْبٌ لايُقَاسُ به۪ ذَنْبُ
فاِذا كان وجْدَانُه لوجوده ذنباً لايعدلهُ شئ من الذنوبِ لانَّ كُلَّ ذَنْبٍ فاثباتُه و ثبوتُه و تحقّقُه انّما يكون مبنِيّاً علي وجدانِ وجوده فاذا كان الامرُ كذلك بان وَجد له وُجوداً فقد عصي بنسبة وجدانه لانه حينئذٍ مدّعٍ للاستقلال و الاستغناۤء و كفي بذلك ذنْباً لو كان يعلم لانكره و تبرّأ منه لو اطّلعتَ عليهم لولّيْتَ منهم فراراً و لمُلِئتَ منهم رُعباً و لايكادُ ينفكّ من هذا في حالٍ هٰذَا مع قيامه بما يراد منه و امّا من كان مقصِّراً فيما يراد منه من ظاهر التكليف فلاتسئَلْ عن حاله و قوله عليه السلام ان بيني و بين اللّه ذُنوباً مَعَ اَنَّ بَيْنَهُ و بَيْن الٰادمِيّ۪ينَ ذُنوباً و لكن حقوق الخلق لاتكون حقوقاً الّا بحقوق اللّهِ فكلُّ حق للخلق فهو حقّ للّهِ و ليس كلّ حقٍ للّهِ حقّاً لِلنّاسِ فلذا قال انّ بيني و بين اللّهِ عز و جلّ ذنوباً عَلي اَنَّ مَنْ اَصْلَح حاله مع اللّهِ تعالي فانّ تبعات الخلقِ تمحوها شفاعتهم عليهم السلام و يُعَوَّضونَ عن حقوقهم من فضل اللّهِ فيؤل الامر الي انّ التبعات و الحقوق للّهِ تعالي فان العباد ملكه وَ حقّ المملوك للمالك فاذا شاۤء اسقط حقّ عبده عن عبده و عَوّض عبدَهُ عمّا اَسْقَطَ من حقِه۪ ،
و قوله عليه السلام : لايأتي عليها الّا رضاكم
يراد منه ان تلك الذنوب التي كانت بيني و بين اللّه لايمحوها و يُسْقِطها من اعتبارها و نسبتها اليّ لا بمعني يهلِكها و يمحوها من الوجود العلمي الامكاني لأن هذا العلم الامكاني الذي هو الوجود الراجح الذي تقوّمت به مشيّة اللّه تعالي تقوّم ظهور و تقوّم بها تقوّم تحقّق هو خزانةُ ملكِ اللّه تعالي و لايخرج عن ملكه ما دَخل فيه نعم قد يمحوها من الكوني و هو ما نُقِشَ بين دفّتي الكتاب الحفيظ و ترتفع الي اصلها في الوجود الامكاني و قد يمحوها بمعني يمحو تعلّقها بمن عمِلها كما مثّلنا سابقاً بان مثال السّارق الذي رأيته يسرق اذا تاب كان كلّما ذكرتَ تلك الحال منه بحضوره او بذكره منك او من غيره بلسانٍ او بذهنٍ رأيتَ المثالَ يسرق و لكن تري بينهما حجاباً و ذلك لانّ التوبة حالت بينه و بين المثال فقطعَتِ الربط و الاتّصال بينهما و تري المثالَ مُتَخلِّفاً عنه غير لاحقٍ به و لازمٍ لَهُ و لا منسوبٍ اليه لانّ المؤمن لمّا سار به نَهرُ الزمان الي الوقتِ الذي رأيته به بعد التوبة بقي المثال في وقتِ وجوده و وجهه مقابلٌ للمؤمن لا لذاته بل للحال التّي تولّد المثال فيها و تلك الحال لمّا تاب حالت التوبة بينه و بينها فبقيت ملقاة علي وجهها في المكان الذي وقعت السرقة فيه و زمانها و المثال متلبِّسٌ بها و لمّا سار نَهرُ الزمان بسفينةِ المؤمن تجاوز عن المثال و مكانِه و زمانِه و كان المثال بدَناً لا روحَ فيه و انّما يسير مع السارق حيث ما سار نَهرُ الزمان بسفينتِه۪ لانه كان متعلّقاً به و لازِماً له لم‌يحُلْ بينهما حاۤئل فهو متّصل به فينجذِبُ معه اينما كان فيثقل الشَّخص بالامثال القبيحة فلايصعد الي عليين بل ينزل الي درَكاتِ اعمالِه۪ لان الجذب في الحقيقة للامثال و ان كانت هي لازمةً للذوات و انّما قلنا ان المثال القبيح ينجذب مع صاحبه لانه صفة و الصفة تابعةٌ للموصوف و لانّها انّما حدثت بميله اليها فهي منسوبة اليه فيقال انها تتبعه بمعني انّها لازمةٌ له كما قال تعالي و لكم الويل ممّا تصفون و قال تعالي سيجزيهم وَصْفَهم و الّا ففي الحقيقة هو تابع لامثاله بمعني انّ مصيره و مَردّهُ الي محلّ امثالِه اَلاتَري انّ زيداً من حيثُ هو فاعل قام في قولك قامَ زيدٌ تابع في الحقيقة من جهة الرتبة و المصير للقيام فيما تترتّب عليه من الاحكام و ان كان القيام ناشياً من فعل زيدٍ فظهر لك ممّا لوَّحنا لك ان المثال الحسن في الدّفة العليا من الكتاب الحفيظ و هو كتاب الابرار في عليّين و ان المثال القبيح في الدَّفّة السُفلي من الكتاب الحفيظ و هو كتاب الفجار في سجّين و ان المثال حسناً كانَ او قبيحاً ان تركه صاحبه و عمل بخلافه تخلّف عنه في مكانه و رتبته و لحقه حكم الثاني الحادث بالعمل الثاني و ان لم‌يتركه كان تابعاً له اي للمثال في رتبته فالمثال و ان كان لازِماً لكنّه يجرّ صاحبه الي مقامه كما انه لازم لصاحبه الّا اذا طرأ عليه آخر يحول بينهما فتنقطع الرابطة و الي معني هذا الانجذاب و التبعيّة اشار ابوجعفر عليه السلام كما في الكافي قال اُتِيَ الي اميرالمؤمنين عليه السلام بقومٍ لُصوصٍ قد سرقوا فقطع ايديَهم من نصف الكفّ و ترك الابهام لم‌يقطعها و امرهم ان يدخلوا دار الضيافة و امرَ بايديهم ان تُعَالَجَ و اطعمهم السمن و العسَل و اللحم حتّي بَرِئُوا فدعا بهم و قال يا هؤلاۤء انّ ايديَكم قد سبَقَتْ الي النار فان تُبتم و علم اللّهُ مِنكم صدقَ النيّة تاب عليكم و جَرَرْتم ايديكم الي الجنّة و ان انتم لم‌تتوبوا و لم‌تُقلِعُوا عمّا انتم عليه جرَّتْكم ايديكم الي النار ه‍ ، فقولنا فيما قبل فوجهه اي المثال مقابل للمؤمن لٰا لِذَاته بل للحال الّتي تولّدَ المثال فيها اُر۪يدُ انّه اذا تابَ قد يُمْحَا المثال من الوجود الكوني عند مَنْ علِمَهُ و قد يَبْقَي و اذا بقي فبقاۤؤه انّما هو بتلك الحال و تلك الحال بعد الترك ارْتَفَعَتْ في مكانِ العَملِ و زمانِه۪ فهي في عَالَمِ الاَشْباحِ الخالية بلا اَرْوَاحٍ فان كانت الحالة قَبيحةً سقطت الي الريح العقيم بعد التوبة و امّا اذا لم‌يَتُبْ كانَتْ حالَتُهُ مُصاحِبةً له فمن رأٰه رأٰهُ مُتَلَبِّساً بها حتّي يردَ علي اللّهِ تعالي باحَدِ الحالَيْنِ فمعني قوله عليه السلام لايأتي عليها بمعني لايهلكها و يفنيها و يمحوها الّا رضاكم ما ذكرنا من احد الوجهين امّا محو كونها كما في بعض الذنوب بان ينسي اللّه الملاۤئكة و الارض و الوقت ذلك و النِّسْيان محو الصورة من الحافظةِ و هي هنا نفوسُ الملاۤئكة و الناس و الواح المكان و الزمان المعبّر عنها بالكتاب الحَف۪يظ فَاِنَّ تلك من الواح اللَّوْحِ المحفوظ و امّا قطع الرَّبْط و التعلّق بينهما فافهم قوله عليه السلام الّا رضاكم يراد انّ غير رضاهم كالتّوبة لو كفّرَتْ بعضاً ماكفّرَتْ آخَرَ لعدم شمولها لكلّ شئ اذ بعض الذُنوب لايُشْعِرُ بها المرء و التوبةُ انّما تقع علي ما يُشْعِرُ به مجملاً اوْ مُفَصَّلاً و امّا رضاهم فهو يأتي علي كُلّ شئ اذ لايمكن ان يقع شئ من الذّنوبِ و هم لايعلمونه لانّ الاعمال تُعْرَضُ عليهم و قد اطلعهم اللّه علي ما في اللوح المحفوظ و كذلك القرءان فانه تفصيل كلِّ شئ و قد اعطاهم اللّه تعالي عموداً من نورٍ يرونَ فيه جميع اعمال الخلاۤئِق و لانه لايكون ذنبٌ الّا ما كان مخالِفاً لامر اللّهِ و ارادتِه ظاهراً او باطِناً و لا ارادة للّه و لٰا امرَ الّا بهم عليهم السلام لِانّهم مَحاۤلّ مشيّته و اَلْسُنُ ارادته و خزنَةُ امرِه و نَهْيه فلايمحو جميع الذنوب الّا رضاهم فان قلتَ لم قال عليه السلام الّا رضاكم و لم‌يذكر رضا اللّه تعالي و ذكر رضي اللّه اولي في العموم فانّ شفاعتهم لاتنْفع الا من رضي اللّه دينه كما قال تعالي و لايشفعون الّا لمن ارتضي و بدون رضاه لاتنفع الشفاعة عنده و لهذا قال لنبيّه صلّي اللّه عليه و آله استغفر لهم اوْ لاتستغفرْ لهم اِنْ تستغفر لهم سبعين مرّة فلن‌يغفر اللّه لَهُمْ و لو اَذِنَ اللّهُ لهم بالاستغفار غفر اللّه لهم باستغفاره صَلّي اللّهُ عليه و آلِه۪ فالاَوْلَي ان يقال لايأتي عليها الّا رضا اللّهِ او يُقال الّا رضا اللّهِ و رضاكم قلتُ هذا مبني علي احد وجوهٍ بل كلّها مرادةٌ احدها ان يكون المراد برضاهم رضا اللّه امّا علي اعتبار المساواة في جميع مايترتّب علي الرضا من الاحكام مطلقاً او في خصوص غفران الذنوب و امّا علي اعتبار اتّحاد رضا اللّهِ و رضاهم في الجعل بان جعَل تعالي رضاهم رضاه و غضبهم غضبهُ و طاعتهم طاعته و معصيتَهم معصيته و ثانيها اَنْ يكون المراد انّ اللّه تعالي جعل رضاه في رضاهم و سخطه في سَخَطهم كما جعل امرَهُ و نهْيَه في قلوبهم فعلي هذا يكون رضاه في الذات غير رضاهم و في المتعلّق هو رضاهم بمعني انّ رضاه لايكون له محل يتعلّق به بحيث يكون مرضيّاً للّه تعالي الّا بواسطة رضاهم بان يكون ذلك المحل مرضيّاً لهم فيكون رضا اللّه في رضاهم علي جهة الظرفيّة باعتبار تعلّقِه بالمرضيّ كالنفس في الجسد بمعني انّ النفس و ان كانت هي المؤثّرة و لكن لايتحقّق تأثيرُها الّا بالجسم فتقول عملته بيدي و العامل هو النفس و لكن لايتحقّق عَمَلُها في الاجسام الّا بواسطة الجسم فاذا كان كذلك نسِب العمل الي الجسم لا الي النفس لانها لاتباشر الاعمال الجسمانيّة الّا بواسطة الجسم و ثالثها ان يكون المراد اَنّ اللّه تعالي جعل رضاهم شرطاً لرضاه تعالي شرط صحةٍ بمعني انه متمِّمٌ لرضاه تعالي او شرطَ ظهورٍ بمعني انه قابل لرضاه و رضاه مقبول فعلي الاوّل يكون رضاهم ركناً لرضاه بنحو ما يشير اليه الحجة عليه السلام في دعاۤء شهر رجب فجعلتهم معادن لكلماتك و اركاناً لتوحيدِك و آياتك و مقاماتك التي لا تعطيل لها في كلّ مكانٍ علي معني انّ حقاۤئقهم معانيه اي معاني افعاله فيكون رضاهم جزءاً متمِّماً و اعتبر دون رضاه لانه السبب القريب منّا و الوَاسطةُ بيننا و علي الثاني اَنّ رضاه تعالي و رضاهم قابل له فهو الصورة و رضاه تعالي ماۤدّة و الحكم يتبع الصورة و ما يتبع الحكم تابع له بواسطتها فلذا اعتبر رضاهم و رابعها انّ شؤنه تعالي لذواتها منحصرة فيهم لانّه تعالي اصطنعهم له و انّما اصطنَعَ ما سواهم لهم فانحصرت معانيه اي معاني افعاله فيهم فَرِضاهُ الذي يكون منشأً و مستنَداً للامور بدءاً و عوداً حادِثٌ و جميع صفاته الحسني اي صفات افعاله من الكرم و الرّضَي و الفضل و الرحمة و غير ذلك فهم معانيها في مقام الاسماۤء و هم اسماۤؤها و اركانها في مقامِ الامثال العليا بمعني انهم عليهم السلام بظاهرهم اسماۤء لتلك الامثال و المقامات التي لا تعطيل لها في حالٍ و انّهم بباطنهم اركان لها و اَبْدالٌ فليس له تعالي رِضيً غير ذاته المقدّسة الّا هم او ما تَقوَّمَ بهم اوْ عنهم يعني ان الرضي الذاتي القديم ليس شيئاً غير ذاته تعالي و لا كيف لذلك و لا يعلمه الّا هو سبحانه و الرّضي ثلاثة اقسام رضيً تقوّم بهم تقوُّمَ ظهورٍ و هو فعله الراجح الوجود و هو قولنا اوْ ما تَقوَّمَ بهم و رضيً هو حقيقتُهمْ و رضيً تَقوَّمَ عنهم تَقَوُّمَ صدورٍ و تحقُّقٍ فذاته تعالي لاتنسب الي شئ و لاينسَبُ اليها شئ و ما سوي ذاته فما هو فعله و مشيّته و ارادته فهم محاۤلُّهُ و بهم تَقوّمَ تقوُّمَ ظهُورٍ و ما هو ذاتهم فهو ذاتهم و ظاهرٌ انّ اللّه تعالي اقامهم بهمْ و ما هو عنهم فما يفعلونه بامره لايسبقونه بالقول يعني انهم لا وجود لهم و لا شيئيَّةَ لهم الّا بما اعطيهم من ذواتهم فكان الاعتبار في مقام النّسبِيّةِ و المنسوبيّة انّما هو برضاهم و هم رضي اللّه تعالي و هم برضي اللّه قاۤئمون و هم عن رضي اللّهِ يفعلون و يرضون كما قال سيدُالشهداۤء صلوات اللّه عليه و لعنة اللّه علي ظالميه في قوله لعبداللّه بن عمر و هو (ع‌) متوجّه الي العراق قال (ع‌) بعد كلامٍ طويل يا عبداللّهِ خُطّ الموتُ علي ابنِ آدمَ مخطّ القلادة علي جيد الفَتاة و مااولهني الي لقاۤء اسلافي اشتياق يَعقوبَ علي ( الي خ‌ل ) يُوسفَ و خيرُ مصرعٍ انا لاقيه كأني باوصالي تُقطِّعُها عُسلانُ الفلوات بين النواويس و كربلاۤء فيملأن منّي اكراشاً جوفاً و اجربة ( و اَجْوفةً خ ) سُغْباً لا محيص عن يومٍ خُطَّ بالقَلم رضي اللّهِ رضانا اهلَ البيت نصبر علي بلاۤئه ليُوَفِّيَنَا اجر الصابرين لن‌تشُذَّ عن رسول اللّهِ لحمته و هي مجموعة له في حظيرة القدسِ تقَرُّ بهم عينه و يُنجز بهم وعدَهُ فمن كان باذلاً فينا مهجتَهُ موطِّناً علي لقاۤء اللّهِ نفسَهُ فليرحل معي فانا راحلٌ مصبّحاً ان شاۤء اللّه تعالي ه‍ ، قوله عليه السلام فيملأن مني الخ ، كناية عما صنعوا به اعداۤؤه لعنهم اللّه و قوله (ع‌) اكراشاً الخ ، لبيان شدّة حِقدهم و عداوتهم كالجاۤئع الذي حين وجد الأكل لايظنّ انه يشبع لشدّة حرصه و لحمة رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله بضم اللام قرابته و المراد بهم المعصومون الثلاثة‌عشر عليه و عليهم السلام و حظيرة القُدس الجنّتان المدهاۤمّتان عند مسجد الكوفة و ذلك عند رجعته و اهل بيته صلي اللّه عليه و اهل بيته في آخر الرجعات التي يقتل فيها ابليس لعنه اللّه و الاستشهاد من كلامه عليه السلام قوله الحق رضي اللّه رضانا اهل البيت فانه عليه السلام اخبر بالاِتّحاد و ذلك كساۤئر ما اراد من خلقه مثل مَن اطاعهم فقد اطاع اللّه و مَن عصاهم فقد عصي اللّه و مثل قولهم عليهم السلام طاعتنا طاعة اللّه و معصيتُنا معصية اللّهِ و ما اشبه ذلك و خامسُهَا انّما خصّ رضاهم باللّفظ و ان كان يريد انّه هو رضي اللّه او ملازم لرضي اللّه او محلٌّ له او غير ذلك لبيان الانقطاع اليهم و للاخبار عن اخلاص القلب و عن الاستهلاك و الاضمحلال لوجوده في وجودهم و طاعتهم و امرهم و نهيهم نظير ما تقدّم في هذه الزيارة الشريفة من قوله و مُفَوِّض في ذلك كلّه اليكم و في الزيارة الجامعة الصغيرة في خصوص شهر رجب كما في مصباح الشيخ (ره‌) قال عليه السلام انا ساۤئلُكم و آمِلُكم فيما اليكم التفويض و عليكم التعويض فبِكُمْ يُجْبَرُ المَه۪يضُ و يُشْفَي المريض و عندكم ما تزداد الارحام و ما تغيض الخ ، و كلّ هذا و مثله لبيان ما انطوي عليه القلب من الانقطاع اليهم و قد تقدّم بيان التفويض و المراد به التفويض الحقّ اي التعليم لما شاۤء من العلوم و الاحكام و الاوامر و النواهي و الافعال ممّا هو مقتضي الولاية المطلقة و كلّ ما وصل اليهم منه تعالي فهو قاۤئمٌ بفعله قيام صدورٍ كقيام صورتك في المِرءاة بك فانها قاۤئمة بمقابلتِك لها قيامَ صدورٍ اذ ليست شيئاً الّا بمقابلتك كذلك جميع ما ينسب اليهم منه تعالي لا التفويض الذي هو كناية عن الاستقلال فانه شركٌ باللّه العظيم و قوله و عليكم التعويض يراد منه ما ذكرنا مراراً انّهم ابواب اللّه تعالي لايصل الي احدٍ من الخلق شئ من اللّه تعالي الّا بواسطتهم و قوله يجبر المهيض المهيض هو كسر العظم ثانياً بعد اَن جبر عن كسرٍ اوّل فَانّ جبرَهُ صعبٌ لايكاد يستقيم علي ما ينبغي و قوله و عندكم ما تزداد الارحام و ما تغيض اذا اجري تعالي صنعه علي الاسباب فاذا اتي المَرأة الحيض في حملها كما هو المشهور الصحيح زادت مدة الحمل بقدر ما تراه في حملها من الحيض و لذا قال الاكثر اكثر الحمل سنة لانّ مدة الحمل تسعة اشهر فيحتمل ان يأتيها في كل شهر عشرة ايّام فتزيد تسعون يوماً و هي ثلاثة اشهر و نقصان المدة عن التسعة لجواز صلاح الغذاۤء للجنين و قوة قابليّته و هاضمته و كثرة غذاۤئه من امّه فيشبّ في الستّة الاشهر او السبعة او غيرهما كما يشبّ غيره في التسعة و اذا كان كذلك لو بقي يوماً قتل امّه و لاسباب يطول ذكرها و اعظمها ان لكلّ شئ اجلاً في البقاۤء و الظهور و الخروج و الفناۤء لايزيد و لاينقص لكل اجل كتاب .
قال عليه السلام : فبحقّ من ائتمنَكم علي سرّه و استرعاكم امرَ خلقه و قرن طاعتكم بطاعته لمّا استوهبتم ذنوبي و كنتم شفعاۤئي
قال الشارح المجلسي رحمه اللّه فبحقّ من ائتمنكم علي سرّه من العلوم اللّدنّيّة و المكاشفات الغيبيّة و الحقاۤئق الالهيّة و استرعاكم امْرَ خلقِه۪ اي جعلكم ائمّة و رعاة لامور الخلاۤئِق من العقاۤيِد و الاعمالِ و قرن طاعتكم بطاعته بقوله تعالي اطيعوا اللّه و اطيعوا الرسولَ و اولي الامر منكم و يفهم من المقارنة انه لايقبل واحدة منها بدون البقيّة بل الجميع واحد كما قال تعالي مَن يطع الرسول فقد اطاع اللّه انتهي .
اقول يعني اسألكم و اتوجّه اليكم بِحَقِّ مَنِ ائتمَنَكم عَلَي سرّه عليكم فانَّ لَه تعالي علي كُلِّ اَحَدٍ من الخَلْقِ حقُّ الايجاد و افاضة النّعم الَّتي لاتُحْصَي و لايقومُ بِحَقِّها احدٌ اِلّا بالاعتراف بالعَجْزِ و التَّقص۪ير عن اداۤءِ شكرِ اَقلِّها فاتوجَّهُ اليكم بذلك الحقّ الذي اَعْظَمُهُ انّه تعالي ائْتَمنكم علي سرِّه و هذا السِّرُّ سرُّ الخليقةِ و هو مجموع احكام مُقْتَضَيات افرادِ الوجود و مجموع مقتضيات احكامها من الاجناس و الانواع و الاصْنَافِ و الافراد مِن حَيوانٍ و غيره و ذلك السّرُّ من حكمٍ و محكومٍ عليه من عوالِم الغيوبِ و عوالِم الشّهادةِ و الاشارة الي بيان هذا السر المشارِ اليه علي نحو الاجمال تلويحاً اذْ لايعرفه تفصيلاً الّا من ائتمنه اللّه تعالي ايّاه هو انّ اللّه تعالي قال كنتُ كنزاً مَخْفِيّاً فاحببتُ ان اعرف فخلقتُ الخلق لاعرف فاشار تعالي الي ثلاث رتب الاُولي مقام الكنز المخفي و هو مقام الذّات البحت المعبّر عنه باللّاتَعَيُّن و يعرف بما وصف نفسَه به من صنعه و ذلك صفةُ استدلالٍ عليه لا صفة تكشفُ له و لا سبيل لاحدٍ من الخلق اليه الّا بذلك و ان اختلفَتْ مراتبُ وصفِه۪ نفسه لخلقه بتفاوتٍ لايتناهي في الكم و الكيف و العدد و هذا اعلي مراتب السّرِّ الذي ائتمنَهُ و لايتحوّل سبحانه عن هذه الحال و انّما يظهر لمن اراد ان يظهر له به و بما شاۤء من آياته و الثانية ( مقام خ ) فاحببتُ ان اُعرف و هو مقامُ مشيّته و ارادته و ابداعه و فعله و هو الوجودُ الراجح ( الذي خ ) لا اوّلَ له في الامكان خلقه تعالي بنفسِه۪ و اَقامَهُ بنفسِه۪ و في الدعاۤءِ و باسمِك الذي استقرّ في ظلِّك فلايخرج منك الي غيرك فهو اسمه تعالي و هو ظلّه الّذي اقامه فيه يعني اقامَهُ بنفسه ،
و اعلم انّ للعرش الّذي استوي عليه الرحمن برحمانيّته فاعطي كلّ ذي حقٍّ حقَّهُ اطلاقاتٍ عندهم عليهم السلام و اعلي ما يطلق هذا الاسم عليه هذا المقام و نسبة هذا الي الحقيقة المحمدية و الوِلاية المطلقة كنسبة الكسر الي الاِنكسَار و هم عليهم السلام محاۤلُّ هذا كما انّ الانكسَار محلّ الكسر و قد ائتمنهم علي هذا السّرِّ و هو اَمْرُ اللّهِ الّذي به يعملون فلمّا كان الصنع و العمل و كلّ شئٍ من عين او معني حركةٍ او سكون لايكون الّا بامر اللّهِ الذي هو فعلُه و مشيّته و كانوا محلَّ ذلك كلِّه في رتبة الاكوان كما قال تعالي و وسِعَني قلبُ عبدي المؤمن ائتمنهم عليه اي علي حفظه و القيام بموجبه و تأديَةِ احكامِه۪ و آثارِه۪ الي مستحقّيها و قابليها و قوّاهم به علي تحمّلِه۪ فليس لهم عملٌ بغيره لا من انفسهم و لا من غيرهم من الخلق و لم‌يكلّفهم الّا به قال اللّه تعالي ماوسعني ارضي و لا سماۤئي و وسعني قلبُ عبدي المؤمن فقلبُ المؤمن وسِعَه اي وسِع فعله فقال اللّهُ لايكلِّفُ نفساً الّا وُسْعَها فحصر تكليفَهم عليهم السلام في فعله تعالي و امرِه و هذا هو السّرُّ في تقديم الجار علي العامل في قوله تعالي و هم بامرِه يَعْملون و هذا كمال الائتمان لهذا السّرّ الّذي هو منشأ كلّ شأنٍ وَ الثالثة ( مقام خ ) فخلقْتُ الخلقَ لاُعْرَفَ فخلقهم صَلّي اللّهُ عليهم و اشهَدَهُمْ خَلْقَ اَنْفُسِهِمْ فبذلك عرفوهُ و وحدّوه و هلّلوه و سبّحوه و حمِدوه و كبّروه ثم خلق الخلقَ علي ترتيب قابليّاتِهم للوجود و كلّما خلق شيئاً اشهدهم خلقَهُ و انهي علمه اليهم اي انهي علمه تعالي بذلك الشّئ اليهم اوْ انهي علم ذلكَ الشئ اليهم فعلي جعل الضمير في علمه عاۤئداً اليه تعالي يرادُ بهذا العلم العلم الكوني و الارادي و القدري و القضاۤئي و الاذنيّ و الاجلي و الكتابي كلّما نزل المُشاۤءُ الي مقامٍ انهي تعالي علمه به اليهم و هكذا و هذا العلم هو المستثني في قوله تعالي و لايحيطون بشئ من علمه الّا بما شاۤء فان المستثني منه علي الظاهر ليس هو العلم الذاتي فان العلم الذاتي هو ذاته تعالي و لايصحّ ان يقال و لايحيطون بشئ من ذاته الّا بما شاۤء و الاصل في الاستثناۤء الاستثناۤء المتّصل لانه لاخراج ما لولاه لدخل في المستثني منه و المنقطع ليس هذا سبيله علي الظاهر و انما قلتُ علي الظاهر ليس هو العلم الذاتي لاحتمال المنقطع و ان كان مرجوحاً لان المستثني و ان لم‌يدخل في المستثني منه بالاصالة لكنه يحتمل دخوله بالتبعيّة فان بعض المخاطَبين من يحتمل غير المتعارف فالمتكلّم قد يجوّز في مخاطَبِه ذلك فيستثني المنقطع و قد يكون المتكلم يريد تنبيه المخاطب علي معني الشمول في المستثني منه اذا استثني المنقطع فاذا قال قام القوم الّا حماراً يريد تنبيه المخاطب علي ان جميع القوم قاموا و لو اراد المجاز و اَنه انما قام بعضهم لما استثني منهم ما ليسَ منهم فلمّا استثني ما ليسَ منهم كان كالنّصّ علي العموم و لو لغرضٍ له من الاغراض و قد يلاحظ جانب اللفظ فعَلَي هذا يجوز ان يراد بالعلم المستثني منه العلم الذّاتي و المستثني العلم الحادث المُشاۤء فقد يتوهّم المخاطب انّه تعالي حين سمّي نفسه علماً و كان له علم بالكاۤئنات حادث لعلّه عني مطلق ما يسمي علماً و لو باللفظ فيكون العلم الحادث غيرَ مُحاطٍ به فابانَ تعالي بان الحادث المشاۤء اي الّذي يدخُلُ في ح۪يطةِ مَشيّتِه۪ يحيطونَ به و ربّما يُحتمل هنا قسماً ثالثاً و ذلك ان يقال بانه علي فرض المنقطع يكون المستثني منه قديماً و المستثني حادثاً و علي فرض المتّصل يكونانِ معاً حادثَيْن و علي فرض القسم الثالث يكون لا متّصلاً لانّه استثناۤء ما لولاه لدخل في المستثني منه لانه مغاير للمستثني منه لان العلم المستثني منه امكاني راجح الوجود و ان كان حادثاً لكن اللّه سبحانه احدثه بنفسه لا بشئٍ آخر و المستثني تكويني جاۤئز الوجود احدثه اللّه بفعله لا بنفسه كالاوّل و انّما احدثه اللّه تعالي بالاوّل فهو غيره باعتبارٍ بحيث لايصدق عليه الّا بظاهر اللّفظ خاصّة لانه من الاوّل كالنور من الشمس فاولي فيه ان يكون الاستثناۤء منقطعاً و باعتبار انّهما معاً داخلان في مسمي العلم حقيقة قد اشتركا فيه و في الحدوث فيكون منقطعاً فاذا قلنا بالقسم الثالث نريد انه بين اعتبارين متصادمَيْنِ يصدق باحدهما انهما من جنسٍ واحدٍ و باحدهما انّهما من جنسين فهو ذو وجهين فان قلتَ هو متّصل صدقتَ و ان قلتَ هو منفصِل صدقتَ و ان قلت لا متّصل و لا منفصل صدقتَ و ليس لك ان تقول الاصل فيه الاتّصال لانّ الاصل انما يتمشي في مجهول الحال و لا ان تقول انّهم اجمعوا علي الاتّصال و الانفصال لانّهم لم‌يجمعوا علي نفي غيرهما و انّما حصروا التقسيم فيهما نظراً الي ان المستثني من جنس المستثني منه او من غير جنسه فحصرهم بَنَوهُ علي هذا النظر و اذا وجد قسم لايكون من جنسه و هو من جنسه فما يقال فيه علي ان اثباتهم لشيئين لاينفي ما عداهما و لم‌يقم الاجماع علي النفي و انّما قام علي الاثباتِ و اثبات الشئ لاينفي ما عداه و الحاصل انا نقول ليس المراد بالمستثني منه العلم القديم الذي هو ذاته لما يلزم ذلك من المفاسد المنافية للتوحيد فيكون المراد به العلم الحادث فنقول المراد بالاستثناۤء في الٰاية المتّصل امّا مقابلة لما قيل انه منقطع بناۤء علي انّ المراد بالمستثني منه القديم او لان الاصل فيه الاتّصال بمعونة الاستعمال اللفظي فانه كافٍ في الاتّصال او ترجيحاً للاجتماع في الحدوث علي التفريق بالعلّيّة و المعلوليّة او لانّ ما هو علّة بالفعل هو معلول بالقوّة فيشتركانِ اوْ لانّا لسنا بصدد تحقيق اللغة و انما نحن بصدد المعني و هو يتأدَّي علي اي الاحتمالين فالاستعمال في الاتّصال اكمل و اشرف او لانّ ما نُفِي عنهم عليهم السلام الاحاطة به ليس علي جهة الاستمرار و الدوام و انّما هو موقّت ينتظر به وقته فيحيطون به يعني يحيطون بما حضر وقته لا انّهم يحيطون به كله بحيث لايبقي ما ينتظرونه لانّ ذلك انما يكون في المتناهي و هذا العلم الامكاني و ان كان حادثاً احدثه اللّه تعالي بنفسه و لم‌يكن معه في الازل اذ ليس معه تعالي شئ من الحوادث الّا انّه منْهُ يمُدُّ الخلقَ و الخلقُ ابداً محتاجون في بقاۤئهم الي المدد لا وجود لهم و لا بقاۤء بدونه و ذلك المدد ليس قديماً لان القديم لايستمدّ من ذاته الحادثُ و لايجوز ان يفني لانه لو فني فاِمّا ان يبقي فاِن بقي الموجود كان حينئذٍ مستغنياً و الحادث لايكون مستغنياً في حالٍ و امّا ان يفنَي و المسلمون كلهم اهل الشرع عليهم السلام و غيرهم مجمعون علي بقاۤء الجنة و اهلها و النار و اهلها و دوامهم لا الي غاية و نهاية فثبت بان هذا الامر اعني الامر الامكاني ليس بمتناهٍ ابداً و انّ اللّه سبحانه يمدّ الخلق اهل الجنّة بنعيم متجدِّدٍ لايتناهَي و اهل النار بعذابٍ اليمٍ يتألّمون به متجدِّدٍ لايتناهَي و لاينقطع و لايأول امرهم و حالهم الي النعيم كما زعمه الصوفيّة المتلوِّنون بل كلّما طال عليهم المَدا ازدادوا تألُّماً فهو تعالي يمدّ الفريقين بما يستحق كل واحد منهما من هذا الحادث الذي لايتناهَي و لايتغايَا و هو علي كلّ شئٍ قدير فقولنا و هذا العلم هو المستَثني في قوله تعالي و لايحيطون بشَئٍ من علمه الّا بما شاۤء فما شاۤءَ من علمه يحيطون به عليهم السلام لانه انهاه اليهم و هو علم ما كان و ما يكون علي ما فصّلنا فيما تقدّم سابقاً و معني الّا بما شاۤء انّهم يحيطون من علمه بما شاۤء ان يحيطوا به او انهم لايحيطون بشئ مما شاۤء من علمه الّا بمشيّته فما في هذا الوجه مصدريّة حرفيّة كما قال تعالي عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احداً الّا من ارتضي من رسول ، فعلي الظاهر تكون من رسول بيانية و المراد به رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و ما علّمه اللّه فان اللّه امَرهُ ان يعلّمه الطّيبين من اهل بيته عليهم السلام و علي الباطن و التّأويل ان المرتضي من محمد صلّي اللّه عليه و آله عليّ و فاطمة و الاحدعشر معصوماً من ذرّيتهما عليهم اجمعين السلام و قد اشار الهادي عليه السلام في هذه الزّيارة في قوله و ارْتضاكم لغيبه و كذلك قوله تعالي و ماكان اللّه ليطلعَكم علي الغيب و لٰكن اللّه يجتبي من رُسُله۪ مَن يشاۤء ، فعلي الظاهر المجتبي من الرسلِ محمد صلي اللّه عليه و آله و اطلعه تعالي علي ما شاۤء من الغيب و ما اطلعه عليه فانه امره ان يطلع عليه الطيبين من اهل بيته عليه و عليهم السلام و علي الباطن و التأويل فالمجتبي من محمد صلي اللّه عليه و آله علي و فاطمة و الائمة من نسلهما عليهم السلام ،
و اعلم ان العلم الامكاني الراجح الوجود هو وجود الامكان عند وجود المشيّة بما فيه من الامكانات الجزئيّة التي لاتتناهَي فانّها هي و المشيّة و الارادة لم‌تكن في الازل لان الازل ذاته تعالي و ليس معه غيره و ليس شئ في تلك الرتبة التي هي ذاته غيره ثم احدث المشيّة بنفسها و احدث بها معها الامكان المطلق و ما فيه من الامكانات الجزئيّة الّتي لاتتناهي فهي مع المشيّة و الارادة متساوقان في الظهور في الوجود بعد ان لم‌يكن شئ غير اللّهِ تعالي و هذا الامكان و ما فيه هو خزانةُ اللّهِ الّتي لاتغيض بل تفيض و هذا هو العلم الامكاني الذي لايعلمه الا اللّه تعالي و لايحيطون بشئ منه ثم شاۤء ان يُكوّن منه ما شاۤء فما شاۤء كونه و اراد عينه فهو العلم الكوني و التّكويني و العلم المشاۤء و الّذي يحيطون به بمشيّة اللّه تعالي فكلّ من اتّصف بالوجود الكوني فقد انهي علمه اليهم صلي اللّه عليهم كما تقدّم و جعل تربيته اليهم في كلّ شئ و هو الذي اشار اليه بقوله و اسْتَرْعاكم امر خلقه و قد ائتمنهم سبحانه في هذه الاسرار الثلاث ففي الاولي هم اركان مقاماته و علاماته بل هم مقاماته و علاماته و في هذه الرتبة اشار الحجة عليه السلام في دعاۤء شهر رجب كما تقدّم مراراً اليهم و اشار الصادق عليه السلام اليهم بقوله لنا مع اللّهِ حالاتٌ نحنُ فيها هو و هو نحن و هو هو و نحن نحنُ ه‍ ، و في روايةٍ الّا انه هو هو و نحن نحنُ ه‍ ، و في الثانية هم معانيه فهم علمه و قدرته و حكمه و يده و لسانه و عينه و قلبه و امره و غير ذلك مما ذكروه عليهم السلام بل هم فيها اركان مقاماته و معني كونهم معانيه انّهم معاني افعاله كالقيام و القعود و الاكل و الشرب و الكتابة بالنسبة الي زيد فان هذه معاني زيد اي معاني افعاله و في الاولي هم كالقاۤئم و القاعد و الٰاكل و الشارب و الكاتب بالنسبة الي زيد فانّ هذه اسماۤءُ فاعلٍ كذلك هم اسماۤؤه كما قال الصادق عليه السلام و هو المسمّي و نحن اسماۤؤه و في الثالثة هم بيوته و ابوابه التي امر ان يؤتي منها و قد تقدم بيان هذه في مواضع متعددة و انا اكرّر القول لمن اراد ان يذّكّر اوْ اراد شُكوراً و في كلّ مرتبةٍ من هذه الثلاث له سرٌّ غير متناهي المراتب و اعطاهم و قوّاهم بما اختارهم له و آتيٰهم تقويٰهم و ائتمنَهم علي ذلك كلّه لعلمٍ منه سَبق فيهم فهم بامره يعملون صلّي اللّه عليهم اجمعين ،
و قوله عليه السلام : و استرعاكم امر خلقِه۪
يعني به انه تعالي استرعاهم امر خلقه جعلهم قاۤئمين برعاية الخلق فيما يتعلّق بامر الوجود الكوني و شرعِه۪ و فيما يتعلّق بامر الكون الشرعي و وجوده و فيما يتعلّق بامر الغيب و الشهادة و فيما يتعلّق بامر الدنيا و الٰاخرة و فيما يتعلّق بامر الجنّة و النّار طلب تعالي منهم عليهم السلام رعاية جميع خلقه في هذه الامور الخمسة كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام فيما تقدّم من خطبته يوم الغدير و الجمعة قال في حق محمّد صلّي اللّه عليه و آله استخلصه في القدم علي ساۤئر الامم علي علم منه الي ان قال و انتجبه آمِراً و ناهياً عنه اقامَهُ في ساۤئر عالمِه۪ في الاداۤءِ مقامه اذ كان لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتُمَثِّلُه غوامضُ الظنون في الاسرارِ لا الٰه الّا هو الملِكُ الجبّار و قد تقدم هذا و مثله في حقهم من خُطْبته عليه السلام فهم المُرَبُّون لرعيّتهم الراعُون الذين استرعاهم اللّه تعالي امْرَ غَنمِه۪ فَان شاۤؤا فانّما شاۤءَ ، و هنا شبهة تحتاج الي البيان و هي انّ اللّه قدْ يريدُ امْراً فاذا ارادوا اَلّايكونَ اراد سبحانه اَلّايكون فيترُك ارادتَهُ لارادتهم و هذا شئ كثير الوقوع كما في الشفاعات التي تكون منهم اذ لولا شفاعتهم لعذّبَ اللّهُ ذلك الشخص لانه يريد تعذ۪يبَهُ فلمّا شفعوا رحمه و كذلك في دعاۤئهم لشئ فيَستجيب اللّه تعالي لهم و يفعل ما سألوهُ و لولا دعاۤؤهم لم‌يفعله فاذا كان الامر كذلك دلّ علي اَنّ لهم ارادة و مشيّة غير مشيّة اللّه تعالي و ارادته و قد ذكرتَ في كثيرٍ من ابحاثِ هذا الشّرح انّه تعالي انّما خَلقَهم لَهُ لا لشئٍ سوَاهُ و لا لِاَنْفُسِهِمْ و قبول الشّفاعةِ و الدّعاۤء منهم يدلّ علي وجود انّيَّةٍ لهم ،
و الجواب انّ اللّه سبحانه خَلقَهُمْ لَهُ خاۤصّة كما قلنا و لٰكِنْ صنعه لخلقه و بخَلْقِه۪ جارٍ علي حكمته و سنّته و لن‌تجِدَ لِسُنَّةِ اللّهِ تبديلاً و هو انّه اجري عادته علي انه يفعل بالقوابل و بتَوسُّطِ الاَسْباب مثلاً ينزل من السَّماۤءِ ماۤءً و هو سبب لاخراج الثمرات علي اختلافِها فيخرجُ الرمّان من شجره بطبيعتها و بتوسّط الماۤء و التراب و يخرج العنب من شجره بطبيعتِها و بتوسّط الماۤء و التّراب و الفاعل واحد سبحانه و الفعل واحد و اصل السبب واحد و هو الماۤء و التراب فلو خلق بغير القابلية لكان المخلوق شيئاً واحداً و لكنه خلق الرمّان بطبيعة شجره و العنب بطبيعة شجره و لمّا كانَتْ عَادتُه اَنّه يفعل بالقوابل و الطباۤئع كان فعله تعالي متقوِّماً بمقوِّماته و هي هم عليهم السلام و المقوّماتُ مقوِّماتٌ علي رُتَبِها في كل رتبة بحسبه مثاله انّك مدرِك و لكن تدرك الالوان و الاصوات و الطعوم و الرواۤئح و المجسّات في رتبتها من الاجسام بما يوافقها من مدركاتك فتدرك اللون بالبصر و الصوت بالاذن و الطعم باللسان و الراۤئحة بالانف و المجسَّة بالانملة مثلاً و تدرك المثال بالحسّ المشترك و الصور الخياليّة بالخيال و النفسانية بالنفس و المعاني بالعقل و المعرفة بالفؤاد فالفؤاد يدرك المعرفة بنفسه و لما دونه بتوسّط العقل و الصور بالنفس بتوسّط العقل و يدرك المثاليّة بتوسّط ما بينه و بين مدركه و هكذا الاَعْلَي يدرك ما في رتبته بنفسه و ما فوقه و ما تحته بتوسّط الادراك المتوسط فكذا ما نحن بصدده فاِنّ مثالَنا آيةُ بَيانِه۪ و دليل برهانه فهم عليهم السلام في مقام العلامات لَيْس لهم مَشِيّة الّا مشيّته تعالي و في مقام المعاني مشيّتهم اركان مشيّته تعالي و في مقام الابواب مشيّتهم وجهُ مشيّته و في مقام الامام مشِيّتُهُمْ تابعة لمشيَّتِه۪ فمشِيّتهم في الظاهِر السبَبُ القريب ففي الاوّل لايجدون لهم مشيّةً و لا وُجوداً و في الثّاني مشيّته تعالي متقوِّمةٌ في الصنع بمشيّتهم بمعني ان مشيّتهم في الصّنع محلٌّ لمشيّتِه۪ و مشيّته فاعله و منه قوله تعالي و مارميتَ اِذْ رميتَ و لكنّ اللّه رمَي ، و في الثالثِ مشيَّتُهُمْ في مشيّتِه۪ تعالي عَضُدٌ لِلمشاءَاتِ فانّهم لايقدرونَ علي قبولِ مشيّتِه۪ تعالَي بدُونِ وَاقٍ منهم عليهم السلام و هو مشيّتهم و في الرّابع لهم المشيّة التَّابعَةُ لمشِيّتِه۪ تعالي فمشيّته تعالي بالنسبة الي مراتبهم الثلاثة الاواخِر مرتبطةٌ بمشيّتهم فان توجّهت مشيّتُهُ الٰي مُشَاۤءٍ فلايتمّ تعلّقها به الّا مع انضمام مشيتِهم مَعَها لكونِهَا ركناً او عضداً او تابعاً قريباً فان شاۤؤا جهةً غير تعلّقِ مشِيَّتِه۪ فاِنّما شاۤؤا بتفويضِ مشيّتِه۪ فاذا شاۤؤا فبمَشيَّتِه۪ شاۤؤا فيجب في الحكمة ان تجري مشيّته تعالي علي وَفْقِ مشيّتهم لانها مُتَمِّمةٌ لقابلية المشاۤء و لفاعليّة مشيّته تعالي كما يتمّم البصر ادراكَ العقلِ للالوان و لايجوز في الحكمة تفرّد مشيّته تعالي و الّا لجري صنعه علي غير مقتضي القَوابِل اذ مُقتضاها توسّط المتمّمات لها من المشخّصات و من توسط اسباب المقبول و اذا شاۤء اللّه تعالي عذابَ شخصٍ بمقتضي ذنبه و شاۤؤا الشفاعة له و شفعُوا قبِل شفاعتهم و شاۤء ما شاۤؤا لانّ الذنب الّذي اقتضي ان يشاۤءَ اللّه تعالي تعذيبَهُ عليه انّما هو تقصير فيما جعل لهم من حق الولاية وَ المحبّة لا انّه تعالي يتشفّي بتعذيبِ من عصاه اذ لا حاجة له الي شئ و لايهيجه شئ و انّما هو في الحقيقة اَخْذٌ بحقِّهم اَوْ لِحقِّهم فاذا شفعوا فبمشيّته شفعوا و لحقِّهم اسقطوا فكان مقتضي حال ذلك الشخص مع ضميمة شفاعتهم عليهم السلام العفو عنه و التفضّل عليه بالرحمة لانّ مَعْصيته مع الشفاعة تتبدّل طاعة كما قال تعالي فاولۤئك يُبَدِّل اللّه سيّئاتهم حسنات و ما مثال هذا الشخص في ذنبه الّا كرجل في ثوبه الساتر له الذي يريد الصلوة فيه قطرة بولٍ فانّ مقتضي حكم اللّه و مشيّته منعه من الدخول في الصلوة فلمّا غُمِسَ في الفراتِ بثوبه كان مقتضي حكم اللّهِ و مشيته الاذن له بالدخول في الصلوة لان نجاسة ثوبه من قطرة البول و من غيرها بُدِّلتْ طهارةً فلم‌تكن لهم مشيّة الّا مشيّة اللّه تعالي او عن مشيته اوْ بها فمع اتّحادِ المشيّة من اللّه تعالي و منهم كما في المقام الاول فلا كلام و مع اعتبار التعدّد او المغايرة فلانه تعالي اولي منهم بالكرم و الفضل فكما كانوا يتركون ما يريدون من شهوات انفسهم و مقتضي انّيّاتهم لما يريد سبحانه كان تعالي اولي بذلك فيترك ما يريد لما يريدون علي انه انّما اراد لهم خاۤصّة و اللّه غني حميد و لاجل هذا ورد في اخبارهم عليهم السلام اذا شئنا شاۤء اللّه و ماتشاۤؤن الّا ان يشاۤء اللّه ورد و اذا شاۤء اللّه شِئنا هذا عطاۤؤنا فامنن او امسك بغير حسابٍ فلمّا اشهدهم خلق انفسهم و انهي اليهم علم ذلك و اشهدهم خلق جميع مخلوقاته و انهي اليهم علم جميع خلقه و جعلهم محاۤلّ مشيته و الْسُنَ اِرادَتِه۪ و اصطنعهم لنفسه و اغناهم به تعالي عمن سواه فلايشاۤؤن الّا بمشيته او عن مشيّته و اقدرهم علي ما حمّلهم و كان تعالي لاتدركه الابصار و لاتمثّله الظنون استرعاهم امر خلقه اي منهم خاۤصّة طلبَ رعاية امر خلقه لانحصار شؤنه تعالي و حواۤئج جميع خلقه فيهم عليهم السلام فهم بأَمره يعملون ،
و قوله عليه السلام : و قرَن طاعتكم بطاعته
لمّا كان تعالي باۤئناً من خلقه بينونة صفةٍ لا بينونة عزلةٍ و كان مصير كلّ شئ اليه وجب في اللطف ان يميّز خلقه بحدودهم التي هي غيوره كما قال الرضا عليه السلام في خطبته كنهه تفريق بينه و بينَ خلقِه۪ و غيورُه تحديدٌ لما سواه ليعرفوه تعالي بمباينته لحدود خلقه التي منها الاتّحاد و المساواة و الموافقة و المخالفة و المشاركة و المضاۤدّة و الشبه و الاقتران و الاجتماع و المباينة و المفارقة و غير ذلك فيعرفوه تعالي بخلافِها و خلافِ خلافها و يلزم هذا التوحيد و التجريد الغني المطلق فٰاية التوحيد الانفراد بما يجوز عليه ففرق بهذا اللحاظ بين طاعته و طاعتهم فقال و قَرَن طاعتكم بطاعته و آية الغني المطلق انّما ينسب اليه و يجوز عليه غير ذاته المقدّسة فهو لأقرب خلقه اليه و انّما نسبه اليه و هو لهم تشريفاً لهم و تعظيماً و لانّ ما لم‌يكن له باطل فلايجعل لمن جعلهم احبّاۤءَهُ بالحقّ ما يكون باطلاً اذا لم‌ينسب اليه ما لم‌ينسب اليه ليكون حقّاً يليق منه تعالي لاحبّاۤئه الحقّ فقال تعالي في آية الغني المطلق من يُطع الرسول فقد اطاع اللّه ، فٰاية التوحيد انه تعالي قرن طاعتهم بطاعته ليبين من خلقه بينونة صفةٍ لا بينونة عزلةٍ لان مقتضي بينونة الصفة تعدّد الطاعة و مقتضي بينونة العزلة عدم اقتران طَاعتهم بطاعته فافهم و هو الغني المطلق في توحيده المتوحد في غناه فيجب في آية غناه ان يعتبر كون المراد بتعدّد الطاعة مع اتّحادِها في الغني المطلق و مع التوحيد و الغني المطلق انّ الطاعة بمقتضي الغني المطلق لاتكون طاعة الّا اذا نسبت اليه ليصح كونها طاعةً تعود الي مَن شاۤءَ و احبَّ فقوله عليه السلام و قرَن طاعتكم بطاعته مع انّه قال قبل هذا مَن اطاعكم فقد اطاع اللّه و هو مشعر بان طاعة اللّه تعالي هي نفس طاعتهم لانه اتي بقد الداخلة علي الماضي المفيدة للتحقيق و لا شكّ انّ من اطاعَهم فانّما اطاع اللّه لبيان تحقّق كونها طاعةً في نفس الامر بايقاعها له تعالي بتَبْ۪يينِهمْ مشفوعةً بولايتهم و محبّتهم و البراۤءة من اعداۤئهم و لايلزم علي الظاهر انّ مَن اطاع اللّه فقد اطاعهم لما تقدم في حديث مناقب ابن‌شاذان من قوله تعالي في الحديث القدسي اقسم بعزّتي و جلالي انّي ادخل الجنّة من اطاعَ عليّاً و ان عصاني و اقسم بعزتي و جلالي اني ادخل النار مَن عصي عليّاً و ان اطاعني و هذا مرويّ في المتواتر معني من الفريقين فكانت طاعته تعالي في الظاهر قد لاتكون طاعة لهم نعم اذا اريد بالطاعةِ الطاعة التي هي عند اللّه تعالي و عندهم طاعة فهي طاعة اللّهِ الناشية عن طاعتهم يعني علي النحو الذي اطاعوا به اللّه سبحانه و امروا ان يطاع به اللّه سبحانه و هي ما اخذت عنهم و رضوا بها طاعة للّه سبحانه و لاتكون الّا بطاعتهم و انّما سمّي تلك طاعة له تعالي علي زعمهم اَنّها طاعةٌ له و ليست طاعةً له بل هي معصيةٌ له و لهذا يدخل صاحبَها النارَ و ذلك لانه تعالي امر عباده بان يأتوا البيوت من ابوابها و قد جعلهم عليهم السلام ابوابه و امر عبادَهُ بان يطيعوه بطاعتهم و اخبرهم بان مَن اطاعني بطاعة غيرهم فقد اشرك بي فهم يطيعونَهُ بطاعة اعداۤئهم لعنهم اللّه و هم يحسبون انهم يحسنون صنعاً فاخبر سبحانه عن حالهم يوم القيمة فقال و يوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين اشركوا اين شركاۤؤكم الذين كنتم تزعمون ثم لم‌تكن فِتنَتُهُمْ الّا ان قالوا و اللّهِ ربّنا ماكنا مشركين فقال تعالي لنبيّه صلي اللّه عليه و آله يا محمد انظر كيف كذبوا علي انفسهم و ضلّ عنهم ما كانوا يفترون ، و في الكافي عن الصادق عليه السلام في كلام له يعرّض بالمرجئة بعد ان تركهم و مضي عنهم فلما خرج من المسجد قال لي يا ابامحمد واللّهِ لو انّ ابليس سجد للّه تعالي بعد المعصية و التكبر عمر الدنيا مانفعه ذلك و لا قبِلَهُ اللّهُ تعالي ما لم‌يسجد لٰادم عليه السلام كما امره اللّه تعالي ان يسجد له و كذلك هذه الامة المفتونة بعد نبيها صلي اللّه عليه و آله و بعد تركهم الامامَ الذي نصبه نبيّهم صلي اللّه عليه و آله فلن‌يقبل اللّه لهم عملاً و لن‌يرفع لهم حسنةً حتي يأتوا اللّهَ من حيث امرهم و يتولّوا الامام الذي اُمِروا بولايته و يدخلوا في الباب الذي فتحه اللّهُ و رسولهُ (ص‌) لهم يا ابامحمد انَّ اللّهَ افترض علي امة محمد (ص‌) خمس فراۤئض الصلوة و الزكوة و الصيام و الحج و ولايتنا فرخّص لهم في اشياۤء من الفراۤئض الاربعة و لم‌يرخّص لاحدٍ من المسلمين في ترك ولايتنا لَا واللّهِ ما فيها رخصةٌ ه‍ ، و فيه عنه عليه السلام في حديثٍ قد تقدّم ذكره الي ان قال (ع‌) وصل اللّه طاعةَ وليِّ امرهِ بطاعة رسولِه و طاعةَ رَسُولهِ بطاعتِه فمن ترك طاعةَ وُلاةِ الامر لم‌يُطِعِ اللّهَ و لا رَسُولَه و هو الاقرار بما نزل من عند اللّه تعالي و يجوز ان يكون المراد بقَرْنِ طاعتهم بطاعته الاتّحاد في الظهور الكوني و المساوقة في الصدورِ منَ الفِعْل و ان وُجد التّعدّد في الوجود العلمي و انَّ طاعتهم مترتّبة علي طاعته لانا لانريد بهذا الترتّب العلمي التَّعدُّدَ في نفسه لانّ التّعدد في نفس الامر يلزم منه تعدّد المَنْسوب اليه لانّ الطّاعة وصفٌ نسبي يستلزم مطاعاً و اذا كان غنياً لذاته لم‌يرد شيئاً لذاته و انّما يريد لغيره و هم ذلك الغير لا غير و ايضاً الطاعة حادثة و لاتنسب الّا الي حادث و هم ذلك الحادث المنسوب اليه الحادث و انّما نريد بالترتيب العلمي الموجب للتعدّد في اللفظ انّ هذه الطّاعة الواحدة انّما تكون طاعة في الواقع بنسبتَيْن نسبة الايقاع و نسبة التعيين اَمّا نسبة الايقاع فباَن يوقِعَها المطيع للّه تعالي وحده و هي النسبة الاولي في الاعتبار و هي مشتملةٌ علي ابتداۤئين بينهما انتهاۤء و امّا نسبة التعيين فباَن يأخذها و كيفيّتها عنهم بشروطها من ولايتهم و محبّتهم و التسليم لهم و الردّ اليهم و من البراۤئة من اعداۤئهم و هي النسبة الثانية في الاعتبار و هي مشتملة علي انتهاۤئين بينهما ابتداۤء فالنسبة فيها ابتداۤء من اللّهِ تعالي بفضله و رحمته باَن انزل تلك الطاعة في ماۤدة النور و هذا الابتداۤء الاوّل من النسبة اليه تعالي و الانتهاۤء الاوّل من النسبة اليهم ان ذلك النور انزله اليهم و اوحي اليهم علم الكيفيّة لطاعته فقدّروها بامر اللّه تعالي كما شاۤء و رفعها المطيع الممتثل لامرهم الي اللّهِ تعالي بان اوقعها له عز و جل و هذا هو الانتهاۤء المتوسطُ من النسبة اليه تعالي فقبلها لموافقتِها لارادته و محبته و امره فاحياها بان نفخ فيها روح القبول فانزلَها مِنْه تعالي اليهم و هذا الانزال هو الابتداۤء الثاني من النسبة اليه و اليهم اي و كون الانزال اليهم هو الانتهاۤء الثاني من النسبة اليهم فكانت الطاعة الحقّ منه اليهم بالفضل الابتداۤئي و السؤال الاوّل ثم منهم اليه تعالي بالاجابة الحقّة ثم منه تعالي اليهم باقامة الولاية الكبري و رفع لواۤء الحمد له تعالي بهم فمن حيث لحاظ الابتداۤء و الانتهاۤء منه اليهم و منهم اليه و منه اليهم قال عليه السلام و قرن طاعتكم بطاعته و من حيث لحاظ انّ شرط الصحة فيها ان تكون له تعالي بهم و لهم منه قال عليه السلام و قرن طاعتكم بطاعته فظهر اللفظ بصورة التعدّد وَ من حيث انه تعالي حصر شؤنه فيهم عليهم السلام و حصر حواۤئج الخلق عندهم قال مَن يطع الرسول فقد اطاع اللّهَ و قالوا عليهم السلام فجعل طاعتنا طاعته تعالي و معصيتنا معصيته فتقرّر المعني و اللفظ علي الاتّحادِ كما هو حكم الغني المطلق .
و قوله عليه السلام : لمّا استوهبتم ذنوبي و كنتم شفعائي
قال الشارح المجلسي رحمه اللّه لمّا مشدّدة بمعني الّا اي لايقع منكم شئ الّا استيهاب ذنوبي منه تعالي او مخفّفة و اللام لتوكيد القسم و ما زاۤئدة للتأكيد انتهي .
اقول يعني رحمه اللّه بقوله لايقع منكم شئ انّه حيث ثبت انّ المأٰب اليكم و الحساب عليكم كما رواه البرقي في كتاب الٰايات عن ابي‌عبداللّه عليه السلام ان رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله قال لاميرالمؤمنين عليه السلام يا علي انت ديّان هذه الامّة و المتولّي حسابَها و انت ركن اللّهِ الاعظم يوم القيٰمة الا و ان المأٰب اليك و الحساب عليك و الصراط صراطك و الميزان ميزانك و الموقف موقفك ه‍ ، و اني ارجع اليكم و انتم تحاسبوني فتجاوَزوا عنّي و لاتناقشوني و استوهبوا ذنوبي من اللّهِ تعالي و ما كان للٰادميّين عليَّ فعوّضوهم عن حقوقهم فانّ اللّه سبحانه قد جعل لكم الدنيا و الٰاخرة فاشفعوا لي في حطِّ التبعات عني و رفع درجاتي و هذا الدعاۤء الذي سألهم الزاۤئر انّما سألهم اعتماداً علي ولايتهم و محبتهم و وعدهم محبّيهم بذلك عن امر اللّه تعالي بانّ اللّه تعالي ملّكهم كما تقدّم و اذن لهم في الشفاعة فيمن شاۤؤا و اخبروا شيعتهم بذلك و وعدوهم بالشفاعة علي اللّه تعالي و اللّه منجزٌ لهم ما وعدهم فاقسم محبهم و زاۤئرهم عليهم بمن ملّكهم و وعدهم و انجز لهم و امرهم بان يبشّروا محبّيهم بذلك و ذلك ما ذكرُوه في اخبارهم مما لايكاد يحصي و منه ما رواه الكراجكي في الكنز باسناده الي محمد بن جعفر بن محمد عن ابيه عن جده عليهما السلام في قوله عز و جلّ انَّ الينا ايابهم ثم انّ علينا حسابهم قال اذا كان يوم القيمة وكّلنا اللّه بحساب شيعتنا فما كان للّه سألناه ان يهبه لنا فهو لهم و ما كان لمخالفيهم فهو لهم و ما كان لنا فهو لهم ثم قال هم معنا حيثُ كنا و فيه باسناده الي عبداللّه بن سنان عن ابي‌عبداللّه عليه السلام قال اذا كان يوم القيمة وكّلنا اللّه بحساب شيعتنا فما كان للّه سألناه ان يهبه لنا فهو لهم و ما كان للٰادميّين سألنا اللّه ان يعوّضَهم بدلَهُ فهو لهم و ما كان لَنا فهو لهم ثم قرأ انّ الينا ايابهم ثم انَّ علينا حسابهم ه‍ ، و قد تقدّم و امثالها كثير و في مناقب ابن‌شاذان محمد بن احمد باسناده الي ابي‌ذر رضي اللّه عنه قال نظر النبي صلّي اللّه عليه و آله الي علي بن ابي‌طالب عليه السلام فقال هذا خير الاوّلين و الٰاخرين مِن اهل السموات و الارضين هذا سيّد الوصيّين و امام المتّقين و قاۤئد الغر المحجّلين اذا كان يوم القيمة جاۤء عليٌّ علي ناقةٍ من نوق الجنّة قد اضاۤءت القيمة من ضوءها و علي رأسه تاج مرصَّعٌ بالزبرجد و الياقوت فتقول الملاۤئكة هذا ملكٌ مقرّب و قال النبيون هذا نبي مرسل فيناد۪ي منادٍ من بُطنَان العرش هذا الصّدّيقُ الاكبر هذا وصيُّ حبيب اللّهِ هذا علي بن ابي‌طالب فيقف علي متن جهنّم فيخرج منها من يحب و يدخل فيها مَن يبغض و يأتي ابواب الجنّة فيدخل اولياۤءَه الجنّة بغير حسابٍ ه‍ ، فقوله لمّا استوهبتم ذنوبي عزيمةٌ من الساۤئل المتوجّه اليهم المقسم عليهم بمن ائتمنهم علي سرّه فملّكهم ما شاۤؤا وَ استرعاهم امر خلقه بحيثُ رجع الامْرُ كُلُّه اليهم و قرن طاعتهم بطاعته فينقاد لهم كلّ شئ و في ذكر هذه الاوصاف في القَسم عليهم تنبيه علي انّ سؤاله علي جهة العزيمة عليهم لانّه ارادَ منهم ما يقدرون عليه و وعَدُوا به و امرهم اللّهُ به و اذِنَ لهم علي ما يرونه مما دلّهم سبحانه عليه فيكون كالالزام و ان كان سؤالاً و هو يقتضي خلاف العزيمة لكنه لما قُلنا يطالبهم بحقّ الوعد الذي امرهم اللّه به علي جهة التفضّل و لهذا اتي بلَمّا فانّها عَلي التشديد و ان كانت بمعني اِلّا لكنّها اخصّ منها لارادة العزيمة علي المسئول منها و الّا قد لايراد منها ذلك و علي التَّخْفيف تكون اللام مفيدةً للعزيمة لانّها مؤكدة للقسم و ما و ان كانت صلةً لكنها انّما زيدت لتأكيد ما اكّدتْهُ اللّام ،
و قوله عليه السلام : و كنتم شفعاۤئي
قد تقدّم معني ذلك و تقدّم الكلام في الشفاعة و بقي معني للشفاعة ينبغي التنبيه عليه علي جهة الاشارة فاقول انّ الشفاعة الّتي يراد منها بذل الجاه في اسقاطِ حقٍّ عن مطلوب به اوْ رَفع دَرَجةٍ له كثيراً ما تكون منهم عليهم السلام لشيعتهم في الدنيا بالدعاۤء لهم بالتوفيق للطّاعة و العمل الصّالح و بِالتّسديد لهم للحق و الاصابة للصواب من العلوم و الاعتقادات و طلب الحلال في المعاش و غير ذلك و كلّ هذه و امثالها من افراد الشفاعة فانّهم اذا ارادوا نجاة محبّهم من النار توجّهوا الي اللّه تعالي و استوهبوه حقوقه التي عند محبّهم و سألوه ان يعوّض طالب الحق عندهم عن حقّه و مثل هذا قد تكون موازين محبّهم خفيفةً لقلّة حسناته او عدمها فيهبونه من فاضل حسناتهم ما يثقل به موازينه و بالدعاۤء لهم في الدنيا و الاستغفار لهم من ذنوبهم كما دلّت عليه آثارهم بانّهم عليهم السلام تحمّلوا عن شيعتهم و محبّيهم ذنوبهم كما في قوله تعالي انّا فتحنا لكَ فتحاً مبيناً ليغفر لك اللّه ما تقدّمَ من ذنبِك و ما تأخّرَ ، ففي مجمع‌البيان و تفسير علي بن ابراهيم عن الصادق عليه السلام انّه سُئِل عن هذه الٰاية فقال ماكان لَهُ ذنبٌ و لاهَمَّ بذنبٍ و لكن اللّه حمّله ذنوبَ شيعته ثم غفرها له و في المجمع عنه عليه السلام انّه سُئِل عنها فقال واللّهِ ماكان لَهُ ذنبٌ و لكن اللّه سبحانه ضمن له ان يغفر ذنوب شيعة علي عليه السلام ما تقدّم من ذنبهم و ما تأخّر ه‍ ، و انّما فعلوا ذلك مع شيعتهم لانّهم خلقوا من فاضل طينتهم و انّما لحقتهم الذّنوب من لطخ اعداۤئهم فلمّا كانوا منهم و منسوبين اليهم في الذوات و الصفات و الاعتقادات و الاعمال و الاقوال حتي انّ اعداۤءهم عادوا شيعتهم و سعوا اليهم بكل مكروه بغير سببٍ سوي انتسابهم للائمة عليهم السلام و متابعتهم لهم وجب عليهم صلي اللّه عليهم اعانتهم و نصرتهم و نجاتهم بكلّ وجهٍ من الدعاۤء و العناية بهم و تحمّل الذنوب عنهم و الشفاعة لهم في الدنيا و الٰاخرة و قد مضي كثير من اخبارهم يدلّ علي هذا المعني المشار اليه و من ذلك ما رواه في البحار من كتاب رياض‌الجنان لفضل‌اللّه بن محمود الفارسي بسنده عن المفضّل بن عمر عن ابي‌عبداللّه عليه السلام انه قال انّ امرنا صعبٌ مستصعب لايحتمله الّا صدور مشرقةٌ و قلوب منيرة و افئدةٌ سَليمةٌ و اخلاق حسنة لانّ اللّه قد اخذَ ( لنا ظ ) علي شيعتِنا الميثاق فمن وفي لنا وفَي اللّهُ له بالجنّةِ و مَن ابغضَنا و لم‌يؤدِّ الينا حقّنا فهو في النار و انّ عندنا سرّاً من اللّهِ ماكلّف اللّه به احداً غيرنا ذلك ثم امرَنا بتبليغه فبلّغناه فلم‌نجد لَهُ اهلاً و لا موضعاً و لا حَمَلةً يحملونه حتّي خلق اللّه لذلك قوماً خُلِقوا من طينة محمّدٍ و ذرّيّته صلي اللّه عليه و آله و من نورهم صنعهم اللّهُ بفضل صنعِ رحمته فبلّغناهم عن اللّه مَا امرَنا فقبلوه و احتملوا ذلك و لم‌تضطرب قلوبهم و مالت ارواحهم الي معرفتنا و سرّنا و البحث عن امرِنا و انّ اللّه خلق اقواماً للنار و امَرنا ان نبلّغهم ذلك فبلّغناه فاشمأزت قلوبهم منه و نفروا عنه و ردّوه علينا و لم‌يحتملوه و كذّبوا به و طبع اللّه علي قلوبهم ثم اطلقَ السنتهم ببعض الحق فهم ينطقون به لفظاً و قلوبهم منكرة له ثم بكي عليه السلام و رفع يديه و قال اللهم انّ هذه الشرذمة المطيعين لامرك قليلون اللهم فاجعل محياهم محيانا و مماتهم مماتنا و لاتُسلِّط عليهم عدوّاً فانّك ان سلّطتَ عليهم عدوّاً لن‌تُعْبَدَ ه‍ ، فتدبّر فيما قال و في دعاۤئه فانّه يستشفع الي اللّه فيهم في محياهم و مماتهم و اَلّايُسلِّطَ عليهم عدوّاً يهلكهم بالقتل كساۤئر الظالمين و لايهلكهم بالكفر و الضلالة كالشياطين من الانس و الجن فافهم ،
قال عليه السلام : فاني لكم مطيع مَنْ اطاعكم فقد اطاع اللّٰه و من عصاكم فقد عصي اللّٰه و من احبّكم فقد احبّ اللّٰه و من ابغضكم فقد ابغض اللّهَ
اقول قوله فانّي لكم مُطيع يريد انه تجب لي الشفاعة و استيهاب ذنوبي لاجل طاعتي فجعل طاعته لهم علّة لاستيهاب الذنوب و الشفاعة له فيها اوْ مطلقاً اوْ انّ قوله فاني لكم مطيع استعطافٌ اَرْدفَ القسم عَلَيْهم به للتّأكيد فيه فعلي العلّة يكون فيه استنجاز لما وعَدوا به مَن اطاعهم و احبّهم من تحمّل الذنوب عنه و الشّفاعة له كما تكرّم به سبحانه و تعالي عليهم عليهم السلام من الاذن في الشفاعة لمن احبّهم و اطاعهم و الاذن في تحمّل الذنوب عنهم و غفرانها لهم عليهم السلام و الاذن لهم في وعدِهم شيعتهم بذلك فهو بعد ثبوت طاعته طالبُ حقٍّ اوْ كطالبِ حقٍّ ثمّ اخبر اني قد اطعتُ اللّه تعالي بطاعتكم و من اطاع اللّه تعالي فقد وفي بعهد اللّه و اللّه عز و جل قد تكرّم و تفضّلَ عَوْداً كما تكرّم و تفضّل بدءاً فقال و اوفوا بعهدي اوف بعهدكم و قال و مَن اوفي بعهده من اللّه و احببتُ اللّهَ بحُبِّكم و اتّباعكم و مَن احبّ اللّه فقد وعده اللّه بغفران ذنوبِه۪ فقال تعالي لنبيّه صلي اللّه عليه و آله يبلّغ عنه ان كنتم تحبّون اللّه فاتّبعوني يُحْببكم اللّه و يغفر لكم ذُنوبَكم و حيث قام بشروط الشفاعة و غفران الذنوب من اتّباعهم و محبّة اللّه تعالي بحبّهم و طاعة اللّه بطاعتهم كان طالبَ حقٍّ اوجبه اللّه تعالي علي نفسِه تفضّلاً و اوجبه عليهم تشريفاً لهم و تكريماً و تنويهاً بهم و رفعاً لدرجتهم فهو طالبُ حقِّ الوعدِ وَ العهد و الكرم و الجزاۤء او كطالبِ ذلك لانّ الوعد و العهد و الكرم و الجزاۤء انّما وجبَتْ له وجوب تفضّلٍ و رحمة و كرم لا وجوب استحقاقٍ و ان سمّاه بذلك كرماً في كرم فقال تعالي جزاۤءً بما كانوا يعملون فانما هو كما في الدعاۤء بعد ركوع الوتر و جعل ما امتَنَّ به علي عباده كفاۤءً لتأديةِ حَقِّه۪ و علي الاستعطاف فهو سؤال معنويٌّ ثانٍ و قوله اني لكم مطيع اذا صدر عن غير المعصوم فلا بدّ من صرفه عن الحقيقة امّا بان يراد من الطاعة العزم عليها او التندّم علي ما فاته منها او التشوّق اليها و رؤية انّها اُمنِيّة المتمنّي لو ساعَدَ الحظّ او يراد بها بعضها كما اشار اليه سبحانه و تعالي بقوله فمن يعمل من الصالحات و هو مؤمن فلا كفران لسعيه و انّا له كاتبون او المحبّة بالفؤاد و القلب و الخيال و اللسان او الولاية لهم او البراۤءة من اعداۤئهم بالفؤاد و القلب و الخيال و اللسان او الاعتراف عند نفسه بالتقصير في طاعتهم او الاعتراف بالفؤاد و القلب و الخيال و اللسان بان الحق لهم و معهم و فيهم و بهم الي غير ذلك ممّا قد يسمّي طاعةً معتبرة لعدم وجود منافٍ اقوي كما في المنافقين فانّهم يتلفّظون بالشّهادتين بالسنتهم و قلوبهم منكرة و هم مستكبرون لانّ الانكار القلبي اَقْوَي من الاقرار اللفظي فانَّ طاعة المنافقين و ان كانت تسمّي ايماناً كما يدلّ عليه قوله تعالي يا ايّها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لاتفعلون كبر مقتاً عند اللّهِ اَنْ تقولوا ما لاتفعلون و ذلك لان اللفظ ايمان و ان خالفه القلبُ كما قال تعالي و لذا قالَ كبر مقتاً عند اللّه ان تقولوا ما لاتفعلون و يسمّي عملاً ايضاً و هو قول الصّادق عليه السلام كما في الكافي بسنده الي جميل بن درّاج قال سألتُ اباعبداللّه عليه السلام عن الايمان فقال شهادة ان لا اله الا اللّه و انّ محمّداً رسول اللّه قال قلتُ اليس هذا عمل ( عملا ظ ) قال بلي قلتُ فالعمل من الايمان قال لايثبت له الايمانُ الّا بالعمل و العمل منه ه‍ ، الّا انّها لمّا كان القلب مخالفاً لما يقول و لما يعمل لم‌يعتبر ذلك الايمان و لا تلك الطاعة لقوّة المنافي لهما و هو الانكار القلبي لانّهما لم‌يقعا منه علي الوجه المأمور به و لا المسكوت عنه و لا المباح له بل وقعا علي الوجه المنهي عنه فاذا فعل ذلكَ قيل له كذبتَ مثل ما كذّب اللّه سبحانه المنافقين في شهادتهم بان محمداً رسول اللّه مع انّهم يعلمون ذلك و يصدّقونه صلي اللّه عليه و آله فيما ادّعاه من النبوّة و الّا لكانوا معذورين اذ ليس علي العباد ان يعلموا حتّي يعلّمهم اللّه و النّاس في سعةٍ ما لم‌يعلموا و لهذا قال تعالي و جحدوا بها و استيقنتها انفسهم ظلماً و علوّاً و قال تعالي فانّهم لايُكذِّبونكَ و لكنّ الظالمين بٰاياتِ اللّهِ يجحدون و مع هذا كذّبهم فقال و اللّه يشهد ان المنافقين لكاذِبُون لانّ العلم و المعرفة و الاستيقان و العمل بغير الباعث القلبي علي ما يفعله للحق الواقع و الاخلاص للّهِ لايسمّي ايماناً نافعاً و لا طاعةً معتدّاً بها و امّا اذا كان الباعث علي مقتضي العلم و المعرفة و الاستيقان ذاتيّاً من القَلْبِ فلا بُدّ ان يقع من اللسان و الاركان شئ من اعمالهما ما يكون مُصدِّقاً لهما وَ لباعِثهما فاذا وقع تحقّقت الطاعة و كان ما وقع من المعاصي منه غير منافٍ لتلك الطاعة لانّ الباعث الذاتي لايرد من مقام واحدٍ متغايراً فان وقعت طاعة من الفؤاد قبلت و اعتدّ بها و كانت موجبةً لقبول الاعمال و غفران الذنوب و لدخول الجنّة كما قال تعالي فمن يعمل من الصالحات اي بعض الصالحات و هو مؤمن فلا كفران لسعيه و انّا له كاتبون لان الفؤاد اعلي مشاعر الانسان و اقربها الي اللّه تعالي و اوّل ما خلقه اللّه من الانسان و هو حقيقته من ربّه و هو المعبّر عنه بالوجود و بالنور الذي خلق منه و بنور اللّهِ الذي ينظر به المؤمن و يتفرّس به و اذا صدرت عنه طاعة لم‌يتوسط بينها و بين الفؤاد باعث منافٍ لانها انما صدرت عن العقل من الفؤاد و العقل متوسط موافق و داعٍ معينٌ لمراد الفؤاد و اذا صدرت عنه قبلت و اذا قبلت دخل الجنّة و ان وقعت منه معاصٍ فَبواعثُها من دون ذلك فهي لاتحبط ما فوقها و ما لاتصل الي رتبتها و مقامها و في الكافي و التهذيب و الفقيه عن ابي‌عبداللّه عليه السلام قال من قبل اللّه منه صلوة واحدة لم‌يعذّبه و من قبل منه حسنةً لم‌يعذّبه ه‍ ، و هو صريح فيما ذكرنا عند من له قلب فالقبول علامة الذّاتية و لو كان المنافي ذاتياً لم‌يقبل منه صلوة و لا حسنة و الدليل علي هذا ما ثبت ان مَن قبل اللّه منه صلوة لم‌يعذّبه كما تقدم في هذا الحديث المذكور في الكتب و قد تلقّته العلماۤء بالقبول لم‌يتوقّف فيه من عرفه و ما ثبت انّ السّرّ في صلوة الجماعة انها بحكم بيع الصفقة فاذا قبلت صلوة واحد من الجماعة قبلت صلاتهم جميعاً لان اللّه تعالي اكرم من ان يأمر العبد بعملٍ و يأتي به كما امره و لم‌يقبله فاذا قبلَهُ في الجماعة قبل مَن معه فان اللّه تعالي اكرم من ان ينهانا عن تبعيض الصفقة وَ يبعّض هو فكما امرنا عند وجود العيب في بعض المبيعات المتعدّدة صفقةً امّا بقبول الجميع او ردّ الجميع فهو اولي بالجميل فمن قبل صلاته في الجماعة لم‌يجز في كرمه ان يقبلها و يردّ الباقي لانه تبعيض للصفقة التي امرنا بها و قد علم من ضرورة مذهب المسلمين انّ رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله ممّن اتي بما امره اللّه به كما امره و انه قد قبل صلاته كل مرّة لايشكّ فيه الّا كافر و كان المنافقون داۤئماً يصلّون معه فيلزم من هذا انّ صلاتهم مقبولة و قد ثبت انّ من قبلت منه صلوة لم‌يعذّبه اللّه مع انه تعالي قال ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار لان المنافي للقبول ذاتي يعني انّه صادر عن ماهيّتِه۪ فلايكون ما فعله عملاً ليدخل في الصفقة بل هو ليس شيئاً لعدميّة اصله كما قال تعالي و مثل كلمة خبيثةٍ كشجرةٍ خَبيثةٍ اجْتُثَّتْ من فوق الارض ما لها من قرار فقوله اجتثّت اشارة الي عدميّة اصلها فان اصلها الماهيّة الّتي ماشمّت راۤئحة الوجود الّا بالعرض و معني هذا علي المذهب الحق انّ الماهيّة و ان كانت موجودة في الخارج الّا انّها وجدت بايجادٍ عرضي اي انها لمّا كان الوجود يحتاج في تقوّمه في الظهور اليها وجدت لاجل تقوّمه لا لنفسها اذ لا خير فيها لنفسها فهي موجودة بالعرض اي لاجلِ الوجود اذ لولا منفعته لم‌توجد هذا هو المراد بالايجاد العرضي و وُجدت من نفس الوجود من حيث نفسه لانّها انفعاله و هذا هو المراد من عدمية اصلها وجدتها و قومها يسجدون للشمس من دون اللّه لانّها لاترجع الي الوجود من حيث ربّه فهي شجرة مجتثّة اي مجتثة الاصل ما لها من قرارٍ و لهذا كان ما صدر عنها من الاعمال ليس شيئاً بمعني الثبات قال اللّه تعالي و الذين كفروا بربّهم اعمالهم كسرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظمأٰن ماۤء حتّي اذا جاۤءه لم‌يجده شيئاً و ان كان شيئاً في نفسه غير ثابت الاصل لأنّ السراب في نفسه شئ و لكن كونه ماۤء يروي الظمأٰن ليس شيئاً قال تعالي و وجد اللّهَ عنده لانه في نفسه شئ فوفّاه حسابه كما ان الظمأٰن يحسَبُ السَّراب ماۤءً حتّي اذا جاۤءَهُ لم‌يجده شيئاً ممّا حَسِبَهُ و وَجَد اللّهَ عند السّراب فوفّاه حسابه من مقتضي السّراب و هو اَنَّهُ يُم۪يتُه ظَمَأً فقَوْلُهُ عليه السلام فانّي لكم مطيع لا بدّ ان تكون هذه الطاعة المشار اليها صادرة عن احد هذه الامور التّسعة و عن ما اشبَهها لانّ ذلك هو الّذي يصدر عن الفؤاد و لا رَيْبَ اَنَّ شيئاً منها معتبرٌ فيلحظ فيه احد الوجهين التّعليل او الاسْتعطاف .
قال عليه السلام : اللّٰهُمَّ انّ۪ي لَوْ وَجدْتُ شُفَعاۤء اَقْربَ اليك من محمّدٍ وَ اَهْل بيته الاَخْيار الائمة الابرار لجَعَلْتهم شفعاۤئي
يقول اللهمّ انّك خَلقتَني و ابْتدأتَن۪ي بِنِعمِكَ و اوّل نعمك عليّ و اجلُّها و اَشْرَفُها ما عرّفتَني من نَفْسِك و مِنْ رَسُولِك و اولياۤئك و وفّقتَن۪ي لطاعَتِك و طاعة رسولك و اَوْلياۤئِكَ و عرّفتَني مقامَهُمْ منك حتّي جعلتهم ظاهرك في عبادك و مقاماتك التي لا تعطيل لها في كلّ مكان و معانيك و اركاناً لتوحيدِك و آياتِك و بُيوتَك و ابوابك و حججك علي خلقك و اخذتَ لهم الميثاق علي من خلقتَ و قَرنْتَ طاعتهم بطاعتِك و لم‌تقبل الاعمال الّا بولايتهم و محبّتهم و طاعتهم فلمّا اوجدتَني ذلك وجَدْتُ بايجادك ايّايَ ذلك انّه لايكون شفعاۤء اقربَ اليكَ من محمد و اهل بيته الاخيار الّذين هم العامِلُونَ بالخيرات و افعالهم و اقوالهم و اعمالهم و علومهم و فروعهم الخيرات و هم الّذين يُسارعون في الخيرات و هم لها سَابقون و الاخيار جمع خيّر بالتشديد فاعل الخير و بالتخفيف الفاضل في الخير كالعلم و العمل و الاخيار ضدّ الاشرار جمع شرير فاعل الشرّ و جمع شرّ و هو البالغ في الشرّ فهم عليهم السلام الاخيار قال تعالي انّ الّذين آمنوا و عملوا الصّالحات اولۤئِك هم خير البريّة جزاۤؤهم عند ربهم جنّاتُ عدنٍ تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ابداً رضي اللّه عنهم و رضوا عنه ذلك لمن خشي ربّه و اعداۤؤهم الاشرار قال تعالي انّ الّذين كفروا من اهل الكتاب و المشركين في نار جهنّم خالدين فيها اولۤئك هم شرّ البريّة ، و الائمة جمع امام و هو من يؤتمّ به و تقدّم الكلام فيه الابرار جمع بَرّ بفتح الباۤءِ اي الصّادق او الذي عادته الاحسان او الولي للّٰهِ تعالي فالابرار علي الاوّل الصادقون مع اللّه تعالي في جميع المواطن فانّ اللّه سبحانه منذ خلق انوارهم قبل الخلق بالفِ‌الفِ دهرٍ الَي اَنْ قبضهم اليه مكرّمين لم‌يفقدهم حيث امرهم اوْ احَبَّ و لم‌يجدهم حيث نَهاهُمْ اَوْ كَرِهَ ، وَ عَلَي الثاني هم الّذين استقرّت حقاۤيقهم علي وجهٍ واحدٍ و هو وجه افئدتهم و قلوبهم فلا اعتبار لهم في شئ من احوالهم الّا من جهة افئدتهم في ما يتعلق بالمعارف او من جهة قلوبهم في العلوم و الاقوال و الاعمال او من نفوسهم المطمئنّة فيما يتعلّق و يرتبط بالابدان من المأٰكل و المشارب و المناكح و غير ذلك بتعليم عقولهم او نفوسهم الراضية فيما يناط بالعبوديّة او نفوسهم المرضيّة فيما يناط بالولاية و النّيابة او نفوسهم الكاملة فيما يناط بالقطبيّة الكليّة و العقل وسط الكل في هذه النفوس فلمّا استقامت حقاۤئقهم علي هذه الاحوال المرضيّة و طباۤئعهم التي عادتُها و مقتضاها الجميل و الاحسان ضعُفت الجهة المخالفة فيهم للاعمال المرضيّة لعدم التفاتهم اليها بحالٍ و اضمحلّت حتّي لم‌يبق منها الّا ما يتحقّق به كونهم و اختيارهم صلّي اللّه عليهم فلذا كانت عادتهم الاحسان كما تقدّم في هذه الزيارة الشريفة ، و علي الثالث هم الذين ذكرهم سبحانه في مفهوم قوله تعالي و لم‌يكن له وليّ من الذّلّ اي لم‌يكن له عين ناظرة في عباده و عضدٌ لخلقه و لسان يخاطبهم به و اذن واعية لنجواه و نجويهم و ترجمان يعبّر عن وحيه من عجزٍ او جهل او عدم احاطةٍ او حاجةٍ او لغوبٍ في صنعٍ و غير ذلك بل جعل له ذلك من عزٍّ و تكرّمٍ و عدم استطاعة تلقّي احدٍ منه تعالي غيرهم كما يتكرّم الملِك عن سياسةِ خيله و كنس بيته و طبخ طعامه و غير ذلك من خدمة بيته و مملكته مع قدرته علي مباشرة هذه و لٰكنه يتكرّم عن ذلك و للّهِ المثل الاعلي فهم اولياۤؤه علي خلقه تكرّماً لذاته و لطفاً بضعفاۤء خلقه فلمّا اوجدتَني يا الهي ما انعمتَ به عَليَّ من معرفة مقامهم عندك و مكانهم منك لم‌اجِدْ شُفعاۤء اقْرَبَ اليهم منك فاستشفَعْتُ بهم اليك و قد اخبرتني انا و جميع خلقك علي اَلْسُنِ انبياۤئك و رسلك و اولياۤئك و دُعَاتِك بانه ليس احد من خلقِك اقربَ اليك منهم و انّك لاتردّ ساۤئلاً سألك بهم و لا مستشفِعاً استشفعَ اليك بهم علي ما هو عليه و قد دعوتَ عبادَك الذين عصوك و خالفوا امرك و نهيك و استوجبوا غضبك و سخطك ان يلجأوا اليهم و يعوّلوا عليهم فانّهم عليهم السلام يجيرون عليك باذنك عن غضَبك و سخطك و دعوتهم اليهم و اخبرتهم بانهم عليهم السلام ابواب رحمتِك و رضاك فمَن رجاهم و لجأ اليهم دخل في رحمتك و رضاك و انْ كان عاصياً لامرك و نهيك و قد تقدّم كثير من الاحاديث الداۤلّة علي هذه الامور و المعاني المذكورة ،
و ممّا يدلّ من احاديثهم علي انه تعالي جعلهم ظاهره في خلقه ما رواه محمدباقر المجلسي بالوجادة و هو مذكور في كتاب انيس‌السمراۤء و سمير الجلساۤء في حديث جابر بن يزيد الجعفي عن علي بن الحسين عليه السلام في حديث الخيط الاصفر و هو طويل الي ان قال يا جابر اثبات التوحيد و معرفة المعاني امّا اثبات التوحيد فمعرفة اللّه القديم الغاية الذي لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير و هو غيبٌ باطنٌ كما سنذكره كما وصف به نفسه و امّا المعاني فنحنُ معانيه و ظاهره فيكم اخترعَنا من نور ذاته و فَوّضَ الينا اُمورَ عبادِه۪ الحديث ، و ممّا يدلّ علي كونهم مقاماته تعالي التي لا تعطيل لها في كل مكان و اركاناً لتوحيده و آياته ما تقدَّم في دعاۤء شهر رجب الذي ذكرناه مراراً كثيرة من قول الحجة عليه السلام فجعلتهم معادنَ لكلماتك و اركاناً لتوحيدِك و آياتك و مقاماتِك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها مَنْ عَرفك لا فرق بينَك و بينها الّا انّهم عبادُك و خلقك الدعاء ، و علي انّهم مَعانيه و بيوته و ابوابه و حججه علي خلقه فقد تقدّم فيما ذكرنا من الاخبار فراجع ان احتجتَ الي ذلك و علي انه تعالي اخذ الميثاق لهم من جميع خلقه ما في مختصر بصاۤئر سعد الاشعري للحسن بن سليمن رواه من كتاب المعراج عن الصدوق باسناده الي موسي بن جعفر عن ابيه عن جده عليهم السلام قال لمّا عرج بالنبيّ صلي اللّه عليه و آله الي السماۤء قال العزيز عز و جل آمن الرسول بما انزل اليه من ربّه قال قلتُ و المؤمنون قال صدقتَ يا محمد مَن خَلّفْتَ لِاُمَّتِكَ و هو اَعْلم قُلْتُ خيرَها لاهلِها قال صدقتَ يا محمّد انّي اطّلعْتُ الي الارض اطّلاعةً فاخترتُكَ منها ثم شققتُ لك اسماً من اسماۤئي فلااُذكر في موضع الّا ذُكِرْتَ فانا المحمود و انت محمد ثم اطّلعتُ اليها اطِّلاعةً اُخري فاخترتُ منها عليّاً فجعلتُه وصيّكَ فانت سيّد الانبياۤء و عليٌّ سيد الاوصياۤء انّي خلقتُك و خلقتُ علياً و فاطمة و الحسن و الحسين من شبح نورٍ ثم عرضتُ ولايتهم علي الملاۤئكة و ساۤئر خلقي و هم ارواحٌ فمَن قَبِلَها كان عندي من المقرّبين و مَن جحدَها كان عندي من الكافرين يا محمّد و عزّتي و جلالي لو انَّ عبداً عبدني حتّي ينقطع له و يصير كالشنّ البالي ثم اتاني جاحداً لولايتهم لم‌ادخله جنّت۪ي و لم‌اُظَلِّلْه تحت عرشي ه‍ .
قال عليه السلام : فبحقّهم الذي اوجبتَ لهم عليك اسألُك ان تدخلني في جملة العارفين بهم و بحقّهم و في زمرة المرحومين بشفاعتهم انّك ارحم الراحمين و صلي اللّٰهُ علي محمّد و آله الطاهرين و سلّم كثيراً و حسبنا اللّٰه و نعم الوكيل
اقول اقسم علي اللّهِ تعالي بحقّهم كما اقسم عليهم بحَقِّه۪ تعالي اَوّلاً و قدّم القَسم عليهم بحقّه تعالي لسبق حقّه و اصالته و ذاتيّته و اخّر القسم عليه بحقِّهم لتفرّعه عَلي حقّه تعالي و لانّه حقهم تفَضُّلٌ منه تعالي عليهم و مِنّةٌ و لذا قَيَّدهُ باَنّه اوْجَبهُ عَلي نفسِه۪ لا اَنَّهُ وَاجب عليه بالذات اِذْ لايَجب عليه بالذّاتِ شئ و قد تقدّم في بَيانِ الحقّ انّ مِن اعظمِ حقّه عليهم انه تعالي خلقهم له و اصْطَنَعَهُمْ لِنَفْسِه۪ وَ اِنَّ مِن اعظمِ حقّهم عليه تعالي انّهم قاموا بما اراد منهم من خلقه لهم كما اراد و هو من حقّه عليهم لانّه منْ عَظاۤئِم النِّعَمِ عليهم فاردفَ هذه النعمة بالمؤكّدِ لها باَنْ اَوْجب علي نفسِه۪ ذلك و هو نعْمةٌ بَعْدَ اُخْرَي فهذا الايجاب و التوفيق للقِيٰامِ بِمَا اَرادَ منْهُمْ هو اعظم حقّهم عليه تعالي و قوله عليه السلام اَسْألُكَ اسْتِشْفَاعٌ بِالْحَقِّ المُقْسَمِ به لاَنَّهُ دُعَاۤءٌ بشف۪يعٍ اخبر سبحانه اَنّه لايَرُدُّ مَنْ دَعاهُ به و قولُه اَنْ تُدْخِلَن۪ي في جملة العارفين بهم و بحَقِّهم الجملة المذكورة مشتملة علي اشخاصٍ كثيرة من العارفين بهم و بحقهم متفاوتين في مراتب المعرفة بقرينة قوله بان تُدْخِلني المشعِر بانّه لولا الاستشفاع المذكور لما استحق الدخول و بقرينةِ قوله في جملة لان الجملة انّما تُسْتَعْمل فيما يجمع من الاشياۤء الّتي يتسامح في تَماثُلِها و تساو۪يها فهي مشتملةٌ علي ما يصدق عليه اسم العارف حقيقةً اوْ حُكْماً اَوْ شرْعاً اَوْ عُرفاً اَوْ لُغَةً و قوله هٰذَا اَرادَ بِه۪ الاعْتِرافَ بالتَّقْص۪يرِ او القُصور اَوْ عَملاً بيقينِ قُصُورِه۪ و تقصيرِه وَ الشَّكِّ في قصورِ غيرِه۪ وَ تَقْصيرِه و المراد بالعارف العارف بهم بالمعرفة النورانية كما في حديث علي عليه السلام لِسلمنَ و ابي‌ذرٍّ علي ما في انيس السُّمراۤء و هي مراتب متفاوِتَةٌ جدّاً قد اشتمل هذا الشرح علي ما يمكن منها لغير اهل العصمة علي محمد و آله و علي جملتِهم السلام فتدبّر فقد ذكرنا الاشارة الي ذلك في عدّة مواضع منه و اعلاها انهم عليهم السلام العلامات و المقامات التي لا تعطيل لها في كل مكانٍ ثم انّهم مَعَان۪يه تعالي ثم اِنَّهُمْ بُيُوتُهُ وَ خَزاۤئنُه ثم اِنَّهُمْ اَبْوَابُهُ و مَفَاتِحُ الغَيْبِ اَيْ مَفاتِحُ خَزاۤئنِه۪ و غَيْبِه۪ و تفاوتُ مراتب اهلِ كلّ مقامٍ في الاجمال او التَّفْص۪يل في محض الاعتقاد و خصوصه او في العمل بمقتضاهُ باللِّسَانِ او الاركان اَوْ فيهما معاً لايَكاد ينحصر في عددٍ بل هو من مراتب المشكِّكِ و المراد بالعارف بحقّهم حيثُ يُرَادُ مِنْهُ اَوْ يشترط في الاَعْمالِ اَوْ في قَبُولِها العارف بانّهم ائِمّةٌ مُفْتَرضُوا الطّاعة من اللّهِ تعالي و انّهم حججُه علي بريّته و مراتب اهل هذا المقام فيما ذكرنا من التّفصيل و الاجمال و العمل و القول كما مر متفاوتة علي نحو ذلك و قد يكون حقّ يعرفه بالسماع من غير عيانٍ و لا دليلٍ لا في اجمالٍ و لَا تفصيلٍ كما رواه في كتاب الخراۤئج و الجراۤئح و في كتاب الاحتجاج بسنده الي كامل بن ابراهيم المدني عن المهدي عليه السلام من جملة الحَد۪يث اَن قال قاۤئِل لي يا كامل بن ابراهيم فاقشعررتُ من ذلك و اُلْهِمتُ اَن قلتُ لبّيك يا سيّدي فقال جئتَ الي ولي اللّهِ تسْئله هل يدخل الجنّة الّا من عرف معرفتَكَ و قال بموالاتك قلتُ اي واللّهِ قال اِذاً واللّهِ قَلَّ داخِلُهَا واللّهِ لَيدخلها قومٌ يقال لهم الحَقِّيّة قلتُ و مَنْ هُمْ قال قَوْمٌ من حبّهم لعليّ بن ابي‌طالبٍ يحلفون به و لايَدْرُون ما حَقّهُ و فضله ه‍ .
قال شيخنا الشيخ حسين بن محمد بن جعفر الماحوزي اي قوم يعرفون ما يجب عليهم جملةً لا تفصيلاً من معرفة اللّه و رسوله و الائمة عليهم السلام و الاحاديث الداۤلّة علي الاكتفاۤءِ بالمعرفة الاجماليّة كثيرة اورد الكليني جملةً منها فلا بعد في الاكتفاۤء بها و الحكم بما اتّصف بها و لم‌يقم دليل علي اعتبار الدليل التفصيلي فتدبّر انتهي قوله رحمه اللّه و لم‌يقم دليل علي اعتبار الدليل التفصيلي ان اراد علَي الاعتبار في صدق الاسم فكما قال (ره‌) لانه اذا حصلت له المعرفة الاجماليّة و لم‌يُفْتَتن حتّي ماتَ علي ذلك فيرجي له النجاة و ان كان لا بدّ من ان يجدّد له التكليف يوم القيمة الّا انَّ موته علي ذلك بغير افتتانٍ امارةُ النجاة و اللّه سبحانه اعلم و ان اراد علي الاعتبار مطلقاً فالاخبار علي اعتبار الدليل التفصيلي عند ارادة المعرفة الكاملة متظافرة بل فيها ما يدلّ علي عَدَمِ اعْتِبار غير التّفصيلي كما قال الصادق عليه السلام رواه في الكافي عن طلحة بن زيد قال سمعتُ اباعبداللّه عليه السلام يقول العامل علي غير بصيرة كالساۤئر علي غير الطريق لاتزيده سرعة السير من الطريق الّا بعداً و فيه عنه عليه السلام قال قال رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله مَن عمِل علي غير علم كان ما يفسد اكثر مما يصلح و فيه عن الحسن بن الجهم قال قلتُ لابي‌الحسن عليه السلام انّ عندنا قوماً لهم محبّة و ليست لهم تلك العزيمة يقولون بهذا القول فقال ليس اولۤئك ممن عاتبَ اللّهَ انما قال اللّه فاعتبروا يا اولي الابصار ه‍ ، و غير ذلك مما يدلّ علي ان الاجمالي محلّ الشبه و الغلط و الجهل كما وجدنا كثيراً ممّن يقول بالكلام الحق مجملاً فاذا اختبر بالتفصيل قال بخلاف الحق لانّ هذا الاجمال متداولٌ بين المسلمين فيعرفه الجاهل فاذا اختبر بالتفصيل او نطق بمعناه نطق بالكفر و لقد رأيتُ شخصاً ممن هو يقول بهذا المذهب الحقّ يعني يقول بالولاية و البراۤءة و ظاهره الزهد و الصلاح و ملازمة العبادة و قعدت بعد الفراغ من الصلوة اعظ الجماعة و اعلّمهم بَعْض المعارف و كان الرجل بالقرب منّي فاخذتُ اقول بان اللّه تعالي لايشابهُه شئ من خلقه و لا في مكان و لا في جهة و ما اشبه هذا فاعترض ذلك الرجل بالكلام فقلتُ له اسكتْ لاني قلتُ ان تكلّم قال بالكفر فقلتُ اسكت لاتتكلم فلم‌يقدر علي امساكِ نفسه الي ان قال البارحة رايتُ ربّي في المنام و عنده جُرْوَا كلبٍ جبريل و ميكاۤئيل هذا و انا اقول له اسكت اسكت مع انه يقول ان اللّه تعالي ليس كمثله شئ و ليس الملاۤئكة باجرَاۤءِ كلابٍ و لكن يقول ذلك بِلسَانِه۪ فَاِذَا نَطَقَ بمقتضي التفصيل نطق بمثل ما سمعتَ و اصل هذا عدم معرفته بالدليل التفصيلي نعم ممّن لايعرف التفصيلي قد يُعافَي من الفتنة فيكون ناجياً فقول الحجة عليه السلام لكامل بن ابراهيم انما هو في من قال بالاجمال و عافاه اللّه من الفتنة و اكثر اهل الاجمالي بل اكثر اهل التفصيلي يفتنون في دينهم اماسمعت قول اللّه تعالي احسب الناس ان يتركوا اَنْ يقولوا آمنّا و هم لايفتنون و قول اميرالمؤمنين عليه السلام في نهج‌البلاغة لَتُبَلْبَلُنَّ بلبلةً و لتُغَرْبَلُنَّ غَربلةً و لتُسٰاطُنَّ سَوط القِدْرِ حتّي يعودَ اعلاكم اسفلكم و اسفلُكم اعلاكم و ليسبقُنَّ سبّاقُونَ كانوا قَصَّروا و لَيُقَصِّرُنَّ سبّاقون كانوا سَبقوا نعم اذا كان التفصيلي ذَوقيّاً عَيانِيّاً غير مخالفٍ لكلام اهل العصمة عليهم السلام بمعني انّهم يقولون طِبْقَ ما قال هذا المستدلّ ليكونوا عليهم السلام مخبرينَ عن صدقه لا انّه يَصرِف كلامهم عن ظاهره و يدّعي انّ هذا مرادهم فان ذلك ضلال بل شرط صحة قولِ المستدلِّ ان يَحْصُلَ له شاهدانِ بقوله بلا تأويل احدهما كلام المعصوم عليه السلام بظاهره و بباطنه الذي يوافِقُ ظاهره و ثانيهما ان يكون قوله مطابقاً لما عليه ظاهر كلام العوام من المسلمين المؤمنين لا ما يتأوّلونه كما ذكرنا سابقاً فانّهم لايفهمون الّا ما ينافي الحق و لكن ظاهر كلامهم صحيح و مثال ما قلنا ان كلام المعصوم عليه السلام صريح بظاهره و بباطنه انّ اللّه علي كل شئ قدير و كذا كلام العوام بظاهر القول منهم و من الاشياۤء التي هو قادر عليها ان لو شاۤء لهدي الناس جميعاً و القرءان مشحون به و كلامهم عليهم السلام و كلام العوام من شيعتهم بظاهره متطابقةٌ فمن تعمّق في الدليل التفصيلي الذوقي و استخرج من بحر معرفته و لجج غَمْره جواهر علمه مطابقاً لذٰلِكَ فهو حقّ و دليل تفصيليّ صدقٌ و انه لايلزم من ظاهر قولك انّ اللّه سبحانه يعلم كفر ذلك الشخص فلو هداه انقلبَ علمُه جهلاً كما يقوله بعض المتعمّقين او انّ حقاۤئق الاشياۤء ليست مجعولةً و انّما هي صورٌ علميّة و لايمكن تبديلها لاستحالة انقلاب الحقاۤئق و لزوم كون الشئ ليس هو حينئذٍ ايّاه و انّما المتغيّر غير الاوّل و امثال هذه المقالات الفاسدة كما ذهب اليه اشباه الناس كالصوفيّة و من سلك مسلكهم كالملّا محسن فانه في كتابه الوافي في باب الشقاوة و السعادة و غيره احال ان يهدي اللّه سبحانه جميع الخلق لانّهم لم‌يعطوه العلم من انفسهم و العالم علمه مستفاد من المعلوم و ذلك لانّه شحن كتابه من كلام عبدالرزاق الكاشي في شرح الفصوص لمميت‌الدين ابن عربي و يزعم مع هذا انه مذهب الائمة عليهم السلام و الائمة عليهم السلام بُرَاۤء من هذا المذهب كيف و انما يقولون بقول اللّه سبحانه و هو يقول و لو شاۤء اللّه لجمعهم علي الهدي فلاتكوننّ من الجاهلين و انا اقول ممّن عني اللّه سبحانه مميت الدين و عبدالرزاق و اتباعهما فاذا اردتَ ان تعرف صدق كلامي فانظر في الوافي في الموضع المذكور فانّك تجده كما ذكرتُ لك و عبارته بعينها عبارة عبدالرزاق في شرح الفصوص و اسئل جميع عوامّ المسلمين فانهم يتّفقُون علي ان اللّه تعالي قادر علي ان يجمع الخلق علي الهدي و انه لو شاۤء لهدي الناس جميعاً و كلام اهل العصمة عليهم السلام كذلك و امّا كلام الصوفيّة فيقولون ليس للّه ذلك و قولي قبلُ كلام المعصوم بظاهره و بباطنه الذي يوافق ظاهره احتراز عن دعويهم الباطلة فانهم يقولون كلامنا هذا هو مراد الامام عليه السلام و لكن القِشريّين لايفهمونه فهم يؤلّون لكلام الامام عليه السلام معني يخالف ظاهرهُ و يخالف القرءان و يخالف ما اقرّ اللّه و رسوله صلّي اللّه عليه و آله عليه المسلمين و اللّه سبحانه سَيَجْزيهم وصفهم انّهُ حَكيم عليم ،
و قوله عليه السلام : و في زمرة المرحومين بِشفاعَتِهِم
عَطْفٌ علي جملة وَ الزُّمْرة الجماعة منَ الناسِ و المعني اسألك يا مَن فضّلهم و اَذِنَ لَهُم في الشّفاعةِ و مَلّكهم اِيّاها فيمن شاۤؤا بحقّهم الّذ۪ي اوجبتَ لهم عَلَي نَفْسِكَ بان تقبل منهم و لاتردّهم في شئٍ ارادُوا منك ان تدخلني في زمرة المرحومين بِشَفاعَتِهِمْ فانّي تقرّبت اليك بماتقرّبوا به من ولاية اولياۤئِك و محبّتهم وَ البراۤئة من اعداۤئهم و البغض لهم و سألتهم بحقّك ان يكونوا شفعاۤئي عندك في الذّنوب التي بيني و بينك و سألْتُك بحقّهم و ما فعلتُ من الولاية و الحُبِّ وَ من البراۤءة و الاستشفاعُ و القسَمُ عليهم بحقّك و عليك بحقهم هو الموجب لمحبّيهم الرحمة بشفاعتِهم و اَتيتُك من الباب الذي امرتَ ان تُؤْتَي منه فادخلني في زمرة المرحومين بشفاعتهم فاني بنعمتك واحد من جملتهم بحكم ما وعدتَ في كتابك و علي اَلْسِنَةِ اولياۤئِك و انت لاتُخْلِفُ الميعاد و انت ارحم الرّاحمين و انّما قال انّك ارْحَمُ الراحمين تَنْبيهاً علي انَّ ما اَتيْنَا به۪ ممّا تَقربْنَا به۪ لانستوجبُ به منك الادخال في جملة العارفين بهم و في زمرة المرحومين بشفاعتهم استيجاب استحقاقٍ و انّما اَتينا بما تقربنا به استعطافاً بفقرنا و حاجتِنا و ضعفِنا لانّك ارحم الراحمين و انّما قال ارحم الراحمين لانه امرنا بانّ مَنْ اَتي منّا احداً منّا بمثل ما اَتيناه به من التقرّب اليه باحبّ الناسِ اليه و اعزّهم عليه و مَن وعد مَن تقرّب به الاكرام و القبول و الاجابة و بمحبّة مَنْ احبَّ و بغض مَن عاداه و امتثلَ امرَهُ في احب الاشياۤء من اوامره اليه و اجتنبَ ما نهي عنه في ابغض الاشياۤء اليه بان نقبل عذرَهُ و نغفر ذنبه و تقصيره و نقرّبه منّا و نعطفَ عليه و نرحمه و انت اَوْلي بذلك وَ انتَ ارحم الراحمين لانّك ابتدأتَ عبادك برحمتِك و خلقتهم برحمتك و اعظمْتَ عليهم النعمة برحمتك و رزقتهم برحمتك و قد امرتنا بالرحمة و انّما وصل منك الينا من رحمتك فاضل جزءٍ من مائة جزءٍ من رحمتك و انت قد وعدتنا علي لسان نبيّك و السنةِ اولياۤئك صلّي اللّه عليه و عليهم انّك تضمّ ذلك الجزء الذي اوصلتَ الينا فاضلَهُ و اردتَ منا ان نتراحم بذلك الفاضل الذي هو جزء من سبعين جزءاً من ذلك الجزء فتضمّه الي باقي الرحمة المدَّخرة عندك و هو تسعة و تسعون جزءاً فترحم به عبادَك و في تفسير الامام عليه السلام للبسملة في الرحيم قال عليه السلام و امّا قوله الرحيم فانّ اميرالمؤمنين عليه السلام قال رحيم بعباده المؤمنين و من رحمته انه خلق مائةَ رحمةٍ و جعل منها رحمة واحدة في الخلق كلهم فيها يتراحم الناس و ترحم الوالدة ولدها و تحنّ الامّهات من الحيوان علي اولادِها فاذا كان يوم القيمة اضاف هذه الرحمة الواحدة الي تسع و تسعين رحمة فيرحمها امة محمّد صلي اللّه عليه و آله ثمّ يشفّعهم فيمن يحبّون له الشفاعة من اهل الملّة حتي انّ الواحد ليجيۤ‌ء الي مؤمنٍ من الشيعة فيقول له اشفع لي فيقول له اي حقّ لكَ علَيَّ فيقول سقيتُك يوماً ماۤءً فيذكر ذلك فيشفع له فيشفّع فيه و يجيۤ‌ء آخر فيقول انا لي عليك حقّ فيقول ما حقّك فيقول استظللْتَ بِظّلِ جداري ساعةً في يوم حاۤرّ فيشفع له فيشفّع فيه فلايزال يشفع حتّي يشفع في جيرانه و خلطاۤئِه و معارفه و انّ المؤمن اكرم علي اللّه تعالي ممّا يظنّون ه‍ ، و انت ارحم الراحمين لانّك اردتَ من عبادك الرحمة و هم فقراۤء محتاجون و رحمتهم من فاضل جزء من رحمتك و انت الغني المطلق الذي لايحتاج الي شئٍ الكريم الذي لاتزيده كثرة العطاۤء الّا كرماً و جوداً و رحمتك وسعت كلّ شئ فانت اولي بكل جميلٍ ،
و قوله عليه السلام : و صلي اللّٰه علي محمد و آله الطاهرين
قد تقدّم ما يبيّن المعني المراد من الصلوة من اللّهِ تعالي و من الملاۤئكةِ وَ منَ النّاسِ و هذا ان شاۤء اللّه غير خفيّ علي من راجَع ما هنالك فقد ذكرنا انّ الصلوة من الصِّلة و عليه فقد اعطي سبحانه نبيّه و اهل بيته عليه و عليهم السلام ما ارضاه من كلّ خير بمقتضي فضله و كرمه و بمقتضي قوابلهم و استعدادهم صلّي اللّه عليهم و بِدُعَاۤء كلّ مَن لهم عليه شكرُ نعمة الهداية و التعليم و الاعانة و التوفيق لطاعة اللّه تعالي و الايمان و شكر البابيّة الكبري و الوساطة العُظْمي في كلّ ما وصل اليهم من اللّهِ تعالي من احوال الخلق و الرّزق و الحيوة و الممات من النّعم و الامدادات فانها لم‌يصل الي احدٍ من الخلق شئ من اللّهِ الّا بواسطتهم او انّ الصلوة من الوصل و عليه فقد وصل نبيه صلّي اللّه عليه و آله و اهل بيته عليهم السلام بكلِّ خَيْر مطلوبٍ و امرٍ مرغوب اَوْ انّ الصلوة من الوصْلَة اي ما يتوصّل به من الاسباب فان الصلوة هي السَّبَب الموصل الي اللّهِ تعالي فقد انزل الي نبيه و اهل بيته صلّي اللّه عليه و عليهم من اَسْبَابِ القربِ اليه و التكرمة و التشريف و النّيابة و الوسيلة و غير ذلك بمقتضي كرمه و تفضّله و بمقتضي قوابلهم و استعداداتِهمْ عليهم السلام و بدعاۤء من اشرنا اليه من الخلق بجميع جهات طرقهم الي الطاعات ما هم اهله صلي اللّه عليهم اجمعين و روي القمّي في قوله تعالي انّ اللّه و ملاۤئكته يصلّون علي النبي يا ايّها الذين آمنوا صلّوا عليه و سلّموا تسليماً قال صلوة اللّه عليه تزكية له و ثناۤء عليه و صلوة الملاۤئكة مدحهم له و صلوة الناس دعاۤؤهم له و التصديق و الاقرار بفضله و قوله سلّموا تسليماً يعني سلّموا له بالولاية و بما جاۤء به و في ثواب‌الاعمال عن الكاظم عليه السلام انه سُئِلَ ما معني صلوة اللّهِ و صلوة ملاۤئكته و صلوة المؤمن قال (ع‌) صلوة اللّه رحمةٌ من اللّهِ و صلوة الملاۤئكة تزكية منهم له و صلوة المؤمنين دعاۤء منهم له و في المعاني عن الصادق عليه السلام انه سئل عن هذه الٰاية فقال الصلوة من اللّهِ رحمةٌ و من الملاۤئكة تزكيةٌ و من الناس دعاۤء و اما قوله عز و جل و سلّموا تسليماً يعني التسليم فيما ورد عنه قيل فكيف نصلّي علي محمد و آل‌محمد قال تقولون صلواتُ اللّهِ و صلواتُ ملاۤئكته و انبياۤئه وَ رُسله و جميع خلقِه۪ علي محمّد و آل‌محمد و السّلام عليه و عليهم و رحمة اللّه و بركاته قيل فما ثوابُ مَنْ صَلّي علي النبي (ص‌) و آلِه۪ بهذه الصَّلوة قال الخروج من الذنوب واللّهِ كهيئته يوم وَلدَتْه امُّه ه‍ ، و اعْلم اَنّ المعروف بين العلماۤء انّ الصَّلوة من الملاۤئكة اسْتِغْفار و الملاۤئكة يسبّحون اللّه و يستغفرون للمؤمنين كما دلَّتْ عليه آية الذين يحملون العرش و مَنْ حوله يسبّحون بحمد ربّهم و يؤمنون به و يستغفرون للّذين آمنوا ربّنا وسِعتَ كلّ شئٍ رحمةً و علماً فاغفر للذين تابوا و اتّبعوا سبيلك و قهم عذاب الجحيم ربّنا و ادخلهم جنّات عدنٍ التي وعدتهم و من صلح من آباۤئهم و ازواجهم و ذرّيّاتهم انّك انت العزيز الحكيم و قهم السيّئات و مَنْ تق السيّئات يومئذٍ فقد رحمته و ذلك هو الفوز العظيم وَ لَمْ‌يذكر تعالي لَهُمْ حالاً ثالثاً فلَعلَّ استغفارهم له صَلَّي اللّهُ عليه و آله استغفارهم لامّته المؤمنين اوْ انهم صلي اللّه عليهم تحمّلوا ذنوب شيعتهم كان استغفارهم لِاَنْفُسِهم لاجل ما تحمّلوا من الذنوب عن شيعتهم و استغفار الملاۤئكة “٢” لمحمد “٤” صلي اللّه عليه و آله و اهل “٤” بيته عليهم السلام الذي هو صلاتهم “٢-” عليهم “٤-” هو استغفارهم لشيعتهم لانهم اذا استغفروا لشيعتهم سقطت عنهم ذنوبهم كما في العيون عن الرضا عليه السلام في هذه الٰايات قالَ للّذين آمنوا بولايتِنا و في الكافي عن الصادق عليه السلام انّ للّهِ ملاۤئكة يسقطون الذنوب عن ظهور شيعتِنا كما تُسقِط الريح الورق اَوَانَ سقوطه و ذلك قوله تعالي الذين يحملون العرش الٰاية قال استغفارهم واللّهِ لكم دون هذا الخلق ه‍ ، فاذا سقطَتْ عَنْهم ذُنُوبَهُمْ باستغفارِ الملاۤئكة لم‌يَبْقَ شئٌ تتحمّله الائمّة عَنْهُمْ و لعلَّ ما ذكر في الاخبار المتقدّمة من تفسير صلوة الملاۤئكةِ علي النبيّ صلّي اللّه عليه و آله بانّها تزكية له (ص‌) انّ المرادَ بها انّهم اذا استغفروا لشيعته فقد سَلِم صلّي اللّه عليه و آله من تحمُّلِها فقد طهّروه عن الاخلاق الذّميمة الّتي هي المعاصي فمعني انّ صلاتهم عليه تزكية له انّ صلاتهم استغفارهم لَهُ ممَّا لوْلٰا اسْتِغْفَارُهم لَتحَمَّلَ تلك الاخلاق الذميمة التي هي ذنوب الشيعة فكَانَتْ صلاتهم عليه تزكيةً لَهُ صَلَّي اللّٰهُ عليه و آله من تلك الذّنوب ،
بقي شئ هل استغفارهم له بعد ما تَحَمّل من ذنوب شيعتهم اَمْ لشيعتهم لحَطّ ذنوبهم قبل ان يتحمّلها صلّي اللّه عليه و آله احتمالان الاوّل من ظاهر صلاتهم عليه و ان معناها الاستغفار و هو صلي اللّه عليه لا ذنب عليه من نحو نفسه كما تقدم من قول الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالي ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك و ما تأخّر حين سُئل عن هذه الٰاية فقال عليه السلام ما كان له ذنبٌ و لا همَّ بذنبٍ و لكن حمّله اللّه ذنوب شيعته ثم غفرها له ه‍ ، و الثّاني من ظاهر الٰايات السّابقة و يستغفرون للّذين آمنوا فانّه في الحقيقة لاجله و لاجل اهل بيته صلي اللّه عليه و آله فالاستغفارُ لهم وَ اِنْ وقعَ ظاهِراً لشيعتِهِمْ و لهذا قال العلماۤء انّ الصلوة من الملاۤئكة الاستغفار مع ان الائمة عليهم السلام قالوا ان استغفارهم تزكية له و التّزكية لغةً التطهير من الاخلاق الذميمة فلايحصل علي ما بَيَّنَّا تَنَافٍ ان شاۤء اللّه تعالي ،
و اعلم ان العلماۤء اختلفوا في وجوب الصلوة عليه عند ذكره علي اقوال ليس هنا محل بيانها و ان كان الصحيح عندي الوجوب ليس علي الفور المطلق و لا علي التراخي المطلق جمعاً بين ما دلّ علي الفور و علي النهي عن التراخي و بين ما دلّ علي الفصْل كما هو مذكور في الادعية المرويّة عنهم عليهم السلام من الفصل بين ذكره و بين الصلوة عليه بدعاۤء قدر السطرين اَو الثلاثة او الاَرْبعة و المعروف من كَلَام الاصحاب انّ الصلوة لاتجب علي احدٍ غيره من الانبياۤء وَ الرُسُلِ وَ لَا من اهل بيته الّا انه قد ورد عنه صلي اللّه عليه و آله النهي عن الصلوة البُتَيْراۤءِ و هي ان يُصَلّي عليه و لايُصَلّي علي آله معه و المعروف من المذهب حمل هذا النهي علي الكراهة وَ ان ادخالهم في الصلوة عليه مستحَبٌّ و الّذي اَفْهَمُ انّ النهي علي حقيقةِ التحريم و ان المنهيّ بذلك النهي هم اعداۤؤهم و اتباعهم الّذين لايصلّون علي اهلِ بيته فلا اقلّ انهم تركوا ما ندبَ اللّه اليه و حرّموه او كرّهوه فيكون النّهي عَلَي حقيقته في حقّهم مع انّ اللّه سبحانه الحقَ اهل بيته به۪ كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام فيما تقدّمَ من خطبته قال فَعلّاهم بتعليته و سَما بهم الي رتبته و في تفسير فرات بن ابراهيم بسنده الي جعفر بن محمد عليه السلام مُعَنعناً عن الحسن بن علي عليهما السلام في حديث طويل الي ان قال و فَضّلَ الصلوة في مسجد النبي (ص‌) بالف صلوة علي ساۤئر المساجِد الّا المسجد الذي بناه ابراهيم النبي بمكّة لمكان رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و فضله و علّم رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله فقال قولوا اللّهم صلّ علي محمّد و آل‌محمّد كما صلّيتَ علي ابراهيم و آل ابراهيم انّك حميد مجيد فَحقُّنا علي كلّ مسلمٍ اَنْ يُصَلّي علينا مع الصلوة عليه فريضةً واجبةً من اللّه الحديث ، فيحتمل ان يكونَ المراد بالفريضة الواجبة النَّدْب للتأكيدِ اَو الوجوب علي المنكرين او المكرّهين كاهل الخلاف بقرينة قوله علي كلّ مسلمٍ و اعلم انك اذا قلتَ صلّي اللّه عليه و آله فانّ اهل العربيّة ينصبون الٰال لانّ العطف علي الضمير بدون اعادة الجار قبيح بل ربّما منعه بعضهم و الاكثر علي جواز الجر و قد قرئ و اتّقوا اللّهَ الذي تساۤءلون به و الارحامِ بجرّ الارحام هذا ما يعرفونه اهل اللغة و امّا الموجود في كتب الادعية المرويّة عنهم عليهم السلام المصحّحة المعربة فكلّها بجَرّ آلِه۪ لايكاد يوجد في جميع اَحاديثهم و ادعيتهم موضع بالنّصب بحسب ما ورد عنهم الّا ما كان في بعضها يوضع الفتح بالاحمر و هو من اعْرابِ الرواة و النّقلة الْتِفَاتاً الي اصل العربيّة و لقد رأيتُ مساۤئل للشيخ ناصر الجبيلي الاحساۤئي سَألَ بها الشيخ حسين بن الشيخ محمد بن جعفر الماحوزي رحمهما اللّه و كان مِن مساۤئله هذه المسئلة فاجاب الشيخ حسين المذكور بما معناه انّ الاكثر في ادعيتهم الجر و في كثير منها بالفتح و ذكر اصل القاعدة و هو رحمه اللّه نظر في جوابه الي ما قرّروه في النحو و الّا فالوارد عنهم عليهم السلام كلّه بالجرّ نعم ربّما كتَب بعض النُّسَاخ الفتح نظراً الي اللغة و انه ارجح من الجرّ فيكتب نسخةً بالفتح و هذا و ان كان مرجوحاً بالنسبة الي المشهور عند النحويّين الّا انّه لغة صحيحةٌ و كانت اللّغة تتبدّل و تتعدّد باختلاف القرون فربّما يشتهِرُ بعض الالفاظ او الاعراب في هذا القرن و تنعكس الشهرة في القرن الذي يكون بعده و يسمّون المشتهر الاوّل شاۤذّاً نادراً و ليس الّا لقلّةِ استعماله في زمانهم و لهذا كان القرءان الذي نزل علي اعلي درجات الفصاحة و البلاغة مشتملاً علي اللغات الشاۤذّة و ليست شاۤذة و انّما كان استعمالها في زمن نزول القرءان قليلاً فكانت بقلّة استعمالها كما في كُبّاراً و انَّ هذانِ لساحرانِ و الاصل ان القرءان محيط باللغات في جميع القرون فاذا اتي قرن لايعرف لغة ما قبله او كانت قليلة الاستعمال كانت عنده شاۤذةً او نادرةً و ما نحنُ فيه الذي يقتضيه اللغة الصحيّحة الاصلية هو الجر في لفظة و آله خاۤصّة و ان الفتح مرجوح او لاينبغي و ان كان في تساۤءلون به و الارحام جاۤئز الفتح او راجحَهُ و الفرق بينهما من جهة المعني فانّك اذا قرأتَ في صلّي اللّه عليه و آله بالجر كانت الصلوة عليهم معطوفةً علي الصلوة عليه فهي تابعة و لاحقة و متأخّرةً عن الصلوة عليه رتبةً و لفظاً و هذا هو المناسب للترتيب الطبيعي و الوجودي فان اللّه تعالي خلقه صلي اللّه عليه و آله قبلهم و خلقهم من نوره و صلّي عليه قبلهم و صلّي عليهم بعده فعلي الجرّ يتّسق الترتيب الوجودي و الطبيعي مع اللفظي و اذا قرأتَ بالفتح كان امّا علي المعيّة او عطْفاً علي المحلِّ و في الاول يلزم ظاهراً انّ صلوة اللّه عليه و عليهم في الافاضة سواۤء و يلزم من هذا امّا التساوي في الوجود ان لَاحَظْنا الترتيب الطبيعي و امّا مخالفة الترتيب الطبيعي ان قدّرنا سبقه علي وجودهم و في الثاني يكون المراد ان الضمير المجرور منصوب المحل بمعني انه منصوب فيكون العامل قَدْ توجَّه اليه في المعني بدون واسطة الجار فيكون الصلوة واقعة عليه بغير فاصل فاذا قرأتَ بالنصب كان المعطوف مشاركاً له في عدم الفَاصل و يلزم التّساوي في الوجود او في الصلوة فعلي التساوي في الوجود يلزم خلاف الواقع و علي التساوي في الصلوة يلزم خُلوُّ السّابِق عن صلة المتفَضّل عز و جلّ الي ان وُجِد اللّاحق و يلزم من هذا افضليّة اللاحق و هو مُنَافٍ للحكمة و ان قلتَ انّه معطوف علي المحل و لايلزم التساوي في الوجود و لا في الصّلوة لتأخّره لفظاً قُلتُ انما يتوجّه هذا اذا كان المعطوف مجروراً ليكون عطفاً علي لفظ الضمير الذي دخل عليه الجار و امّا اذا قدّرتَ العطف علي المحل فلايتّجه ذلك لان الالفاظ قوالبُ المعاني و الارادة لاتُفْرِغُ المعاني عن قَوالبِها فالذي ينبغي ان يقرأ بالجرّ لينتظم اللفظ علي ترتيب الوجود و الطبيعة و علي هذا كان صلي اللّه عليه و آله اوّل مخلوق فكان نورهُ يطوف حول القدرة ثمانين‌الف سنة و صلوة اللّه عليه واصبة داۤئمة ثم نزل الي العظمة فخلق اللّه من نوره نورَ علي بن ابي‌طالب عليه السلام كايجاد السراج من السراج فكان نور عليٍّ يطوف بالقدرة و نور محمد يطوف بالعظمة صلي اللّه عليهما و آلهما الطاهرين و قوله عليه السلام و آله الطّاهِر۪ين قد تقدّم الكلام فيه في معني الٰال و معني طَهارَتِهِم فرَاجِعْ ،
و قوله عليه السلام : وَ سَلّم كثيراً
هو عطفٌ عَلَي و صَلّي اللّهُ و هو فعل ماضٍ مِثْلُهُ قُصِدَ به الدُّعَاۤء مثله و لُوحِظَ فيه اعتبارانِ احدهما انه اقتُبِسَ من القُرْءانِ لِارادةِ ما تَضَمَّنَهُ في قوله تعالي و سلِّموا تَسْل۪يماً تلويحاً و ان كان بعيداً بالنظر الي ظاهر العربيّة فانّ معني التسليم في الٰاية في الظاهر كما هو في هذا الكلام فتقول صلي اللّهُ عليه و آله و سَلّم و اللهم صلّ علي محمد و آلهِ و سَلِّم بكسر لام و سلِّم بصيغة الامر للدعاۤء و بالتّسليم عليه بمعني اللهم احفظه و آلَه من كل ما لاتحبّ في الدّنيا و بصيغة الماضي صلي عليه بمعني رحمه و سلّم عليه بمعني حفِظه لان التسليم من قولك السلام عليه و السلام اسم للّه تعالي بمعني الحافظ و تقدّمَتْ له معانٍ في اوّل الشرح و في الٰاية معني سلّموا تسليماً امْرٌ للمكلّفين بان يقولوا السلامُ عليه علي الظّاهر و معناهُ في التأويل و سلِّموا فيما ورد عنه صلي اللّه عليه و آله كما تقدّم في حديث المعاني و في المحاسن عن الصادق عليه السلام انه سُئِل عن هذه الٰاية فقال اثنُوا عليه و سلّموا له و معناه في الباطن كما في تفسير علي بن ابراهيم و قوله و سلِّموا تسليماً يعني سلِّموا له بالولاية و بما جاۤء به و في الاحتجاج عن اميرالمؤمنين عليه السلام لهذه الٰاية ظاهر و باطن فالظاهر قوله تعالي صلّوا عليه و الباطن سلّموا تسل۪يماً اي سلِّموا لمن وَصّاهُ و استخلفه عليكم فضله و ما عَهِدَ به اليه تسليماً قال هذا مما اَخْبرتُكَ انه لايعلم تأويله الّا من لَطُفَ حِسُّه و صفا ذِهْنُه و صحّ تمييزه ه‍ ، و لو خلص لفظ سلِّموا تسليماً في الدلالة علي معني سلّموا الامر لمن نصبه يوم الغدير لاسقطه اعداۤؤهم كما اسقطوا نظاۤئره من جميع القرءان لكنه لمّا كان ظاهره و المتبادر منه ان يقولوا السلام عليه او سلّموا له علي ارادة العموم ابقوه و لم‌يحذفوه لعدم منافاة ظاهره لغرضِهمْ مع انهم يعرفون باطنه و لٰكنّ اللّه تعالي القي في نفوسهم انّ العوام و ساۤئر الناس الذين يستجلبون قلوبهم لايفهمونه فلايفوتُ غَرضهُم و لو حدَّثَتْهُم انفسُهمْ باسقاطه كراهة ان يعثر احدٌ علَي المنافي لغرضهم القي سبحانه في نفوسهم انّ الاكثار من الاسقاطِ ربّما يكون منافياً لان ساۤئر الناس قد يتنفّرون و يتوحّشون من كثرة التغيير فيقتصرون علي اقلّ ما يندفع به المنافي و كلّ ذلك رعاية منه تعالي لاعلاۤءِ كلمته و اتمام نوره و الي فعله بهم و بما شاۤء من تدبير النظام بحكمته الاشارة بقوله تعالي و الذين كذّبوا بٰاياتِنا سنستدرجهم من حيث لايعلمون لانّه تعالي قالَ و تحسبهم ايقاظاً و هم رقود و نقلّبهم ذات اليمين و ذات الشمال و كان تعالي قَدْ دَخَل المدينةَ عَلَي حينِ غَفْلةٍ من اهلِها فافهم الاشارة فلاحظوا عليهم السلام في ذكر التسليم المعطوف علي الصلوة عليه صلي اللّه عليه و آله ما ذكر في الٰاية و ما نبَّهْنا عليه سابقاً في اوّل الشرح في بيان السلام عليكم يا اهل بيت النبوّة و كلّ هذا فيما لحظوا علي الاوّل و ثانيهما انّ سادة اَعْدَاۤئهم و كبراۤءهم عرفوا باطن و سلموا تَسْليماً و انّه انّما اتي بهذا الكلام للحثّ علي الولاية و ذلك مُنافٍ لغَرَضهِمْ و كَرِهُوا اِسقاطَهُ كراهةَ الاكثار من الاسقاط وَ سَاۤئر النّاس لايعرفُونَ ذلك فقَدْ اَمِنُوا غاۤئلِةَ عواۤم النّاس فصرفوا الافهام عن فهم ما عرفوا من باطنه باِلْقاۤءِ معنيً في ذلِكَ مناسبٍ يصرف افهام العواۤمّ بل غير مَن لَطُفَ حِسُّه و صفا ذهنُه و صحَّ تمييزُهُ عمّا اراد اللّه سبحانه فقالوا يُكره اِفْرادُ الصلوةِ علي محمد (ص‌) عن السلام بل ينبغي اذا قلت اللهم صلِّ علي محمّد تقول و سَلِّمْ و اذا قلتَ صلّي اللّه عليه تقول و سَلَّم فتُقْرِنُ الصلوة عليه بالسلام لانّ اللّه تعالي انزلَ في ذلك قرءاناً للاقتران بينهما فقال يا ايها الذين آمَنُوا صلُّوا عليه وَ سَلِّمُوا تَسْليماً و ذلك تعليمٌ منه تعالي و هداية للمكلّفين وَ لَمْ‌يُريدوا بهذا الكلام الّا صرفَ الاَفْهٰامِ عمّا ارادَ المَلِكُ العَلّام و هذا من قوله تعالي و مَااَرْسَلْنا من قبلِكَ من رسولٍ و لا نبي الّا اذا تمنّي الْقَي الشيطانُ في اُمنيّته يعني في قرَاۤءتِه۪ و لا شكّ عند جميع مَنْ عرَف الحقَّ بتوفيق اللّٰهِ انّ فعلهم هذا مِنْ اِلْقاۤءِ الشَّيْطان فكان النّاس في استعمال الاتيان بالسَّلام بعد الصلوة علي ثلاثة اقسام قسم منهم العارفون فَاِنْ اَتوْا بالسَّلام قصَدُوا ما اَراد اللّٰهُ بذلك من الظاهر بالتسليم عليه بعد الصلوة و الدعاۤء بالحفظ و السلامة له و عليه و بالتّسليم له فيما جاۤء به عن اللّهِ تعالي خصوصاً و عموماً و من الباطن بالتسلِيم لوَليِّ الامرِ مِنَ اللّهِ و الطّاعة له فمعني قوله صلّي اللّه عليه و سلّم اي لوصيّه الامر اي حفظه له و عليه و ادّاه اليه و قصدوا التّقية باَنْ لايفارِقوا الاعداۤء المُتَغلِّبين فيما لهم المناص منه و عدم الضرر عليهم في الاتيان به لا في الدنيا و لا في الدين بل الاتيان به ارجح لانّهم يقصدون به افضل المقاصد و اجلّ المطالب و ان تركوه قصدوا بالترك المخالفة لِاَهْلِ البدَعِ و قسم منهم المعاندون للحقّ و اتباعهم و قد سمعتَ ذِكْرَ اِرادَتهِمْ و قصدِهم الشقاق البعيد و قسم منهم الجاهلون فهم قدْ يذكرون و قد يتركون منهم مَن يتابع اهل ملّته بلا بصيرة و منهم من لايريد المتابعة و انما يفعل بحالِ ما يجري علي خاطره حال الصّلوة و اللّه سبحانه يقول كلّ يعمل علي شاكلته و قوله عليه السلام و سلّم كثيراً علي ما سلكه الاوّلون و يحتمل ان يكون قوله كثيراً مُرجِّحاً لارادة الظاهر و هذا الاحتمال هو الذي افاده لفظ كثيراً و يمكن ان يقال انّه انّما اراد الباطن او المعني الاعم ليدخل الباطن فيه لان الباطن هو الاهم عنده و انّما قال كثيراً تَعْمِيةً لاجل التقيّة و ارادة المعني الاعم ليدخل الكل و الاتيان بقوله كثيراً للتَّقيّ۪ة قريبةٌ و اللّه سبحانه اعلم ،
و قوله عليه السلام : و حَسْبُنا اللّٰه ،
يُرَادُ منه انّه تعالي كافينا فانّه يكفي مَن توكّل عليه و قد توكّلنا عليه فيما سألناه بحقّهم عليهم السلام من ان يُدْخِلَنا في جملة العارفين بحقهم و في زمرة المرحومين بشفاعتهم او في هذا و في سؤالهم صلّي اللّه عليهم اَنْ يشفعوا لنا عند اللّه تعالي في استيهاب ذنوبنا منه عز و جلّ و توكّلنا علي اللّه سبحانه في ان يرزقنا قبولهم عليهم السلام لسُؤَالِنا و الاجابة لدعاۤئنا و الانجاح لطلبتِنَا او في الجميع و في قبول زيارتنا و ما امّلنا منه تعالي ثم منهم من حسن الجزاۤء في الٰاخرة و الدنيا او الاعم مما ذكرنا انقطاعاً و تفويضاً اليه تعالي ليكفينا مؤنة كلّ امرٍ مرهوب و يُن۪يلنا كلّ امرٍ مرغوب و يوصلنا بفضله الي كلّ امرٍ محبوب فانه الكافي لمن توكّل عليه ،
و قوله عليه السلام : و نعم الوكيل
اي نعم المعتمد الذي تُوكَلُ اليه الامور اثني عليه تعالي بما اعتمد فيه عليه و فوّض امره اليه و هو كلّ شئ منه و من غيبه و شهادته و مِنْ اَحْوَاله و اعتقاداته و اقواله و اعماله و جميع مطالبه في الدارين و ما انتظم عليه احوال النشأتين فانه في وجهه الي اللّه تعالي عند قوله و حسبنا اللّه خلع جميع وجوداته من وُجْدَانِه۪ فلمّا خلَعها من وجدانه توكّل عليه اقام النظر اليه بعين الرجاۤء منه و الانقطاع اليه مقامَ ما خلع و من يتوكّل علي اللّه فهو حسبه و في معاني‌الاخبار بسند مرفوع الي النبي صلي اللّه عليه و آله قال يعني محمد بن خالد البرقي قال جاۤء جبرئيل الي رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله فقال يا رسول اللّه ان اللّه تبارك و تعالي ارسلني اليك بهديّة لم‌يُعطها احداً قبلَك قال رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله قلتُ و ما هي قال الصبر و احسن منه قلتُ و ما هو قال الرضا و احسن منه قلتُ و ما هو قال الزهد و احسن منه قلتُ و ما هو قال الاخلاص و احسن منه قلتُ و ما هو قال اليقينُ و احسن منه قلتُ و ما هو قال ان مدرجة ذلك التوكّل علي اللّه عز و جل فقلتُ و ما التوكّل علي اللّه فقال العلم بان المخلوق لايضر و لاينفع و لايعطي و لايمنع و استعمال اليأس من الخلق فاذا كان العبد كذلك لم‌يعمل العبد لاحدٍ سوي اللّه و لم‌يرجُ و لم‌يخَفْ سوي اللّهِ و لم‌يطمع في احدٍ سوي اللّهِ فهذا هو التوكل قال قلتُ يا جبريل فما تفسير الصبر قال تصبر في الضرّاۤء كما تصبر في السّرّاۤء و في الفاقة كما تصبر في الغني و في البلاۤء كما تصبر في العافية فلايشكو حاله عند المخلوق بما يصيبه من البلاۤءِ قلتُ فما تفسير القناعة قال يقنع بما يصيب من الدنيا يقنع بالقليل و يشكر اليسيرَ قلتُ فما تفسير الرضا قال الراضي لايسخط علي سيّده اصاب من الدنيا او لم‌يُصِب و لايرضي لنفسه باليسير من العمل قلتُ يا جبرئل فما تفسير الزهد قال الزاهد يحبّ من يحبّ خالقه و يبغض من يبغض خالقه و يتحرّج من حلال الدنيا و لايلتفِت الي حرامها فان حلالها حساب و حرامها عِقاب و يرحم جميع المسلمين كما يرحم نفسه و يتحرَّجُ من الكلام كما يتحرّج من الميتة الّتي قد اشتدّ نَتْنُهَا و يتحرّج من حطام الدنيا و زينتها كما يجتنب النار ان تغشيٰهُ و اَن يقصّر املَه و كان بين عينيه اجلُه قلتُ يا جبريل فما تفسير الاخلاص قال المخلص الذي لايسأل النّاسَ شيئاً حتّي يجِدَ و اذا وجدَ رضي و اذا بقي عنده شئ اعطاه في اللّه فان لم‌يسئل المخلوق فقد اقرّ للّه عزَّ و جل بالعبوديّة و اذا وجدَ فرضيَ فهو عن اللّه راضٍ و اللّهُ تبارك و تعالي عنه راضٍ و اذا اعطي للّه عز و جل فهو علي حدّ الثّقةِ بربّه عز و جل قلتُ فما تفسير اليقين قال المؤمن يعمل للّه كأنه يراه فان لم‌يكن يري اللّه فان اللّه يراه و ان يعلم يقيناً انّ ما اصابه لم‌يكن ليُخْطِئَهُ و انّ ما اخطئه لم‌يكن ليُصيبه و هذا كلّه اغصان التوكّل و مدرجة الزهد ه‍ ، و ليكن هذا الحديث الشريف ختاماً لهذا الشرح ليكون ختامه مسكاً نفعنا اللّه تعالي ببركة الائمة الطاهرين صلي اللّه عليهم اجمعين و نفع اللّه به طالبي اليقين من المؤمنين في الدين و نوّر اللّه به قلوب العارفين بعين اليقين و جلي به افئدتهم بحق اليقين بحرمة محمد الامين و آله الميامين انه اكرم المتفضّلين و ارحم الراحمين و الحمد للّه رب العالمين و لا حول و لا قوّة الّا باللّهِ العلي العظيم و صلّي اللّه علي محمد و آله الطاهرين و قد وقع الفراغ من تسويده بيد مؤلّفه العبد المسكين احمد بن زين‌الدين بن ابراهيم بن صقر بن ابراهيم بن داغر المطيرفي الاحسائي تجاوز الله عنهم اجمعين في الليلة العاشرة من شهر ربيع‌الاول سنة ثلاثين و مائتين و الف من الهجرة النبوية علي مهاجِرها و آله افضل الصلوة و السلام حامداً مصلياً مستغفراً ، تمت .
( رقم الفهرست ١٧ )
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّح۪يمِ
الحمد للّه ربّ العالمين و صلي اللّه علي محمد و آله الطاهرين .
اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زين‌الدين الاحسائي انّي لما فرغت من هذا الشرح للزيارة الجامعة الكبيرة احببتُ ان الحقه بشرح الوداع الملحق بها في الرواية فانّه خاۤصّ بها و ان جاز استعماله بعد غيرها من الزيارات و اللّه سبحانه خير موفّق و معين .
قال عليه السلام : فاذا اردتَ الانصراف
قال الشارح المجلسي رحمه اللّه اذا اردتَ الانصراف الي البلد او مطلق الخروج و هو اولي انتهي .
اقول الاولي استعمال الوداع اذا اراد الانصراف من البلد لانّه هو المتعارف و المعروف من طريقة الشيعة علماً و عملاً بل ربّما كان التّوديع بعد الزيارة اوّل النَّهار و هو يريد ان يعود اليه آخر النهار لزيارته مثلاً من سُوء الادَب و ان كان يجوز بملاحظة كراهة المفارقة و ارادة الملازمة لقبره الشريف فيشبّه نفسه عند ترك الملازمة و لو لقضاۤء الحاجة بالمفارق بالخروج من البلد الي البلد الناۤئية فيودّعه عليه السلام اشعاراً بالمحبّة لملازمة قبره الشريف الّا انّ هذا غير مأنوس عند الشيعة و لا مأثورٍ في الشريعة فيما اعلم و اللّه سبحانه اعلم فالمراد بالانصراف المذكور الذي يقع الوداع قبله هو الانصراف الي بلد الزاۤئر اذا كانت غير بلاد الامام عليه السلام و ان كانت قريبة من بلده عليه السلام بشرط ان تكون مغايرة للبلد التي هي محل قبره صلوات اللّه عليه .
قال عليه السلام : فقل السلامُ عليكم سلام مودّعٍ لا سَئِمٍ و لا قالٍ و لا ماۤلٍّ
اي اللّهُ حافظٌ عليكم يعني يحفظ لكم فيكم ما انعمَ به عليكم من التقريب لكم و العلوم التي افاضَ عليكم و ما آتيكم من الشفاعة المطلقة العاۤمّة و الوسيلة و المقام و المرتبة و الشرف و التّنويه بهم و رفع الدرجات ما لم‌يؤتِ احداً من العالمين فمعني يحفظ لكم انّه تعالي يَدَّخِرُه لكم و معني يحفظ عليكم انّه تعالي يُلحِقكم بما ارادَ لكم من النِّعَمِ و الخيرات حتي يجعلها لازمةً لكم و يحفظها لكم فيكم فالحفظ المُعَدَّي باللّام بمعني الاِدّخار و المُعَدَّي بعلي بمعني الالصاق بهم حقيقةً او حكماً و يحفظ ذلك بهم يعني يحفظه بواسِطَتهم كما يحفظ الصَّبَّاغ الحمرة للثوب به فيه و لمّا كان الموجود في النّفوس و الاوهام انّ الشئ ما دامَ الانسان حاضراً عنده مشاهِداً له لايخاف عليه الفَوات كما يخاف عليه لوْ ارادَ مفارقته و ان كان يعتقد انّه لايملك له من اللّه شيئاً ناسَبَ تجديدَ الدعاۤء بالحفظ لهم بعد ما دَعَا لهم عندَ اوّلِ قدومِه۪ عليهم لانّ الاوّل تحِيّةٌ لهم و بعد المفارقة محاذرة عليهم فقال هذا السلام الثّاني ليس تحيّة لكم كما فعلتُ لكم اوّل قدومي بل هو سلام مودّعٍ مفارقٍ يخاف من اشفاقِه۪ عليكم التّغيير و لو فيما يتعلّق باتباعكم في شئ من نعمه تعالي عليهم كان فراقه لكم لقدرٍ جري عليه بما كتب فيه عليه من الدواعي الضروريّة التي اغلبها موجب عندكم و في دينكم للفراق لان تركه مخالفٌ لامر اللّهِ الذي به تحكمون لا سَئِم من باب تعِب علي وزن فرِحٍ بكسر الراۤء بمعني الملال و الفترة يعني ليس سلامي عليكم سلامَ مودّعٍ لكم لاجلِ سأمةٍ و ملالٍ من الحضور عندكم و الملازمة لقبوركم و لا فترةٍ عرضت لي لانّها انّما ترد الفترة لضعف الباعِثِ و امّا اذا كان الباعِثُ قوِّياً فلاتحصل معه فترة فوِداعي لكم ليس عن ملالٍ و لا فترة و ليس سلامَ قالٍ اي مبغضٍ لكم محبٍّ لمفارقتكم و لا ماۤلٍّ بتشديد اللام اسم فاعل من ملل اي ليس سلامي عليكم سلام مالٍّ ضجرٍ من الاقامة بمشاهدكم و حضور قبوركم و انّما سلامي عليكم سلام مودّعٍ لكم مفارقٍ بالرغم منّي غير محبٍّ للبعد عنكم و المفارقة لقبوركم و حضراتكم .
قال عليه السلام : و رحمة اللّٰهِ و بركاته عليكم يا اهل بيت النبوّة انّه حَم۪يدٌ مَجيدٌ
اقول قد تقدّم في شرح الزّيارة بيان رحمة اللّهِ و بركاته و انّما قالَ هذا لانه الْتَفتَ الي ما في الٰايةِ الشّر۪يفة الّتي في حقّ ابراهيم و سَارة و انّ ما ذكر من الدّعاۤءِ بالرحمة فظاهره قُصِدَ به ابراهيم و سارة و باطنُه قُصِدَ به۪ آل‌محمّدٍ صلّي اللّهُ عليه و آله فذكر هذا الكلام لمن هو في حقّهم علي الحقيقة لانّ الرحمة التي هي علّة الايجاد و بها حيوة القلوب و صلاح الظاهر و الباطن انّما قامت بمحمد و آله صلي اللّه عليه و آله فهم محلّها و خزاۤئنها و ابوابها و مفاتِحُهَا و مصادرُها و الذين يقسمونها بين العباد باذن اللّه تعالي و بعبارةٍ اُخْرَي و اللّهُ سبحانه يقسمُهَا بين عباده بهم عليهم السلام فاِذا اراد اَنْ ينشرهَا بيْنَ اَحَدٍ من خلقه نشرَها بهم و لم‌ينشر منها ما بَسَطهُ عليهم صلَّي اللّهُ عليهم و لا بدونهم و انّما ينشر منها بهم ما كان من اثر ما بَسَطهُ عليهم فينشر تلك الٰاثار علي مَن يشاۤء مِنْ عباده فيحيي الموتٰي بها فانظر الي آثار رحمة اللّهِ كيف يحيي الارض بعد موتها و قال تعالي و ينشر رحمته و هو الوليّ الحميد فاللّه هو الوليّ و هو يحيي الموتي و اتّخذ وليّاً من العزّ و التكرّم فهو باذنه ينشر تلك الٰاثار علي من يشاۤء الملك الجبّار و هم بامره يعملون و اشتقّ له اسماً من اسمه فاللّه المحمود و هو محمد صلّي اللّه عليه و آله اي كثير المحامد و هو الوليّ الحميد و اتّخذ من بعده وليّاً من العزّ و التكرّم و اشتقّ له اسماً من اسمه فاللّهُ الأعلي و هوَ عليٌّ عليه السلام فالرّحمة عليهم و آثارُها نشرَهَا بهم علي مَن يشاۤء من عباده و منهم ابراهيم و آل ابراهيم في الظاهر يعني به ما في ظاهر الٰاية و هو قوله رحمة اللّهِ و بَرَكاتُه عليكم اَهْلَ البيت انّه حم۪يدٌ مجيدٌ و قبل هذا قالُوا اتعجبين من امر اللّهِ رحمة اللّه الخ ، فالخِطاب في الاستفهام لسارة و الدّعاۤء عام شاملٌ لابراهيم و اَهل بيته دخل الموجود بالخطاب و من لم‌يوجد بالتبعيّة يعني يبقي الدعاۤء في الموجودين فاذا وُجد مَن بعدهم دخل في الدّعاۤء كما في دعاۤء ابراهيم عليه السلام في قوله ربِّ اجْعَلني مقيم الصلوة و من ذرّيَّت۪ي هذا في ظاهر الدُّعاۤء و المُراد بباطنه محمّد و آله صلّي اللّه عليه وَ آلِه۪ و هم اۤل ابراهيم و كلامه عليه السلام هذا الذي نحن بصدده حكاية لقول جبرئل و ميكاۤئيل و كُربيل فانّهم ارادوا بالقصد المعنوي محمّداً و اهل بيتِه۪ صَلَّي اللّهُ عَلَيْهِ وَ آلِه۪ فحكي قولهم وَ عَنَي ما عَنَوْا وَ رُبّما يُش۪يرُ اليه قولهم عليهم السلام في تفسير هذه الٰاية في معاني‌الاخبار ان الصادق عليه السلام سلّم علي رجل فقال الرجل و عليكم السلامُ و رحمة اللّه و بركاته و رضوانه فقال لاتجاوزوا بنا قول الملاۤئكة لابينا ابراهيم رحمة اللّه و بركاته عليكم اهل البيت انه حميد مجيد ، و يقرب منه ما في الكافي و تفسير العيّاشي و هذا و ان كان ظاهره انّ الملاۤئكة انما سلّموا علي اهل بيت ابراهيم عليه السلام و انّ قولهم عليهم السلام لاتجاوزوا بنا الخ ، ظاهر معناه لاتجاوزوا بنا اي لاتزيدونا في دعاۤئكم علي دعاۤء الملاۤئكة لابراهيم (ع‌) و آل ابراهيم الّا ان الاخبار متواترة معنيً بان آل ابراهيم في التأويل و في الباطن محمد و آله صلي اللّه عليه و آله و انّهم المَعْنيّون بالقصدِ الحقيقي بدعاۤء الملاۤئكة و انّ ابراهيم وَ آله انّما دخَلُوا في هذا الدّعاۤء و في كلِّ خيرٍ بالتبعيّة و انّ من المراد من قولهم عليهم السلام لاتجاوِزوا بنا الي آخره اِنّكم لاتزيدوا في دعاۤئكم عَلَي ما قالَتْه الملاۤئِكةُ لابينا ابراهيم في دعاۤئهم لَنَا فانّ الاَوْلي لَكم اَنْ تقتصِرُوا في دُعاۤئِكم لنا علي دعاۤء الملاۤئِكة لنا في خطابهم ابراهيم و اهل بيته و لاتزيدوا علي ما قالوا فانكم لاتعلمون ما الحكمة في قولهم و البركات جمع بركة و هو زيادة الخير و المنفعة و دوام المدد فيما يتعلّق بالايجاد و الاعتقاد و الاعمال و الاقوال و الاحوال و الافعال الذّاتية و العرضيّة و النّسبيّة في الذّاتية و التّبعيّة و لمّا كانت الرحمة لايخرج تأثيرها عن الحيوة الظاهرة او الباطنة كالعلوم افردَها و البركات لمّا كانت متكثّرة كزيادة الخير اي زيادة الاعيان و زيادة المنفعة و دوام المدد في الذّوات و الصفات و غير ذلِك جمعها لتعدّد متعلّقاتها و قوله اهل البيت يراد منه اهلُ بيت النبوة ليشمل الظاهر و التّأويل كما اشرنا اليه و قوله انّه حميدٌ مجيد حميد فاعل ما يستوجب عليه الحمد و مجيد كثير الخير و الاحسان و ذكر حميد هنا من دُون اسماۤئه تنبيهٌ علي انّ مفيض الرحمة الواسعة التي منها كلّ خير حميد يستحقّ من جميع عباده الحمد الداۤئم بدوام بقاۤئه و انّ معطي الخيرات الكثيرة التي لاتتناهَي و المبتدئ بالجميل و الاحسان الذي لاينقطع و لايباهَي مجيد يستحق بنعمه الشكر علي جميل العطاۤء و جزيل النّعماۤء و من حيث ظهوره بهذين الاسمَين و قبولهم لجميع فيوضاتِه استحقّوا نشر الرحمة و البركات عليهم و قال الشارح المجلسي (ره‌) انّه حميد مجيد اي لاجل اَنْ جعلكم اهل بيت النبوّة او للسلام و الرحمة و البرَكة انتهي ، و هو كما قال رحمه اللّه .
قال عليه السلام : سلام وليٍّ لكم غير راغب عنكم و لا مستبدلٍ بكم و لا مؤثرٍ عليكم و لا منحرفٍ عنكم و لا زاهدٍ في قربكم
قال الشارح المجلسي (ره‌) و لا مستبدلٍ بكم اي لا اجعل لكم بدلاً عقداً اوِ اتّباعاً و لا مؤثرٍ بالهمزة اي لااختار غيركم عليكم و لا زاهدٍ اي تارك لعدم الرغبة انتهي .
اقول يعني ان سلامي عليكم سلامَ وَليٍّ لا سلام قالٍ و لا سَئِمٍ و لا ماۤلٍّ يعني اَنّ المودّع اذا كان وليّاً كانَ سلامه للتوديع لما قُدِّر عليه لا عن سئمٍ و لا قِلاً و لا ملَلٍ ثم استشعر انّ ممّن يصدق عليه اسم الولي ما تعرض له تلكَ الصفات المنافية للرغبة فابانَ عن حال اعتقادِه۪ و ما يجد في نفسه غير راغبٍ عنكم الي شي‌ءٍ و لا مُسْتَبْدِلٍ بكم احداً سواكم و لا مُؤْثِرٍ عليكم غيركم و لا منحرفٍ عنكم الي مَنْ سِوَاكم و لا زَاهدٍ في قربكم الي قربِ احدٍ غيركم اَوْ اِلَي مطلبٍ لايرضيكم و هذا مِنْهُ احْتِرازٌ عَنْ وَليٍّ يقع منه احد هذه الاُمورِ وَ اِنْ كانَ بِظاهرِه۪ دونَ باطنِه۪ باَنْ يَم۪يلَ الي بَعْضِ الظّلَمَةِ و بَعْضِ اعداۤئِهمْ لِغَرَضٍ من اَغْراضِ الدُّنْيَا وَ اِنْ كانَ قلبه معهم عليهم السلام و لكن هذا في الغَالِبِ يكون د۪ينُهُ ناقِصاً و لِأنّه قَدْ يُوَدِّع و يُسَلِّم عليهم سَلامَ راغبٍ عنهم الي حاجته وَ مُسْتبدِلٍ بهم غيرهم لِبعضِ اَغْراضِه۪ اَوْ مُؤْثِرٍ كذٰلكَ اَوْ منحرِفٍ عنكم ( عنهم ظ ) او زاهدٍ في قربهم كما وَجَدْنا كث۪يراً من المحبّين ربّما يكون منزلُه قريباً منهم من قبورِهم و مشاهدِهم و لايأتي لزيارتهم او يأتي نادِراً و رُبَّما يكون الشخص منهم حسن الاعتقاد و المعرفة و لكنه لايقدر علي مفارقةِ اهله و اَمْواله او يصعب عليه السفر و التنقّل و يحبّ الرّاحة اَوْ يَخافُ علي مالِه۪ من صرفه في غير معيشته و كل هؤلاۤء من ساۤئر المؤثرين عليهم و الزَّاهدينَ في قربهم و ان كان اكثر هؤلاۤء يأول امرُهم الي الخير و تتداركهم الرّحمة ما لم‌يكن ما وقع منه من قلبه و اعْتِقادِه۪ اَوْ عَنْ شَكٍّ منه فانّ غالبَ هؤلاۤء يَؤُل امرُهم الي سوۤء العاقبة نعوذ باللّه من سخط اللّهِ .
قال عليه السلام : لاجعله اللّٰهُ آخر العهد من زيارة قبوركم و اتيان مشاهدكم
هذا دعاۤء منه بان يرزقَهُ زيارتهم ابداً فان قال ذلك عازماً علي المعاودة ابداً ما دام حيّاً فانّ اللّه تعالي يقبل منه دعاۤءَهُ لانه اَمر الزاۤئرين علي اَلْسِنَةِ اولياۤئه بذلك فان علم اللّه صلاحه في ذلك وفّقه لذلك ما دامَ رزقه لم‌ينفد من اللوح المحفوظ و قد يبقي رزقه و لايكون دوام الزيارة صَلَاحاً لَهُ فيمنع منها و يكتب له ثواب نيّتهِ و كذلك اذا انتهي رزقه و انقضت مدّته فانّ اللّه بكرمه يكتب له ثواب ما نواه لانّ زيارة الامام عليه السلام تزيد في العمر و في الرّزق ففي كامل‌الزيارة لجعفر بن محمد بن قولويه بسنده الي محمد بن مسلم عن ابي‌جعفر عليه السلام قال مُروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين بن علي عليهما السلام فان اتيانه يزيد في الرزق و يمدّ في العمر و يدفع مَدافع السّوۤءِ و اتيانه مفروض علي كلّ مؤمنٍ يقرّ للحسين عليه السلام بالامامة مِنَ اللّه و فيه بسنده عن منصور بن حازِم قال سمعناه يقول مَن اتي عليه حول لم‌يأتِ قبر الحسين عليه السلام انقصَ اللّهُ من عمره حولاً و لو قلتُ انَّ اَحدكم ليموتُ قبل اجله بثلاثين سنةً لكنتُ صادِقاً و ذلك انكم تتركون زيارته فلاتدعون زيارته يمدّ اللّه في اَعْمارِكم و يزيد في ارزاقكم و اذا تركتم زيارتَهُ نقّص اللّه من اعمارِكم و ارزاقكم فتنافسوا في زيارته و لاتدعُوا ذلك فانّ الحسين بن علي عليهما السلام شاهدٌ لكم عند اللّه و عند رسوله و عند علي و فاطمة عليهم السلام ه‍ ، و الزيادة فيهما عَلي حسب مصلحة الزاۤئر فربّما يزور الحسين عليه السلام و يموتُ و ذلك لانّه ربّما علم اللّه ان رزقه انقطع و انتهي اجله فلمّا عزم علي زيارته عليه السلام مدّ اللّه تعالي فيهما له علي حسب مصلحة العبد فقد يكونان الي اثناۤء الطّريق و قدْ يَكونان الي ان يصل او قبلهما او بعدهما و في جميع الاحوال يكتب له ثواب نيّتِه۪ ان عزم علي مرّة اوْ مَرّاتٍ اوْ اَبداً ما حَيِيَ و مَن ترك زيارته نقص من عمره و رزقه فاذا وجدتَ تاركاً لزيارته و عمره طويل و رزقه كثير فهو امّا ان يكون المكتوب له في اللوح بحسبِ مقتضي خِلقتِه۪ كثيراً في الرزق طويلاً في العمر و هو ما قال تعالي في كتابه و من اظلم ممّن افتري علي اللّهِ كذباً اولۤئك ينالهم نصيبهم من الكتاب و هذا النصيب هو المكتوب لهم بمقتضي الكون و امّا ما يحتمل الزيادة و النقصان فيهما فهو ما كان بمقتضي الاعمال و زيارته عليه السلام من اعظم الاعمال المقتضية لذلك و لو زاره عليه السلام هذا لطال عمره و زاد رزقه اعظم منه حين ترك و امّا اَنْ يكون قد عمل بعض الاعمال الصالحة الموجبة لزيادتهما كصلة الارحامِ مَثَلاً و ربّما يكون تركه لزيارته عليه السلام لعذرٍ فلايكون موجباً للنقص فيهما و امّا ان يكون انّما ترك لعُذْرٍ و انْ لم‌يطّلع عليه غيره من الناس و امثال ذلك و هذا الذي ذكرناه من اَنّ زيارة الحسين عليه السلام كذلكَ لم‌يكن مختصّاً به بحيث لاتكون زيارة غيره من الائمة عليهم السلام بل كلّما جرَي لاوّلهم يجري لٰاخرهم و قد ورد في زيارة الرضا عليه السلام ما يقرب من ذلك نعم انّما الاسباب الخارجة لها في شأنهم صلي اللّه عليهم تأثير بزيادةِ الاَجْر و الجزاۤء و تفاوتهم في الزيادة لايستلزم النفي لانّ الاصل التساوي فافهم .
قال عليه السلام : و السّلام عليكم و حشرني اللّٰهُ في زمرتكم و اوردني حوضكم و جعلني في حزبكم و ارضاكم عني
اقول قد تقدّم في الزّيارة سؤال الزاۤئر من اللّه تعالي ان يدخله في زمرة المرحومين بشفاعتهم و هنا قال عليه السلام في تعليم هذا الزاۤئر عند توديعهم ان يدعُوَ اللّه تعالي ان يحشره في زمرتهم و لعلّ الاختلاف لفظي لانّ مَن دخلَ في زمرة المرحومين بشفاعتهم فقد حشره اللّه معهم و يجوز ان يكون من المراد انّ يوم القيمة يُدْعَا فيه كل اناسٍ بامامهم فتقدم راية وليّ اللّه عليه السلام و معه اهل ولايته و البراۤءة من اعداۤئه من اهل زمانه فكلّ امام منهم عليهم السلام كذلك و تأتي رايات اعداۤئهم كلّ امام ضلالةٍ مع اتباعه من اهل زمانه فعلّمه ان يسأل اللّه ان يحشره في زمرتهم يعني مع امامِ زمانه عليه السلام و يجوز اَنْ يكون المراد ان يجعل له مِنْبراً بحذاۤء مَنابرهم يوم القيمة ما دام الخلاۤئق في الحساب فاذا جعل في زمرة المرحومين بشفَاعتِهم جعل اللّه تعالي له ببركتهم منبراً يجلس عليه بحذاۤء منابرهم الي ان يفرغ الخلاۤئق مِنَ الحِسَاب و لا منافاة و روي جعفر بن محمد بن قولويه في كامل‌الزيارة عن علي بن ابراهيم قال قال ابوجعفرٍ عليه السلام مَن زار قبر ابي بطوسٍ غفر اللّه له ما تقدَّم من ذنبه و ما تأخّر قال فحججتُ بعد الزيارة فلقيتُ ايّوبَ بن نوحٍ فقال لي قال ابوجعفرٍ عليه السلام من زار قبر ابي بطوسٍ غفر اللّه له ما تقدَّم من ذنبه و ما تأخّر و بَني له مِنْبَراً بحذاۤء مِنبرِ محمد و عليّ عليهما السلام حتّي يفرغ اللّهُ من حساب الخلاۤئِق فرأيتُه (ع‌) بعد ايُّوبَ بنِ نوح و قد زار عليه السلام فقال جئْتُ اطلبُ المنبر ه‍ ، و فيه بسنده الي يحيي بن سليمان المازني عن ابي‌الحسن موسي بن جعفر عليهما السلام قال مَن زار قبر ولدي كان له عند اللّه كسبعين حجّة مبرورة قال قلتُ سبعين حجّة قال نعم و سبعمائة حجّة قلتُ و سبعمائة حجّة قال نعم و سبعين‌الف حجّة قلتُ و سبعين‌الف حجة قال رُبَّ حجّةٍ لاتقبل من زاره و بات عنده ليلة كان كمن زار اللّه في عرشِه۪ قلتُ كمن زار اللّهَ في عرشه قال نعم اذا كان يوم القيامة كان علي عرش اللّهِ اربعةٌ من الاوّلين و اربعة من الٰاخرين فامّا الاربعة الذين هم من الاوّلين فنوح و ابراهيم و موسي و عيسي عليهم السلام و امّا الاربعة الذين هم من الٰاخرين فمحمد و علي و الحسن و الحسين عليهم السلام ثم تمدّ المضمار فيقعُد معنا مَن زار قبور الائمة عليهم السلام الّا انّ اعلاهم درجة و اقربهم حبوة زوّار قبر ولدي عليّ صلّي اللّه عليه ه‍ ، و فيه في حديث ابراهيم بن رئاب مثله اقول في الحديث الثاني ما يقرب في الاستشهاد من الاول و فيه زيادة اشارة لما اشرنا قبل هذا انّ ما جري لاوّلهم يجري لٰاخرهم و انما الاسباب الخارجة لها في شأنهم صلي اللّه عليهم تأثير بزيادة الأجر و الجزاۤء و هو قوله عليه السلام فيقعد معنا من زارَ قبور الائمة عليهم السلام الّا انّ اعلاهم درجةً و اقربهم حبوة زوّار قبر ولدي عليّ صلّي اللّٰهُ عليه و ذلك لاجل غربته و بعد مشهده عليه السلام عن مشاهدهم و انّه لايزوره الّا الخواۤصّ من الشيعة لانّ غيره من الائمة عليهم السلام يزورهُ غير الشيعة و يزوره غير الخواۤصّ لاجل زيارة غير الشيعة له امّا لانّ غير الخواۤصّ لايزورونه خوفاً ان يعيب عليهم اعداۤؤهم فاذا رأوا اعداۤءهم زاروه زاروه هم و لو لم‌يزره الاعداۤء لم‌يزره بعض غير الخواص خوف العيب بخلاف زيارة الرضا عليه السلام فانّه لايزوره الّا مَن لايبالي بعَيْب الاعداۤء فهم اذ ذاك خواۤصّ و ان كانوا جهّالاً و ليس المراد بالخواۤصّ الخواص في غير الموضع لان المراد بهم هناك العارفون و اهل البصيرة في الدين فتفهّم و امّا لعدم شدّة رغبتهم و مَنْ سوي الرضا عليه السلام من الائمة عليهم السلام قريبون منهم فلاتشقّ عليهم زيارتهم لقرب مشاهدهم منهم فيزورونهم و امّا الرضا عليه السلام فلبُعْدِ مشهده عنهم تكون في زيارته مشقَّةٌ شديدة فالخواص يتحمّلونها و امّا غيرهم فلايتحملونها لعدم شدّة رغبتهم و هذان الوجهانِ باعتبار الزّاۤئرين و امّا باعتبار حال المزور عليه السلام فانّه كان ناۤئِياً عن مسقط رأسه و مأنسِ نفسِه۪ غريباً من اهله و اقرباۤئه منفرداً من بين سَاۤئر اهل بيته و هذه الاحوال و امثالها موجبة لخمول الذكر و نسيان الاسم و اِطْفاۤءِ النّور فلو كان فضل زيارته كفضل زيارة غيره من الائمة عليهم السلام لكانت زيارته ناقصةً عن زيارة احدهم و انّما ساوَتْها بما اشتملت عليه من المشاۤقّ من البعد و قلّة الزاۤئرين و غربة المزور و امثال ذلك فتكون في اصلها ناقصةً عن زيارة مثله و يلزم من هذا عدمُ المماثلة بل يكون في نفسه عليه السلام ناقصاً عن احدهم عليهم السلام فلمّا ثبت انّهم سواۤء ثبت انّ اصل زيارتهم سواۤء و لمّا اشتملت زيارته عليه السلام علي مزايَا لم‌تحصل لغيرها خصوصا هَذٰا الوَجه الاخير و هو كونه عليه السلام غريباً وحيداً بعيداً عن مسقط رأسه و عن مساكن آباۤئه و قبره بعيداً عن قبورهم و الحال انّ هذه و امثالها موجبة لتصغير قدره و خمول ذكره و اطفاۤء نوره و مساواته لساۤئر الناس و الحكمة التي اجري اللّه سبحانه عليها النّظام و لاجلها خلق الانام و بسببها اسبغ علي جميع خلقه الاِنعام و الاِفْضال و الاكرام مقتضاها الذي لاتكون الحكمة حكمة الّا به علي كمال ما ينبغي اَنْ يكون قدره عليه السلام كبيراً و ذكره مشهوراً و نوره تاۤمّاً مُن۪يراً لايعدله احدٌ من الناس و لايعتري فضله و ظهور شأنه و علوّ مكانه التباس فَوجب في الحكمةِ اَنْ يَلْطُفَ سبحانه بعباده فيما يتوقّف عليه صَلاحُهُمْ و تمام نظامِ الخلقِ من اظهارِ اسْمِه۪ عليه السلام و اعلاۤء شانه و التنويه باسمه فاوجب ذلك الحَثّ علي زيارته و الترغيب فيها بما لايحصل في غيرها لانّ في ذلك ترغيب الزاۤئرين بكثرة الثواب بان زيارته عليه السلام يغفر اللّه بها ما تقدّم من ذنب الزاۤئر و ما تأخّر و يبني اللّهُ له منبراً يوم القيمة بحذاۤء منبر محمد و علي صلي اللّه عليهما و آلِهما و انّه يجلس عليه بجوارهما عليهما السلام حتي يفرغ سبحانه من حساب الخلاۤئق و انّ زيارته تعدل سبعين‌الف حجة و عمرة او مائة‌الف حجة و عمرة و ما اشبه ذلك لانّ الحكمة الالهيّة التي يستقيم بها النظام تقتضي ذلك جبراً لما جري عليه صلي اللّه عليه من الغربة و الوحدة و البعد عن الاهل و الاوطان و هذا الوجه لايرد عليه شئ و امّا الوجهان فيرد عليهما امّا الاوّل فيقال انّه عليه السلام ايضاً قد يزوره غير الخواۤصّ و يجري في حقه ما يجري في حقّ باقي الائمة عليهم السلام و امّا الثاني فيُقال اَنَّ مشهدَه الشريف قريب من كثير من الشيعة بحيث لاتشقّ زيارته عليهم و تشقّ عليهم زيارة الائمة عليهم السلام فيكون الاَمرُ بالعكس وَ الجَوابُ اَنّ الخِطابات الشرعية العَاۤمّة مبنيّةٌ هي وَ ما يترتّب عليها من الجزاۤء علي الامور الغالبة و الابتداۤئيّة فعلي الاَمْر الاول الغَالِب اَنّ زُوَّار الرضا عليه السلام لايكونون الّا الخواۤصّ من الشيعة و المحبّين بخلافِ غيره۪ من الائمّة عليه السَّلَامُ و علي الامر الثاني فلأن الخطاب انّما جري علي مَن كان قريباً من الائمة عليهم السلام بعيداً من الرّضا عليه السلام مع انّ من كان قريباً من الشيعة من الرضا صلوات اللّه عليه في وقت الخطاب كانَ قليلاً و كونه الان كثيراً لايوجب انقلاب الحكم لانّ الحكم نَزلَ من عند اللّه تعالي حين السؤال علي حدِّ قوله تعالي و ان تسألوا عنها حين ينزّل القرءان تُبْدَ لكم فاَجْرَيها اللّه سبحانه سنته فيه عليه السلام و لن‌تجدَ لسنة اللّٰهِ تَبْديلا ،
قوله عليه السلام : و اوردني حوضكم
اِنْ اُر۪يدَ به الحوض الباطني فهو هُدٰيهم و هم عليهم السلام يوردون باذن اللّهِ مَن شاۤؤا ذلك الحوض من اولياۤئهم و يذودون مَن شاۤؤا عنه باذن اللّه تعالي و هو المشارُ اليه في كلام اميرالمؤمنين عليه السلام الذي ذكرناه في شرح الزيارة في حديث ابي‌الطفيل قالَ قلت يا اميرالمؤمنين اخبرني عن حوض النبي صلي اللّه عليه و آله في الدنيا ام في الٰاخرة قال بل في الدنيا قلتُ فمن الذاۤئِدُ عليه قال انا بيدي فليَرِدَنّه اولياۤئي و ليُصرفَنَّ عنه اعداۤئي و في روايةٍ و لاُورِدَنّه اولياۤئي و لاَصرفَنَّ عنه اعداۤئي الحديث ، و معروف عند مَن سقط اليه شئ من علومهم عليهم السلام ان هُديهم و مذهبهم و دينهم هو حوض النبي صلّي اللّه عليه و آله الذي مَن شَرِبَ منه شربةً لمْ‌يظمأ بعْدَهُ ابداً و هو دينُ اللّهِ الحق الذي لايوجد الّا عندهم و هو ما اجتمع عليه محكم القرءان و قولهم فانّه هو الدّ۪ين و لايخرجان عنه كما قال صلّي اللّه عليه و آله لن‌يفترقا حتّي يردا عليّ الحوض ه‍ ، فهم يُوردُون مَن شاۤؤا باذن اللّه تعالي و يذودون عنه من شاۤؤا باذن اللّه تعالي فقوله و اوردني حوضكم مثل ما قلنا من نظيره في الشرح فهنا ان شِئتَ قلتَ اوردني اللّهُ الحوض بهم و ان شئتَ قلتَ اوردني الحوض باذن اللّه تعالي و المعني واحد من حيث فاۤئدة الايجاد فعلي هذا يكون المعني ثبّتني اللّه علي دينكم و وفّقني للعمل الصالح الذي يرضي اللّه و يرضيكم حتّي اجدَ حلاوة الايمان الّذي هو من ماۤء حوضكم و وفّقني للاستقامةِ عليه حتي لااظمأ بعده لااظمأ اي لااُواقع ذنباً و لااخرج من هديكم حتي يتوفاني الموت و ان اريد به المعروف و هو الحوض الذي يظهر يوم القيمة و هو الذي يوردونَهُ اولياۤءهم و محبيهم الذين يحشرون معهم في زمرتهم فانّه سأل اللّه ان يحشره في زمرتهم يوم القيمة و يوردَهُ حوضهم كما حشرَهُ في زمرتهم في الدنيا و اوردهم حوضهم في الدنيا و يفيد سؤاۤله الدعاۤء بالثّبات علي ما وفّقه لمتابعتهم و ولايتهم و محبّتهم حتي يتوفّاه ليحشر في زمرتهم و يُورد حوضهم و في كنزالكراجكي بسنده الي ايّوب السجستاني قال كنتُ اطوف فاستقبلني في الطواف انس بن مالكٍ فقال لي الاابشّرك بما (ظ) تفرح به فقلتُ بلي فقال كنتُ واقفاً بين يدي النبي صلّي اللّه عليه و آله في مسجد المدينةِ و هو قاعدٌ في الرّوضةِ فقال لي اَسْرِع و ائتِن۪ي بعليّ بن ابي‌طالبٍ عليه السلام فذهبتُ فاذاً عليّ و فاطمة عليهما السلام فقلتُ له انّ النبي صلي اللّه عليه و آله و سلّم يدعوك فجاۤءَ عليّ فقال يا عليّ سلِّم علي جبرئل فقال عليٌ السلام عليكَ يا جبرئل فردّ عليه جبرئل السلام فقال النبي صلي اللّه عليه و آله و سلّم جبرئل يقول انّ اللّهَ يقرأ عليك السلام و يقول طُوبَي لكَ و لشيعتك و محبّيك و الويل ثم الويل لمبغض۪يكَ اذا كان يوم القيٰمة نادي منادٍ من بطنان العرش اين محمد و علي فيُزَخُّ بكما الي السماۤء حتي تُوقَفا بين يَدي اللّه فيقول لنبيّه اَوردْ علياً الحوض و هذا كأس اَعْطِه حتّي يسقي محبّيه و شيعته و لايسقي احداً من مبغضيه و يأمر لمحبّيه ان يحاسَبُوا حساباً يَس۪يراً و يؤمر بهم الي الجنّة ه‍ ،
فقوله حتي يسقي محبّيه و شيعته يدلّ علي انّ ذلك لمَنْ اتي يوم القيمة بمحبّتِهم فلمّا علم ذلك سأل اللّه اَن يورده حوضهم يعني اَنْ يثبّته علي ما وفّقه لمحبّتِهم و ولايتهم فانّه اذا ثبّته علي ذلك حتّي يموت فانّه تعالي يجب عليه في الحكمة و لما وَأي علي نفسِه۪ لشيعتهم و محبّيهم اَنْ يَحْشُرَهُ في زُمْرَتِهمْ و يُورِدَهُ حوضهم فيفيد قوله و ان يحشرني في زُمرتكم و ان يُوردَني حَوْضَكم انّه يسأله ما يُوجب ذلك و هو الثّبات علي ما وَفّقه له من محبّتهم و ولايتهم و طاعتهم و متابعتهم ،
و قوله عليه السلام : و جعلني في حزبكم و ارضاكم عنّي
يريد الدعاۤء بان يجعلني معكم في حزْبِكم في الٰاخرة كما جعلني في حزبكم في الدنيا فانّه تعالي و له الحمد جعلني في الدنيا من محبّيكم و مواليكم فاسأله اَنْ يثبّتَن۪ي علي ذلك حتّي القاه محبّاً لكم موالياً لكم و لاولياۤئكم معادياً لاعداۤئِكم و اولياۤئهم و اكونَ في حزبكم و اسألُهُ ان يجعلَكم راض۪ين عنّي بان يبلّغَني ما يوجِبُ رضاكم عنّي من طاعته و طاعتكم و يثبتَني عليه حتّي القاكم عنّي راضين فانّه تعالي ابتدأني بنعمة التوفيق لمحبّتكم و ولايتكم فلقديم الرجاۤء فيه و عظيم الطمع في كرمه و فضله و رحمته سألتُه ذلك و هو ارحم الراحمين فانكم لاترضون عنّي الّا لرضي اللّه و لايرضي اللّهُ تعالي الّا لرضاكم فرضاكم رضي اللّهِ و رضا اللّهِ رضاكم اللّهم بحقّهم عليك ارض عنّي و بحقّك عليهم ارضهم عنّي انّك علي كلّ شئ قدير .
قال عليه السلام : و مكّنن۪ي في دولتكم و احياني في رجعتكم و ملّكني في ايامكم
يقول اسأل اللّه الّذي وعدكم ليَستَخْلِفَنّكم في الارض كما استخلف الّذين من قبلكم و ليُمكّن لكم في الارض بان يجعلكم الوارثين للارض و المالكين لها اَنْ يمكّنني في دولتكم بان يجعلني في وقتِ ملككم من المملّكين بكم المقرّبين لديكم و هذا كناية عن ان يجعله من شيعتهم الخُلَّصِ فانّه اذا رجعوا ذهبت دولة اعداۤئهم و اشياع اعداۤئهم و رجع الامر كلّه الي محمّد و اهل بيته صلي اللّه عليه و آله و مَن كان من شيعتهم كامل الايمان مكّنوه فيما شاۤؤا من الارض و ملّكوه منها ما اَرادُوا وَ جعلوه مقدّماً بنسبة معرفته و ايمانه فدعاۤؤهُ طلباً لرفع درجته عند اللّه و عندهم لانّهم عليهم السلام انّما يقدِّمون مَن تقدّم بعلمه و عمله و معرفته و امّا اعداۤؤهم فهم الذين عناهم اللّه بقوله و من اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكاً يعني من اعرض عنهم و عن ولايتهم فانّ له معيشةً ضنكاً في رجعتهم عليهم السلام لانّ الارض لاتعطيه من نبتِها و التجارة لاتعطيه من ربحها و لاتحلّ له الزكوة و يبقي مهيناً محتقراً فقيراً جاۤئعاً حتي روي انّهم ليأكلون العَذَراتِ و في الكافي عن الصادق عليه السلام في قوله و من اعرض عن ذكري قال ولاية اميرالمؤمنين عليه السلام اعمي البصر في الٰاخرة اعمي القلب في الدنيا عن ولاية اميرالمؤمنين عليه السلام و هو متحيّر في القيمة يقول لم حشرتني الٰاية قال الٰايات الائمة عليهم السلام فنسيْتَها يعني تركها و كذلك اليوم تترك في النار كما تركتَ الائمة عليهم السلام فلم‌تطع امرهم و لم‌تسمع قولهم ه‍ ، و في تفسير علي بن ابراهيم عن الصادق عليه السلام انّ له معيشةً ضنكاً قال هي واللّهِ للنّصّاب قيل له رأيناهم في دهرهم الاطول في الكفاية حَتَّي ماتوا قال ذاك واللّهِ في الرجعة يأكلون العذرة ه‍ ،
و قوله عليه السلام : و احياني في رجعتكم
سأل اللّهَ ان يكِرَّهُ فيمن يكرّ معهم في رجعتهم و هو كناية عن توفيقه لان يكون ممّن محض الايمان مَحْضاً فانّ مَن محض الايمان محضاً و محض الكفر او النفاقَ مَحْضاً فانّه يرجع في رجعتهم اِلّا اَنْ يَكُونَ مَحض الكفر و النِّفاقَ مَحْضاً و قد اُهلِكَ في الدُّنْيا بالعذاب فانّه لايرجع في رجعتهم و ذلك قول اللّه تعالي و حرامٌ علي قريةٍ اَهْلكناها انّهم لايرجعون و امّا ماحض الايمان فانّه لا بدّ ان يرجع فان قُتِلَ في الدُّنْيا رجعَ حتّي يموتَ بعد ان يعيش بالضّعفِ من عمرِه في الدنيا و امّا من يرجع في رجعتهم العَاۤمّة الاخيرة التي يجتمعون فيها كلهم عليهم السلام فروي انّه لايموت حتّي يَرَي الفَ وَلَدٍ من صلبه۪ و ان مات في الدنيا فيرجع حتّي يقتلَ اذ كلّ مؤمنٍ محض الايمان محضاً فله قتلةٌ و م۪يتَةٌ مَنْ ماتَ بُعِث حتّي يقتلَ و مَن قتل بُعِثَ حتّي يَمُوتَ فسأل اللّهَ اَنْ يُوفّقه لمحض الايمان ليحيَي في رجعتهم و هذا من قول الصّادق عليه السلام اللّهُمَّ اَحْيِ شيعتنا في دَوْلتِنا و اَبْقِهم في مُلكِنا و مملكَتِنا و هذا قوله عليه السلام و مَلَّكني في اَيّامِكم اي جَعَلَني من المملّكين و هو كما تقدّم كناية عن التوفيق لكمال الايمان و المعرفة فانّهما من جهة كرم اللّه و فضله موجبان لمن جعله اللّه كذلك لأن يكون في رجعتهم اذا مكّنهم اللّه في ارضه و اظهرهم علي الدين كله و لو كره المشركون مملَّكاً من قِبَلِهم حاكماً بامرهم بنسبة كمال ايمانه و معرفته .
قال عليه السلام : و شكر سعيي بكم و غفرَ ذنبي بشفاعتكم و اقال عثرتي بمحبّتكم ( بحبّكم خ ) و اعلي كعبي بموالاتكم و شَرَّفَن۪ي بطاعتكم و اَعزّني بهُدَيكم
قال الشارح المجلسي (ره‌) و شكر سعيي بكم اي جزاني اللّه تعالي في زيارتي ايّاكم او ببركتكم او شفاعتكم و اقال عثرتي اي تجاوز عن سيئاۤتي و اعلي كعبي اي جعلني مشرّفاً و عالياً او جعل اعداۤئي تحتَ قدمي او تحتَ رُمحي بغَلَبَتي عليهم بموالاتكم ايّاي او بموالاتي ايّاكم انتهي .
الشكر اعم من الحمد في المصدر و اخصّ منه في المتعلق فالحمد مصدره اللسان خاۤصة و متعلّقه الفضيلة و الفاضلة و الشكر مصدره الجَنان و الاركان و اللسان و متعلّقه الفاضلة فالشكر من جهة المتعلّق الباعث له الفاضلة و هي النعمة التي تصل من المَشْكُور الي الشاكر و من جهة المصدر يصدر من الجَنانِ و الاركان و اللِّسان فشكر الجنان الاعتقاد بانّ هذه الفاضلة من المشكور علي جهة الفَضْلِ الابتدائي و الرضا عنه بالعطيّة و ان كانت قليلة بالنسبة الي غيره او عند غيره اوْ الي غيرها و يعتقد انّه مقصِّرٌ في اداۤءِ شكرِها و الشكر من الاركان امتثال امر المنعم و اجتناب نهيه و طاعته بكلّ ركنٍ فيما خلق له فطاعة العينين النظر لما امر اللّهُ بنظره كنظر المصلي في القيام الي محل سجوده و في القنوت الي كفّيه و في الركوع الي ما بين رجليه و في السجود الي طرفِ انفه و في التشهد الي حجره و كالنظر الي كتابة القرءان و كتب العلم و غير ذلك و غَضُّهما عن النظر الي ما حرّم اللّه عليه نظره و الاذنانِ طاعَتُهما السماع لما ندب اللّه الي سماعه اَوْ اَباحه بقصد الاخذ بما اباحه اللّه و اليدان طاعتهما البطش فيما امر اللّه به او ندبَ اليه اوْ اباحه كذلك و طاعةُ الرجلين السعي كذلك و الحاصل طاعة الجوارح استعمالها فيما خلقت له كما امر سبحانه و الشكر من اللسان الثناۤء علي المنعم باظهار نعمه و آثارِها و ذكرُه بها علي جهة التعظيم له و لنعمه فاذا عرفتَ هذا في الجملة فقوله عليه السلام و شكر سعيي بكم يريد به انّي ادعوه سبحانه و اسأله اَن يشكر سعيي بكم اي ان يعاملني معاملةَ المنعِم من المنعم عليه فيحبّني و يحبّبَني الي خلقه و يرضي عنّي بالقليل من السعي و يراه كثيراً و يري انّ ما فعل بي من الجميل اني مستحقٌ له و يوصل اليّ من الثواب و النعم جزاۤء سعيي علي جهة الاستحقاق و يذكرني بالثّناۤء الجميل في الملأ الاعلي و علي السِنَةِ اولياۤئه و في ما انزل من كتبه و ما اشبَه ذلك و هذا انّما يكون منه تعالي اذا كان محتاجاً الي سعيي و كان سعيي ليس منه و كلّ ذلك لم‌يكن بل هو غنيّ عن سعيي و عن كل شئ و سعيي علي فرض صحّته و حقّيّته نفعه لي و راجع اليّ و مثاله لو انّ زيداً جدَّ في عمل التجارة حتّي ربح كثيراً فما حصل من الربح فهو له ينتفع به في مهمّاته فهل يجب عليك ان يشكره جزاۤءً لما عمل لنفسه و انّما يجب عليك لو كان ربحُه يصل اليك و ايضاً ما اتيتُ به من السعي فمنه تعالي و بتوفيقه و هو اَوْلَي به منّي فكيف يصحّ ان يشكر مَن لايحتاج الي شئ و ذلك النعمة التي صارت من العبد منه تعالي فهو اولي بالشكر فلايصحّ اَن يشكر مَنْ لايفعل شيئاً و هذا ما تعرفه العقول و لكنّه سبحانه و تعالي جَدّدَ تَفضّله علي عِبادِه۪ مرّةً بعد اُخري فابرز لطفاً من غيبه علي افئدة اولياۤئه و اولياۤئهم لاتسَعُه عقولهُمْ لطفاً بالعباد و تيسيراً لما خلقوا له بما اراد بانه تعالي و له الفضل يشكر مَن شكره و يذكر مَن ذكره و يجازي مَن عمِل له و قد اشار سيّدالساجدين عليه السلام في الصحيفة السجاديّة الي ما اشرنا اليه بقوله في وداع شهر رمضان تشكر مَن شكرك و انت الهمتَهُ شكرك و تكافِئُ من حمدك و انتَ علّمته حمدك يعني انّك تفضّلاً منك تشكر مَن شكرك علي شكرِه و شكرهُ من فضلك الهمته ايّاه و اجريته عليه و لولاك لكفر نعمتك و تكافئ اي تجازي مَن حمدك علي ما عرّفته من نفسك و انعمتَ عليه من نعمك و ذلك منك انت علّمته و قوّيتَه علي ذلك و وفقته له و اعنتَهُ عليه و لولا فضلك عليه ثانياً لماقدرَ علي شئ من ذلك و انّما عاملك معاملة الغني الحميد فجعل ما انعم به عليك من شكره و حمده مكافاةً لتَأدية حقّ نعمِه۪ عليك ليجزيك علي ما اجري عليك من نعمه نِعَماً و فضلاً نعماً و فضلاً مرّة بعد اُخري كما في دعاۤء مفردة الوتر بعد الركوع و جعل ما امتَنَّ به علي عباده كفاءً لتأدية حَقِّه۪ ه‍ ، و قد ذكر سيدالساجدين عليه السلام في دعاۤء الوداع المذكور ما اشرنا اليه لك من انّه تعالي تفضّل مرّة بعد اُخري فركز في افئدة اولياۤئه و الخصيصين من شيعتهم لطفاً من غيبه لاتسعه عقولهم و لولاه تعالي لماوجد المخلوق شيئاً من ذلك لانّه مخالف في الافهام و القلوب لمعني القدم و لهذا قلنا ركزه في الافئدة لانّها هي التي تسع ذلك و تع۪يه فقال عليه السلام و انت الذي دللتهم بقولِك من غيبك و ترغيبك الّذي فيه حظهم علي ما لو سترته عنهم لم‌تدركه ابصارُهم و لم‌تعِه اسماعهم و لم‌تلحقه افهامُهم فقلتَ اذكروني اذكركم و اشكروا لي و لاتكفرونِ و قلتَ لئن شكرتم لازيدّنكم و لئن كفرتم انّ عذابي لشد۪يدٌ و قلتَ ادعوني استجب لكم الي آخر الٰايات و ذلك لانّ ما دلّ عليه نوع من الانفعال و هو لايصحّ في حقّ الازل سبحانه و الذي تفهمه العقول عدم جواز نسبة ذلك اليه فلمّا تفضّل عليهم و اراد ان يجدّد النعم و يغمرهم بالخيرات التي فيها حظهم و نجاتهم من غضبه ابان للافئدة سرّ ذلك و تعبّد خلقه بذلك ليلزمهم ما به نجاتهم و فيه صلاحهم فالزمهم بما لايعلمون سرّه و لو لم‌يلزمهم ذلك لم‌يقبلوه و اِنْ طلبوا رضاه لانّهم ينكرونه و لكنّه اَلْزمَهم به لاجل نجاتهم من عذابه فقال انّ الذين يستكبرون عن عبادتي يعني باَلَّايدعوني فاستجيب لهم سيدخلون جَهنّم دٰاخرينَ فلذا قال عليه السلام فسمّيتَ دعاۤءك عبادة و تركه استكباراً و توعّدتَ علي تركه دخولَ جهنّم داخرين الدعاۤء ، و لكنّه لما جرت حكمته بان لايظهر شيئاً الّا مشروحاً مبيّن العلل و الاسباب لتطمَئِنَّ بها اُولوا الالباب الّا اَنّ بيان كلّ شئ في مقامه و رتبته من الوجود كما ان مقتضي الحكمة التاۤمّة راكز في الافئدة التي هي حقيقة المخلوق من فعل ربّه سبحانه و تعالي بيان ذلك و الاشارة الي ذلك في رتبة الافئدة و رتبة ذلك السرّ علي جهة الاقتصار انّ المخلوق لاينتهي الي الخالق و انّما ينتهي الي مثله و المثال المخلوق لهذا السرّ المشار اليه انه لاينتهي المخلوق الّا الي مثله مضافاً الي قول اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبته الموسومة باليتيمة التي لم‌يوجد مثلها قطّ في معرفة اللّه تعالي قال عليه السلام انتهي المخلوق الي مثله و الجأهُ الطلب الي شكلِه۪ السبيل مسدود و الطلب مَرْدود مثل الكتابة التي هي مثل المخلوق تنتهي الي حركة الكاتب لا الي الكاتب بمعني انّك تقطع بانّ هيئات الكتابة من هيئات الحركة فاذا رأيتَ كتابة حسنة علمتَ انّ حركة يد كاتبها معتدلة مستقيمة و ان كانت الكتابة غير حسنة علمتَ بان حركة يد كاتبها غير مستقيمة بل معوجّة مضطربة فدلّتك الكتابة بهيئتها علي حركة يد الكاتب لانها منتهية اليها و لم‌تدلّك الكتابة علي كاتبها بان تعلم اذا وَجدتها حسنة ان كاتبها حسَن اوْ اذا وجدتها قبيحة انه قبيح فقد انتهي المصنوع الي الصنع لا الي الصانع فكان الانفعال المشار اليه في الفعل لانه هو المقبول و المفعول كالمخلوق و الداعي و العامل و الساۤئل هو القابل و غير الافئدة من المشاعر كلّها لاتفهم من معني اذكروني اذكركم و ادعوني استجب لكم الّا ان المنفعل هو الفاعل و هذا باطل و امّا الافئدة فتفهم من معني ذلك انّ المنفعل هو الفعل لا الفاعل لانّ اللّه سبحانه اشهدَها خلق انفسها فتعرف انفسها و ما في رتبتها و ما دون ذلك و لهذا قال صلي اللّه عليه و آله اعرفكم بنفسه اعرفكم بربّه و قال اميرالمؤمنين عليه السلام مَن عرف نفسه فقد عرف ربّه و الفرق بين العبارتين هو الفرق بين النبوّة و الولاية فاذا اردتَ ان تعرف نفسك فاطلب رسالتنا الموضوعة في ذلك و لايوجد ذلك في غيرها ابداً الّا ما اُخِذ منها ،
فاذا عرفت ما ذكرنا فالجواب انه سبحانه بنَي افعالَهُ في عِبَادِه۪ علي التفضّل لغناه المطلق الذي لايتخصّص و كرَمِه۪ المحقّق الذي لاينقص و اجري قدرته علي التجاوز لكمال حاجة الخلق اليه و فقرهم الي لطفه بهم و لتكمل آثار رحمته التي بها خلقهم و انّما خلقهم لمحمد و آله صلّي اللّهُ عليه و آله و امرهم بطاعته المأخوذة عنهم عليهم السلام لانّها لهم و انّما امرهم بان يوقعُوها له تعالي خاۤصة لتصحّ الطاعة فاذا صحّت كانت لهم و شرط صحة الطاعة شيئان احدهما ايقاعها تقرّباً اليه تعالي خاۤصة لايشاركه في ذلك احدٌ و ثانيهما اخذُها و حدودهَا عنهم عليهم السلام كما امروا و حدّدوا مقرونة بالائتمام بهم و التسليم لهم و المحبة لهم و الولاية لهم و لاولياۤئهم لاجلهم و البراۤءة من اعداۤئِهم فاذا فعلها العبد كما امروه قبِلها اللّه تعالي و كانت صحيحة ثابتة و جعلها لاهلها المستحقين لها لانّها دعاۤء لهم و ثناۤء من اللّهِ تعالي علي قوابل عباده عليهم فكان عليهم العوض صلّي اللّه عليهم فلمّا اعطاهم اعمال عباده وجب في الحكمة علي الجواد المطلق ان يجعلها موفّرة عليهم فيحمل سبحانه جزاۤء ذلك عنهم و انما حمل الجزاۤء لاجلهم فكان جزاۤء العاملين من تمام العطيّة لهم عليهم السلام لان الكريم لو ارسل لك بعطيّةٍ عند شخصٍ و قال لك اعط حامل العطيّة اجرة حمله كان ذلك نقصاً في كرمه و تمام كرمه ان يعطيك ايّاها موفّرة بان يعطي اجرة حملها اليك لتصل اليك تاۤمّة و الّا لنقصت باجرة الحمل و لمّا كان ايصال اجرة العاملين متوقّفاً علي استحقاقهم و هم لايستحقون شيئاً كما ذكرنا سابقاً و لو لم‌يعطهم و قد امرهم وجب علي مَن اعطاهم العمل العوضُ للعاملين و لو اعطوا نقصَ كرمه كما سمعتَ فجدّد تفضّله مرةً بعد اخري فجعل ما اعطي العاملين من النعم و الاقدار و التعليم و الاعانة علي طاعته و غير ذلك ممّا لاتتقوم الطاعات و الاعمال الصالحة الّا به كفاءً لتأدية حقّه فنسب عواۤئدها اليهم كما نسب سوابقها اليهم تفضّلاً بعد تفضلٍ فشكرهم علي ما وفّقهم له من السعي لاجل محمد و اهل بيته صلي اللّه عليه و آله بما امدّهم من الانوار و التأييدات و المعارف و العلوم و بنسبتهم اليه بقوله عبادي و من التوفيق لما يرضيه عنهم و برضاه عنهم و قبوله اليسير منهم و جعله كثيراً و بالتجاوز عنهم و العفو و المغفرة لهم و جعلهم اَتباعاً لاولياۤئه المقربين عنده و قرّبهم بقربهم و محبّته لهم و بالثناۤء عليهم مثل قوله تعالي فبشّر عبادي الذين يستمعون القول فيتّبعون احسنه اولۤئك الّذين هدٰيهم اللّه و اولۤئك هم اولوا الالباب و علي السنةِ اولياۤئِه۪ من الاوّلين فان كل رسولٍ و نبي اَثني علي شيعة عليّ عليه السلام بامر اللّهِ تعالي و من الٰاخرين كما اثني الائمة عليهم السلام علي شيعتهم فيما ذكرنا وَ ما لمْ‌نذكر و انّما شكر اللّه سعي شيعتهم بهم و لاجلهم و هو قوله و شكر سعيي بكم ،
و قوله عليه السلام : و غفر ذنبي بشفاعتكم
كما ذكرنا في شرح الزيارة من احاديثهم انّ اللّه تعالي يغفر ذنوبَ محبّيهم علي ما هُمْ عليه فان كانت التبعات للّه تعالي استوهبوه منه فهو لشيعتهم و ان كانت لهم فهو لشيعتهم و ان كانت لاعداۤئهم فهو لشيعتهم و ان كانت لبعض المؤمنين عوّضوهم عنه فهو لشيعتهم فاذا شفعوا قَبِل اللّهُ تعالي شفاعتهم و بغير شفاعتهم يجب في الحكمة اَلّايتجاوزَ ظلم ظالمٍ لانّه مقتضي العدل فيعطي كلّ ذي حقٍّ حَقَّهُ الّا اَنْ يحصل مُرَجّحٌ و ذلك من شفاعتهم بالقَلْبِ بان يحبّوا الشخص فيرضونه فيرضي اللّه عنه فمحبّتهم له شفاعتهم لهُ عِنْدَ اللّهِ وَ مِنْها اَعْمالهم فانّ ذلك المحبّ يهبونه لاجل محبّتهم من فاضلِ اَعْمالهم ما ترجح به موازينه و تكثر حَسناتُه و يدخل بذلِك الجنّة وَ منْها دُعاۤؤهم له كما في الاخبار الكثيرة الواردة و هذه و امثالها من شفاعتهم لشيعتهم ،
و قوله عليه السلام : و اقال عثرتي بمحبّتكم
اَقالَ بمعني فَسخ و نقض و وَافقَ عَلي ما طلب منه وَ العَثْرة الخَط۪يۤئة وَ ذَلك اَنّ من فعل الخطيۤئة لَزِمتْهُ و مَن اَخطَأَ فَقدْ وَقع كالعَاثِر فقَوْلُهُ و اَقالَ عثرتي كما يُقَال اقالَهُ البيعَ الّذي لزِمَ بالعقدِ فاقالَهُ البيعَ اي فسخَ العَقْد الملزم و نقضَهُ و وافقه علي ما طلبَ مِن الفَسخ و اقالَ عَثْرَت۪ي يعني خط۪يۤئَتي الّتي لزمتني مَحاها و فكَّ لُزُومها لي و المعني غفر لي خطيۤئَت۪ي بمحبّتِكم لِاَنّها تكفِّرُ الذُّنُوبَ و تمحوها فيكون الغفران بمقتضي القَابِلِ اَوْ بسَبَبِ مَحبّتِكم فيكون الغفران بمقتضي المُتمّم للقابل و هذا هو الظاهر من الاضافة الي المفعول و لو اعتبرت الاضافة الي الفاعل و ان كان بعيداً عن الظاهر كان الغفران بمقتضي الشفاعة كما اشرنا اليه قبل ،
و قوله عليه السلام : و اعلي كعبي بموالاتكم
الكعب ما عَلا و ارتفع و اعلي كعبي كناية عن الشرف و الرفعة يعني ما ارتفع من مقامي اوْ ما من شانه الارتفاع مني اعلاه الله بموالاتكم و هو دعاۤء منه و سؤال من اللّهِ بان يرفع ما انحطّ من قدرِه۪ بسبب تقصيره اَوْ قُصُورِه بموالاتهم فانّ موالاتهم تتمّ ما نقص من الاعمال و تقوم مقامَ ما فُقِدَ منها فان موالاتهم اقلّها المحبّة بالقلب و اللّسان و الولاية كذلك يعني بالقلب و اللّسان و هذا كافٍ في اعلاۤءِ الكعب اذا لم‌يحصل ما ينافيهما لان المحبّة الصّدق و الموالاة الحق ان يطابق القول العمل و القلب اللسان فاذا خالَف القلبُ اللسان بان اقرّ بولايتهم و انكرها بقلبه فقد خرج عن ربقة الايمان ان كان جاهلاً بما انكر و اقر و عن ربقة الاسلام ان كان عالماً و اذا خالف القولُ العمل بان يقرّ بلسانه و لايعمل فان طابق حينئذٍ قلبُه لسانه فذلك الذي قلنا انه كافٍ في اعلاۤء الكعب و ان كان كلّ شئٍ بحسبه و ان خالف القلبُ اللسان فكالفرض الاوّل يعني كان عن جهل فليس بمؤمنٍ و ان كان عن معرفةٍ فليس بمسلمٍ فان تطابقت حصل الكمال فصاحبها شافع لا مستشفع فيه و ان خالفهما القلبُ فعلي التفصيل المتقدّم و ان خالفهما العمل بان اقرّ اللسان بالموالاة و طابقه القلب فالكافي المشار اليه و ان خالفهما اللسان فعن الجهل مرجيً لامر اللّه و عن العلم فللتقيّة لا بأس و لغير التقية هل يكون ارْتداداً ام لا و العلم قد يَكونُ عن بصيرة و قد يَكونُ عَنْ غيرِ بص۪يرةٍ فاذا كان العلم عن بصيرة يعني اَنّ لسانه انكر الولاية من بعد ما تبيّن له الهدي لغيرِ تقيّةٍ و قلبه مستيقن لها و يعمل بعمل اهل الحقّ فالاقرب انّه ارتداد لقوله تعالي و لعنوا بما قالوا ، و امّا كون قلبه مستيقِناً فلايفيده كما قال تعالي و جحدوا بها و استيقنتْها انفسهم ظلماً و علوّاً علي ان الكافر و المشرك و المُنَافق اذا لم‌يستيقن حقّيّة ما دُعِي اليه لم‌تقم عليه الحجّة ان اللّه تعالي يقول و مَاكان اللّه ليُضِلّ قوماً بعدَ اِذْ هَدٰيهُمْ حتي يُبَيِّنَ لهم ما يتّقون و قال وَ مَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُول مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهدي فاذا لم‌يستَيْقِنْ حقّيّةَ ما دُعِي اليه بقي الحكم عليه موقوفاً الَي يَوْم القيمة حتّي يُجَدِّدَ لَهُ التكليف و تَسْتقرّ الحكم عليه بعد ما يتبيّن له الحَقُّ ،
و قوله عليه السلام : و شرّفني بطاعتكم
دعاۤء منه بِاَنْ يشرّفه بطاعتهم بِاَنْ يُوَفِّقَه و يُعينه علي طاعتهم فانّها هي طاعة اللّه تعالي و فيها شرف الدنيا و الٰاخرة و هي مقولةٌ علي جميع مراتب الاعتقادات الحقّة و الاقوال الصّادِقة و الاعمال الصحيحة بِالتّشك۪يك في كل واحدةٍ من هذه الثلاث و في كلّ جزئيّ من كلٍّ منها و المسئول منها المطلق اَوْ مَا يَحْصُل به التشريف لا اَعْلَي مراتبها فانّ سؤال ذلك محرّم علي كلّ مَنْ سواهم اِذْ لايَنال اَعْلَي طاعتِهم احدٌ غيرهم من جميع الخلق و جَعْلُ اَعْلَي ما يمكن منها طاعةً لاحَدِهمْ لايلزم منه كونُ الوٰاحِدِ طاۤئِعاً مُطَاعاً لانّ المرادَ بهذه الطّاعة بالنسبة اليهم طاعةُ محمدٍ صلّي اللّهُ عليه و آله فانّها واجِبَةٌ عليهم ثم من دونه علي عليه السلام فان طاعته واجبةٌ عليهم ثم من سابقٍ علي لاحقٍ او انّها واجبةٌ عليهم من حيث انّها طاعة اللّه تعالي او انّما وجبت عليهم طاعةُ اللّهِ تعالي وَ اِنْ قُلْنَا بالاِتّحَادِ اَوْ انّما تتحقّقُ فيهم او بهم او عنهم فلذلك اُسْندت اليهم فافهم ،
قوله عليه السلام : و اعَزّني بهُدٰيكم
يعني اَعزّني اللّه اي ايّدني و قوّاني و رفع خَسيٰسَت۪ي و دفع ذلّي بهدٰيكم و هو دعاۤء منه للّه تعالي كما انعم عَلَيَّ باَن اعزّني و رفعني عن ذلّ الكفر و النّفاق و الجهل الي عزّ الاسلام و الايمان و العلم بكم اي ببركة وُجُودِكم و هُدٰيكم فاسألُه اَنْ يُعِزَّني و يرفعَني عن ذُلِّ المَعْصِيَةِ الَي عِزّ الطّاعة بهُدٰيكم و هدٰيهُم هو ما اسَّسوا من قواعد الدين باذن اللّهِ تعالي وَ اَمْرِه۪ و بَيّنوا احكامه و عرّفوا المعارف و الاعتقاد و ابانوا ما اراد اللّه تعالي من جميع العباد من الاعتقادات و العلوم و الفراۤئض و النوافل و الٰاداب و ما اعانوا عليه مَن مال اليهم و اقتدي بهم و سلم لهم و رَدّ اليهم من التسديدات و الايراد حياض الرشاد و الدعاۤء الذي لايحجب عن ربِّ العباد فسأل اللّه سبحانه ان يعزّه و يقوِّيهُ و يرفع خس۪يسَته بالتوفيق للقيام بواجب مقتضي هدٰيهم و يعينَهُ علي تحمّلِ ما ارادَ منه تحمّلَهُ و القيام بواجبه و ندبه ليجعله بذلك عزيزاً بعد ذلّ الجهل و التقصير و هو سبحانه علي كل شئ قدير .
قال عليه السلام : و جعلني ممّن انقلبَ مفلحاً منجحاً غانماً سالماً معافيً غنِيّاً فاۤئزاً برضوان اللّٰه و فضله و كفايته
قال الشارح المجلسي (ره‌) و جَعلني ممّن انقلَبَ بالماضي اي رجع مَع الفلاح من السلامة من النار و الفوز بالجنّة غانماً بالغنيمة الصوريّة و المعنويّة انتهي .
قوله ممّن انْقلبَ اي الي اهله من زيارتكم مسروراً مُفلِحاً اي ظافراً بمطلوبه من صلاح الدارَين و سعادة النشأتين و الفلح محرّكةً الفوز و النجاة و البقاۤء في الخير اي اجعلني من نوع الذي انقلَب من زيارتكم فاۤئزاً بما طلب في رجاۤئه او بزيارتكم او فيكم من طول العمر و دوام اليسر ناجياً من الاخترام و من البلايا و الفقر و من سوۤء المنقلب بميتة السوۤء و من سوء المرجع في القبور و من الندامة يوم القيٰمة باقياً في الخيرات الابديّة و السعادة السرمديّة منجحاً هو مرادف لقوله مفلحاً او انّ النجاح امكن في الظفر بالمطلوب بان يكون الفلاح الظفر بالمطلوب و الوصول اليه و النجاح الاستقلال به و الحيازة له الموجبة للأمن من فواته و لهذا يؤخّر النجاح في الذكر عن الفلاح لان الفلاح كالمقدمة له اَوْ كاوّلِ ادراكِ المطلوب اَوْ انّ الفلاح مطلق الظفر بالمطلوب و النجاح تَنَجُّزُهُ بسرعةٍ من قولهم استنجحتُ الحاجة اي تَنجّزتُها غانِماً اي كاسِباً للفاۤئدة المطلوبة لاهل الدارين و للغنيمة العظيمة مدركاً بما تقرّ به العين سالماً من تغيّر نعم الدنيا و الدين و وقوع النّقم بسبب الذنوب فانّي اسأل اللّهَ ان يغفرَها لي بمحبّتكم و ولايتكم و البراۤءة من اعداۤئكم مُعَافيً ان شاۤء اللّه تعالي من وقوع الفِتَن و الاختبار و الابتلاۤء و التمحيص و التمييز و البلبلة و السَّوط فانّ كثيراً من المكلّفين اذا لم‌يُعَافَ من الاختبار و الفتنة انقلبَ و تغيّرَ عن طريق الهدي الي الضلالةِ و لو عافاه اللّهُ ربَّما آلَ امرُه الي الخير هذا في ظاهر الامر و الاحاديث داۤلّة علي انه لايكون احدٌ من هؤلاۤء من اُولۤئك و لا احدٌ من اولۤئك من هؤلاۤء فالاختبار و البلبلة و الفتنة اِنّما تقع بمن كان في اصل اجابته في الخلق الاوّل من اهل القلا ممن خلقوا للنّار فلمّا كانوا في الخلق الثاني اصابَهُم لطخ من اهل الجنّة و عاشوا شطراً من اعمارهم بين ظَهْرَانَيْهِم و ظهر اثر لطخ اهل الايمان علي ظواهر اقوالهم و اعمالهم و يأبَي اللّه ان يجعلهم في المؤمنين فيختبرهم بما لايعلمون و يفتنهم بما لايعرفون حتي يستقرّ امرهم علي طبق حقيقتهم و ينقلب الي ما يسّر له من شأن بدئه في علم الغيب و ربّما تكون حقيقته طاهرة و لكن غلب عليه مقتضيات اللطخ بحيث يكون علي تمام المشابهة بمن لطخوه من طينتهم في الاعتقاد مثلاً بحيث لو اختبر غلبت الطّينة الثانية علي الاولي و ان كانت ليست سابقةً و لا ذاتيّة و الاولي ضعيفةٌ لعدم استمدادِها من اَعْماله لانّها لاتستمد الّا من الاعمال الصّالحة و اغلب اعماله بمقتضي الثانية فاذا عوفي من البلايَا و الفِتَن ربّما قويت الاولي بسبب العافية لانّ مقتضي الفتنة غالباً يكون مقوّياً للثانية لما بينهما من الموافقة و ذلك لان اللطخ الثاني موافق للنفس الامّارة و الفتنَةِ موافقةٌ لها لانّها باعثةٌ للانّيّة علي التشخّص و التعيّن اللذين هما اصل الامّارة و فرعها فتكون العافية من الفتنةِ منافيةً للامّارة لانّها لاتبعثُها علي ما يقوّي الانيّة و ربّما لو اختبر هَجر الاولي بالكليّة و لا ريب انّه اذا مات مُعَافيً و كان ممن لم‌يمحض الايمان محضاً اُخِّرَ حِسَابه الي يوم القيمة فاذا كان يوم القيمة حُوسِبَ و يكون اهون حالاً ممّن اختبر قبل موته لانّ الموت له نوع تقرير للصفة التي يموت عليها امّا في الماحض فالموجب للتقرير هو الموت و امّا في غيره فالعافية في الدنيا لطفٌ من اللّه به فيكون الموتُ له غالباً مقرِّراً و ان جدّد له التكليف يوم القيمة و اليه الاشارة بقوله تعالي و جاۤءَت سكرةُ الموت بالحقّ و هذا اشارة و تلويح لانّ البيان يحتاج الي تطويل لدقّة مسلكه غنياً اي بكثرة الحسنات كما في دُعاۤءِ غسل اليد اليمني في الوضوءِ في قوله و الخلد في الجنان بيَساري بفتح الياۤء المثنّاة بعد حرف الجر اي اعطني كتابي بيميني و براۤءة الخلد بيساري اي بكثرة حسناتي علي احَدِ الوجهين و مثله ما في العيون عن ابي‌الحسن الرضا عليه السلام قال انّ امّ‌سليمن بن داود عليهما السلام قالت لابنها سليمن يا بني ايّاك و كثرة النوم بالليل فانّ كثرة النوم بالليل يدع الرجل فقيراً يوم القيمة ه‍ ، يعني لقلّة الحسنات فهو سأل اللّه تعالي اَنْ يقلبه من زيارتهم غنِيّاً لكثرة حَسَناتِه۪ ممّا كتب له لاجل زيارتِهمْ و يحتمل ان يكون المراد غَنِيّاً من جهةِ كثرة الرِّزْقِ لانّ زيارتهم المقبولة تزيد في العمر و الرزق و كذا
قوله عليه السلام : فاۤيزاً برضوانِ اللّٰهِ و فضلِه۪ و كفايته ،
يعني ظافراً برضوانِ الله علَيَّ بمحبّتكم و ولايتكم فان رضاكم رِضَي اللّهِ عز و جلّ و من رضيتم عنه فقد انقلبَ برضوانِ اللّهِ عنه في الدنيا و الٰاخرة او فقد ظفر باعلي مراتب الجنان و هو الرضوان فانه نهاية نعيم اهل الجنة فان اَهْل الجنّةِ يأول نعيمهم الي رضوان الله و لا غاية له و لا نهاية فدعا اللّه بحقّهم عليه ان يبلّغه رضوانه بما اوجب تعالي علي نفسه لمن زاره فطلب حقّ الزّيارة من اللّه تعالي لانه تعالي اخبر علي اَلْسنَةِ اولياۤئه انّ مَن زار ولياً له فكأنّما زاره في عرشِه و للزاۤئر حقّ علي المزور فدعا اللّه عَزّ و جَلّ بان يجعله فاۤئزاً برضوانه و فضله من جميع نعم الدنيا و الٰاخرة اذْ كُلُّها تَفَضُّلٌ و بكفايته باَنْ يدبّره في مصالح دنياه و آخِرته فانّ الزاۤئر لمٰا اطاع اللّه سبحانه فيما نَدبَ اليه عَلَي اَلْسنَةِ اولياۤئه من فضل زيارة اولياۤئه و ما وَعَدَ علي نفسِه۪ لمن زارهم فقد توكّل عليه سبحانه و من توكّل عليه كفاه فاراد بدعاۤئه الّايَكِله الي نفسه طرفة عينٍ ابداً لا في شي‌ء من امرِ الدنيا و لا الٰاخرة .
قال عليه السلام : بافضل ما ينقلب به احدٌ من زوّاركم و مواليكم و محبّيكم و شيعتكم
بافضل متعلّق بانقلَبَ يعني جعلني الله من نوع الزاۤئر الذي انقلب الي اهله من زيارتكم بافضل ما ينقلب به احدٌ من زوّاركم الذين قصدوا زيارتكم من بُعدٍ او قربٍ سواۤء كانوا من مواليكم ام من محبّيكم ام من شيعتكم ام لا لجواز ان يأتيهم لزيارتهم مَنْ ليس من المذكورين بل قد يكون من موالي مواليهم او من موالي محبّيهم او شيعتهم او من محبّي مواليهم او محبّي محبّيهم او محبّي شيعتهم فان هؤلاۤء و ان كانوا اضعف الّا انّهم يقع منهم حال الزيارة اعتقادٌ او ازراۤء من بعض الزاۤئرين او المحبّين و تنكسر قلوبهم بذلك الازراۤء فيقبل منهم عملهم افضل من الذين ازرَوْا عليهم او انّ عطف مواليكم عطف تفسيري يعني من زوّارِكم من مواليكم و محبّيكم و شيعتكم و قد يراد بافضل ما ينقلبُ به احدٌ من زُوّارِكم من اجر زيارتكم و محبّيكم من اجر محبّتِكم و شيعتِكم من اجر متابعتهم لكم و تسليمهم لكم و موالاتهم لكم و البراۤءة من اعداۤئكم و المراد من ذلك كله اجعلني من نوع مَن انقلَبَ بافضل ما ينقلب به احدٌ من الخلق بخير من خيرات الدّنيا و الٰاخرة كنتم سببَهُ و منشأه و مبدءَهُ و مأوٰيهُ و منتهاه و اتي بانقلبَ بصيغة الماضي في الدعاۤء للتّحقّق اعتماداً و ثقة في الرجاۤء في اللّه تعالي و فيهم عليهم السلام و في زيارتهم و اتي بالمضارع في قوله بافضل ما ينقلب به احدٌ للسؤال لما يتجدّد من العطايا من اللّه تعالي بهم عليهم السلام لزوّارهم و محبّيهم و شيعتهم علي استقبال الاوقات يعني انقلبتُ باللّه تعالي من زيارتهم الي اهلي كواحدٍ من نوع مَن انقلبَ من زيارتهم باللّه تعالي الي اهله بافضل ما ينقلب به الوُفّاد عليهم عليهم السلام من العطايا و التّحف الظاهرة و الباطنة للدنيا و الٰاخرة من زوّارهم و محبّيهم و شيعتهم الي يوم القيمة او الي قيامهم و رجعتهم عليهم السلام .
قال عليه السلام : و رزقني اللّٰه العود ثمّ العود ابداً ما ابقاني ربّي بنيّة صادقة و ايمان و تقوي و اِخباتٍ و رزقٍ واسعٍ حلالٍ طيّبٍ
قال الشارح المجلسي (ره‌) بنيّةٍ صادقةٍ متعلق بالعود او بابقاۤئي و اخباتٍ اي خضوع تام انتهي .
قوله و رزقني اللّه دعاۤء بان يرزقَه و يوفّقه لاَنْ يعود لزيارتهم ثمّ يعود ثم يعود ابداً اي داۤئماً ما ابقاه في الدنيا بحيث لايكون جافياً لهم عليهم السلام بتركِ زيارتهم و يكون الباعث الي زيارتهم النيّة الصادقة بان يكون الباعث علي ذلك طاعة اللّه تعالي و صلة نبيّه صلّي اللّه عليه و آله و صلة اهل بيته عليهم السلام متقرّباً بذلك الي اللّهِ تعالي باَنْ يكون عوده لزيارتهم مصاحِباً للنيّة الصّادقةِ من القلب و الايمان و التقوي و الاخبات خاضعاً خاشعاً للّهِ تعالي ثم لهم منقاداً مسلِّماً مفوّضاً غير متردّدٍ و لا مشكّكٍ و لا مرتاب في شئٍ ممّا نُدِبَ اليه و لرزقٍ واسعٍ حلالٍ طيّبٍ يكون زاداً للسفر الي زيارتهم ليكون زاداً للسفر الي الٰاخرة و الحلال الطيب له عند اهل الشرع عليهم السلام اطلاقان يطلقونه و يريدون به ما هو في نفس الامر كذلك و هذا قوتُ النبيين و المرسلين و الائمة صلي اللّه علي محمد و آله و عليهم فالداعي من غيرهم للرزق يحرم عليه طلب ذلك لانّه هو الحلال و غيره قد يكون حلالاً علي ساۤئر الناس و هو عليهم حرام فاذا قُصِدَ الحلال الواقعي لا غيره كان طالباً لرتبة النبيين و ذلك ممنوع بخلاف ما لو قصد الرزق الحلال شرعاً و هو الواقعي التّشريعي بمعني ما حكم الشرع بحلّيّته في ظاهره و هو الاطلاق الثاني فانه لا بأس به بل مندوب اليه فالاول هو كالحكم الواقعي الوجودي لايكلّف به الّا من كان معصوماً و لايجوز له المصير الي الواقعي التشريعي الّا بالتوقيف من الوحي الخاۤص من قبل اللّهِ تعالي لمصالح تُرَجِّحُه علي الواقعي الوجودي بعد الاطلاع عليه و الثاني هو كالحكم الواقعي التشريعي فانّه حكم مَن لم‌يكن معصوماً فالرزق الحلال الطّيّبُ الواقعي لايصلحُ طلبه لغير المعصوم لانّه طَلبٌ لِرُتْبتِهم و الرزق الحلال الطّيّب التّشريعي هو ما حكم في ظاهر الشّرع بكونه۪ حَلالاً و الفرق بين الطّلب المنهي عنه و الطّلب المندوب اليه اَن يطلب الحَلال الواقعي الوجودي لا غير فهذا لغير المعصوم عليه السلام منهيّ عنه اذا قصده لا غير فانّه حينئذٍ طالبٌ لما اختصَّ به اَهْلُ العِصْمةِ و هو مُحَرَّمٌ و الثاني اَنْ يطلب الحَلال سواۤء كان خصوص ما حُكْم الشَّرْعِ بكَوْنه۪ حَلالاً في الظّاهر ام مطلقاً مِنْ دُونِ تعيينِ خصوصِ الوُجودي فلا بأس به لانّا لانمنع منه لو اتّفقَ و انّما المنهي عنه طلب الخاص و في الكافي بسنده الي البزنط۪ي قال قلتُ لابي‌الحسن عليه السلام جعلتُ فداك ادع اللّه عز و جل ان يرزقني الحلال فقال اتدري ما الحلال فقلتُ جُعِلت فداك امّا الّذي عندنا فالكسب الطّيّب قال كان علي بن الحسين عليهما السلام يقول الحلال قوتُ المُصْطَفَيْنَ و لكن قل اسألُكَ من رزقك الواسع و فيه بسنده الي معمر بن خلّاد عن ابي‌الحسن عليه السلام قال نظر ابوجعفر عليه السلام الي رجل و هو يقول اللهم انّي اَسْألُكَ من رزقك الحلال فقال ابوجعفر عليه السلام سألتَ قوتَ النّبيّين قل اللّهمّ انّي اسألُكَ رزقاً واسِعاً طيّباً من رزقِكَ ه‍ ، و ظاهر هاتين الروايتين النّهي عن طلب الحلال الخاص و قال بعض العلماۤء لاينبغي ذلك و ظاهر عبارته مرجوحيّته و في كتاب الوافي للملا محسن هكذا بيان لمّا كان للحلالِ مراتب بعضُها اعلي من بعضٍ و اطيب جاز الامر بطلبه تارةً و النهي اخري و يختلف ايضاً بحسب مراتب الناس في اهليّتهم له و لطلبه فلا تنافي بين الاخبار ه‍ ، و فيه في باب طلب الرزق بالدعاۤء و القرءان قال بيان التعقيب الدعاۤء بعقب الصلوة و قد مضي في كتاب الصلوة صلوات و دعوات و قراءات لطلب الرزق و انه ينبغي ان يطلب الرزق الواسع الطيب دون الحلال لان الحلال قوت النبيين و المصطفَيْن انتهي ، و ظاهر الروايتين و الكلام المذكور من عباراتهم كراهة الدعاۤء بقصد الحلال الخاص و الذي يشير اليه الادلّة ببواطنها هو التحريم لانّه طلب ما يختصّ به المعصومون عليهم السلام و هو تعدّي الحدّ العاۤمّ و ما ورد من جواز الطلب و مشاركة المعصومين (ع‌) للمؤمنين فمن الاول ما ذكر في هذا الوداع الذي نحن بصدده و ما في الكافي بسنده الي ابن‌عمار قال سألتُ اباعبداللّه عليه السلام ان يعلّمني دعاۤء للرزق فعلّمني دعاۤء ما رأيتُ اجلبَ للرزق منه قال قل اللهم ارزقني من فضلك الواسع الحلال الطيب رزقاً واسعاً حلالاً طيّباً بلاغاً للدنيا و الٰاخرة صبّاً صبّاً هنيۤئاً مريۤئاً من غير كدّ و لا مَنٍّ من احدٍ من خلقِك الّا سعةً من فضلِك الواسع فانّك قلتَ و اسئلوا اللّه من فضله فمن فضلِك اسأل و من عطيّتِك اسأل و مِنْ يدك المَلْأٰ اسأل ه‍ ، و هذا لاينافي عدم جواز طلب الخاص لانّ المراد به العاۤم و من الثاني ما في مجمع الجوامع عن النبي صلّي اللّه عليه و آله انّ اللّه طيّب لايقبل الّا طيّباً و انّه امر المؤمنين بما امر به المرسلين فقال يا ايّها الرسل كلوا من الطيبات و قال يا ايها الذين آمنوا كلوا من طيّبات ما رزقناكم ه‍ ، و المراد به العام و ليس ما امر به المؤمنين من الطيّب الخاص بل منَ العاۤم و ما ذكرنا من انّ ما يختصّ باهل العصمة عليهم السلام لايجوز لغيرهم طلبُهُ و الّا لم‌يكن مختصّاً لا اشْكال فيه و توقّف مَن توقّف انّما هو في ان هذا اعني الحلال هل هو مختصّ ام لا و الاخبار كما سمعتَ .
قال عليه السلام : اللهم لاتجعله آخر العهدِ من زيارتهم و ذكرهم و الصلوة عليهم و اوجب لي المغفرة و الرحمة و الخير و البركة و الفوز و النور و الايمان و حسن الاجابة كما اوجبتَ لاولياۤئك العارفين بحقّهم الموجبين طاعتهم الراغبين في زيارتهم المتقربين اليك و اليهم
اقول سؤاله يمكن تصحيح اجابته ابداً كما تقدّم و الاعتراض ان يقال اذا جاز اجابته في كل مرّة يجب ان لايموت الي يوم البعث لِتتّصل زيارته بالٰاخرة التي لا انقطاع لها و لا نفاد و قد قامت الادلّة القطعيّة علي انه يموت فيجب ان يكون بعد الزيارة التي مات بعدها في وداعها لم‌يستجَب دعاۤؤه و الجواب ان الوداع الذي توفي بعده يجوز انه استجيب له و لايكون آخر العهد بل يجوز ذلك و يزورهم في البرزخ و يوم القيمة يزورهم في الجنة او يكتب له اجر الاستجابة بان يجمع بينهم في الجنّة و قوله عليه السلام و ذكرهم يعني في الزيارة باسماۤئِهم و كناهم و اَلْقابِهمْ و صفاتهم و في الدعاۤء بحقّهم و في ذكر اللّه سبحانه باسماۤئِه فانّهم اسماۤؤه فمن ذكر اللّه فقد ذكرهم و قد تقدم في الزيارة مَن اراد اللّهَ بَدَء بكم و كذا قوله (ع‌) و الصلوة عليهم بظاهر الصلوة مثل اللهم صل علي محمّد و ال‌محمّد و بباطنها مثل جميع ما ذكر اللّه به من كلّ ذكر فانه عند من عرفهم يكون كلّ ذكرٍ لِلّهِ تعالي فهو ثناۤء عليهم كما ورد في حقّ الملاۤئكة في قوله تعالي انّ اللّه و ملاۤئكته يصلّون علي النبي صلي اللّه عليه و آله ما معناه قيل له عليه السلام اذا كانت الملاۤئكة كما ذكرهم اللّه يسبّحون الليل و النهار لايَفْترون فمتي يصلّون علي النبي (ص‌) فقال عليه السلام ان اللّه سبحانه لمّا امرهم بالصلوة عليه اوحي الي الملاۤئكة اَن نقّصوا من تسبيحي وَ تهليلي و تمجيدي بقدر صلاتكم علي محمد و ال‌محمد صلي اللّه عليه و آله فاذا قال اللهمّ صلّ علي محمد و ال‌محمد فقَدْ سَبّح اللّهَ و هَلَّلَهُ و مجّدَهُ فَمَعْنَي الصَّلَوة عَلَي مُحَمد وَ آل‌محمد تسبيحُ اللّهِ وَ تكبيره و تهليله و تحميده و تمجيده و الثناۤء عليه باكمل اسماۤئه و صفاتِه۪ و معني تسبيح اللّه و تكبيره و تهليله و تحميده و تمجيده و الثناۤء عليه باكمل اسماۤئه و صفاته اللهم صلّ علي محمد و ال‌محمد و في معاني الاخبار بسنده الي موسي بن جعفر قال قال الصّادق جعفر بن محمد عليهم السلام من صلّي علي رسول اللّه صلّي اللّهُ عليه و آله اني انا علي الميثاق و الوفاۤءِ الَّذ۪ي قبِلتُ حين قوله اَلَستُ بربّكم قالوا بَلي ه‍ ، و معني قوله لاجعله اللّه الخ لااخلاني في كلّ احوالي من ذلك في الدنيا و الٰاخرة بظواهرها و بواطنها و اوجب لي الخ اي اوجب لي مغفرة ذنوبي و سيّئاتي و جميع تقصيراتي بما تفضّل عَليّ من ولايتهم و محبّتهم و وفّقني له من زيارتهم و ذكرهم و الصلوة عليهم و ادخالي في رحمته الواسعة التي هي ولايتهم و محبّتهم و البراۤءة من اعداۤئهم و افاضةَ خيرِه۪ و بركته في احوال مَبدئي و معادي و حصول الفوز لي بما فاز به ببركتهم عباده الصالحونَ و بثّ النّور في غيبي و شهادتي بهم من آثار ولايتهم و محبّتهم و كتابة الايمان في قلبي بروح منه بواسطتهم و توفيقي لحسن اجابته بهم و اجابتهم بهدايته تعالي و معني قوله كما اوجبتَ الخ انّك يا متفضِّل اوجبتَ لاولياۤئِك الذين والَوا ف۪يك اولياۤئك و اولياۤئَهُمْ اجابةً لامرك العارفين بحقّهم بما دللتهم عليه من معرفتهم و معرفة حقّهم فانّك قد وصفتَ نفسك لهُمْ بذلِكَ فعَرفوك بمعرفتهم و عرفوا حقّك بمعرفةِ حَقّهم و الموجبين لطاعتك بايجاب طاعتهم الراغبين في زيارتهم بما رغّبتهم فيها و ندبتهم اليها طمعاً في وعدك المتقرّبين اليك بطاعتهم و محبّتهم و ولايتهم و اليهم باجابتك و طاعتك فيما امرتنا به من ايجاب حقّهم و اجلالِهم و احلالهم المحلّ الرفيع الذي احللتَهُمْ فيه فجعلتَهم وجهَك الّذي يتوجّه اليه مَن قصدك و بابَك الذي تؤتَي منه و طريقك الموصِل اليك و سبيلك القصد المستقيمَ .
قال عليه السلام : بابي انتم و امّي و نفسي و اهلي و مالي اجعلوني في همّكم و صيّروني في حزبكم و ادخلوني في شفاعتكم و اذكروني عند ربكم
اقول قد تقدّم الكلام في شرح الزيارة علي قوله بابي انتم و امّي الخ ، يعني اَفْد۪يكم بابي و امّي و نفسي و اَهْلي و مالي مما تكرهون و هو دعاۤء منه و يجوز اَنْ يكون اِخْباراً اجْعَلوني في همّكم اي فيمن تعتَنُونَ به و تهتمّونَ به ممّن يكون علي بالكم في الدعاۤء و الامداد بالتّوفيق لما يُحبّ اللّه عز و جل و تحبّون من جميع ما تريدون منّي مما اَراده اللّهُ منّي بواسطتكم و في الشّفاعة لي عند ربّكم في ذنوبي و ايرادي الحوض في الدنيا و الٰاخرة و سَقْيي منه بكأسهم ( بكأسكم ظ ) و اِصْدَار۪ي رَيّاناً و اِدْخالي الجنّة سالماً بشفاعتكم و جاهِكم عند اللّهِ تعالي و قوله و صيّروني في حِزْبِكم اجعلوني في المتوالين بِكم المُط۪يعين للّهِ و لكم المحبين لكم المُبْغِض۪ين لِاَعْداۤئِكم و لاَوْلياۤئِهمْ اي انقلوني من حالة العموم الي حالةِ الخصوص من طاۤئفَتِكم و حزبِكم و جُنْدِكم الاَغْلَبِ و قوله و ادخلوني في شفاعتكم اي اجعلوني في جملة مَن تشفعونَ له مِنْ عُصَاةِ مُحبّيكم وَ مَوَاليكم المعتمدين عَلَي حبّكم الراجين شفاعتكم وَ اذْكُرون۪ي عِنْدَ ربّكم اي اذكُرُوني في الشَّفَاعة بخُصوصي بِاسْم۪ي و اسْم اَب۪ي عندَ ربّكم لِتَخُصّوني بوجهٍ خاۤصٍّ بي منْ جاهِكم لانال الفَوْزَ ببركتكم و جاهكم عند اللّه سبحانه .
قال عليه السلام : اللّهمّ صلّ علي محمّد و آل‌محمّد و ابلغ ارواحهم و اجسادهم منّي السلام و السلام عليه و عليهم و رحمة اللّٰه و بركاته و صلي اللّٰه علي محمّد و آله و سلّم كثيراً و حسبنا اللّٰهُ وَ نعْمَ الوكيل
اقول قد تقدّم الكلام في بيان الصلوة علي محمد و آل‌محمد صلي اللّه عليه و آله و امّا اللّهم فالمراد منه اللّه و هو مناديً اُلْحِقَ بالميم المشدّدة لطلب اقبال المدعوّ ليُسْأل منه المطلوب فاَفادت الميم المشدّدة شيئَيْن احدهما طلب الاقبال فاغنت عن حرف النداۤء لافادته مفادَهُ و ثانيهما الدلالة علي ان الطلب للسؤال منه حاجة الساۤئِل فاللهم مفيد فاۤئدة يا اللّه اَطلبُ منك حاجتي و هي كذا و يا اللّه انّما يفيد طلب الاقبال عليه و التوجّه اليه من غير افادة السؤال و لهذا يترجّح اللهم في ارادة المبالغة في الدّعاۤء علي يا اللّهُ و حذفت يا تخفيفاً بعد وجود ما يفيد مفادَها و ادخالها مع الميم المشدّدة قليل في الاستعمال فانّهم انما حذفوها تخفيفاً و كراهةً للجمع بين العوض و المعوّض و لقلّة فاۤئدتها لوجود فاۤئدتها في الميم و لاتوجد فاۤئدة الميم فيها و من اتي بها كما في قول الشاعر :
اني اذا ما حدثٌ اَلَمّا       ** * **      اقولُ يَا اللّهمّ يا اللّهُمَّا
قصدَ التأكيد في ارادة التوجه و الاقبال و لضرورة الشعر و لانه جمع بين يا و بين الميم بلحاظين بلحاظ الابتداۤء اَتي بيا و بلحاظ الدعاۤء اتي بالميم و قولي قليل في الاستعمال انه قياسي و لكن لاجل التخفيف غلب في الاستعمال الحذف و ليس فيه في الحقيقة جمع بين العوض و المعوّض لانّ الميم لم‌يؤتَ بها للعوض عن يا و انّما اتي بها للمبالغة في طلب الاقبال و التنبيه عليها قبل ذكرها و لكنّها لمّا افادت فاۤئدة و هو طلب الاقبال و توجّه المدعوّ للدعاۤء استغنوا عنها طلباً للتخفيف و انّما قطعت الهمزة في يا اللّه لانّها و ان كانت علي الصحيح انها همزة وصل و لكنها للزومها للاسم طلباً لملازمة التعريف ليلحق بالاعلام بل هو اسم علم بالتغليب كما قال الصادق عليه السلام في تفسير بسم اللّه الرحمن الرحيم و اللّه علم علي الذّات الواجب الوجود الحديث ، كانت كالاصلية فعوملت معاملة همزة القطع لاجل لزومها و لاجل اَنّ استعمالها بصورة القطع ابلغ في الدعاۤء و طلب الاقبال من المدعوّ و توجّهه للداعي و هذا الوجه اوجه من غيره و لاجل هذا كانت توصل في غير النداۤء مثل باللّه و من اللّهِ و الي اللّهِ مع مراعاة الملازمة للتعريف و انّما وصلها الشاعر لضرورة الشعر ،
و قوله عليه السلام : و ابلغ ارواحهم
اي اَوْصِل ارواحهم و اجسادهم سَلامي و الارواح جمع روح بضم الراۤء سُمِّيت بذلك لمجانستها للريح في اللطافة كما قال الباقر عليه السلام لمحمد بن مسلم حين سأله ما هذا النفخ في قوله تعالي و نفختُ فيه من روحي و ما ورد عنهم عليهم السلام انّ روحهم واحدة لاينافي الجمع هنا لانّ الجمع باعتبار كل فرد منهم و الافراد باعتبار عدم الاختلاف و التغاير فيها لان جميع ارواحهم من حقيقة واحدة هذا في الشهادة و في الغيب انما هي واحدة كانت هناك واحدة من متعدّدين هنا كما كانت صورة المرئيّ الواقعة عليه من عيني الراۤئي واحدة من صورتين كل عين فيها صورة غير الاخري فَاِنّكَ اذا نظرتَ و قابلتَ المرئي انطبعت صورته في كلّ عينٍ فكانت فيك اي في عينيك صورتان فان شخّصتَ في المرئي اي تحقّقتَ الرؤية و الادراك انطبقتا عليه و ان لم‌تشخّص رأيته اثنين فكذلك هم في الاجساد متعدّدون كصورتي المرئي الواحد في عينيك و هم في الغيب متّحِدُون كالواقع علي المرئيّ من عينيك ،
و اعلم ان الروح قد اختلف العلماۤء في معرفة حَق۪يقتها اختلافاً كثيراً ربّما عدّاها بعضهم الي اربعَة‌عشر قولاً او اكثر و الحق انّها جسم مجرّد و لونها اصفر و شكلها المعنوي صورة قاۤئم الزاوية هكذا و صورتها قبل التكليف بالستُ بربّكم كهيئة ورق الٰاس هكذا و لهذا ورد في اخبار اهل العصمة عليهم السلام تسميتها بورق الٰاس و بالاظلّة و هي في الغيبي للانسان كالمضغة في الوجود الجسماني شكلاً و رتبةً فالدعاوَي هنا خَمْسٌ اُش۪ير لك الي بيانها علي جهة الاختصار من غير ذكر الدليل علي كلّ دعوي لان ذلك ممّا يطول ذكره و لو ذكرناه صعُبَ عليك ادراك المعني منه لانه لايذكر الّا بدليل الحكمة و امّا دليل المجادلة فلايفيد هنا شيئاً و ان كان بالبرهان القطعي فمن طلب هذه الامور بغير دليل الحكمة اخطأ الصواب و لم‌يعلم اخطأ ام اصاب و امّا دليل الحكمة فان كنتَ عارفاً به فهمتَ مرادي بمجرّد الذكر و انتقش وجودها بفؤادك عن قلبِك في نفسِك و خيالك و ان لم‌تكن عارفاً به فلاتفهم شيئاً منها قطّ ،
فاقول و باللّهِ المستعان الاول قولي انّها جسم فمن النقل قول الصادق عليه السلام انّها جسمٌ لطيفٌ اُلبِسَ قالباً كثيفاً و امّا من الحكمة فلانها جوهر لا عرض و هي مركبة من ماۤدةٍ و هو النور الاصفر و من صورة و هي هيئة ورق الٰاس و لانعني بالجسم الّا المركب من مادة و صورة فانه تلزمه الابعاد الثلاثة في كلّ شَئٍ بحَسبه و ايضاً لها حيّز من نوعها و هو ارض الورق الاخضر و لها وقتٌ من نوعها و هو الدّهر هي في وقتها و مكانها كفلك الثوابت في زمانه و مكانه هذا اذا اريد بالروح البرزخ بين العقل و النفس امّا اذا اُريدَ بها العقل كما في قوله صلي اللّه عليه و آله اوّل ما خلق اللّه روحي فكالعقل بل هي العقل او اُريدَ بها النفس كما تقول قبض ملك الموت روحَه فكالنفس بل هي النفس و العقل وقته اوّل الدهر كفلك المحدد للجهات زمانه اول الزمان و اعلاه و الطفه و النفس وقتها وسط الدّهر كالافلاك السبعة زمانها وسط الزمان في اللطافة و الكثافة و الروح ليست مفارقة كالعقل بل هي متعلقة بالعقل و لها نظر الي الاجسام بفعلها فهي في نفسها شكلها شكل الكرة كما هو شأن كلّ كاملٍ الّا انّها منجذِبةٌ باسفلِها الي جهة الاجسام و باعلاها الي جهة العقل فامتَدّ شكلها و لمّا كان اعلاها الطف من اسفلها لقربه من العقل كان امتداده دقيقاً للطافته و اسفلها لمّا كان غليظاً كثيفاً بالنسبة الي اعلاها لقربه من جهة الاجسام كان امتدادُه عريضاً فكان شكلها الصوري كهيئة ورق الٰاس كما مثّلنا لك فافهم ،
الثاني قولي مجرّد فمن النّقل قول اميرالمؤمنين صلوات اللّهِ عليه كما رواه الشيخ عبدالواحد بن محمد بن عبدالواحد الاسدي في كتابه الغرر و الدرر قال عليه السلام و قد سُئِل عن العالم العلوي صُوَر عاليةٌ عن المواۤدّ عاريةٌ عن القوّة و الاستعداد تجلّي لها فاشرقت و طالَعها فَتلألَأَتْ و القَي في هُويّتِها مثالَهُ فاَظْهرَ عنها افعاله الحديث ، و اما من الحكمة فمرادُنا بانها جسمٌ مجرّد ما اَرادُوا يعني القاۤئلين بوجود المجرّدات من ان المراد بالمجرّد هو المجرّد عن المادة العنصريّة و المدّة الزّمانيّة لا المجرّد عن مطلق الماۤدة و مطلق الصورة فقول صاحب البحار رحمه اللّه في كتاب العقل بتكفير مَن اثبت مجرداً غير اللّه تعالي و نفي وجود هذا في الاخبار غفلةٌ منه لانّهم انّما ارادوا انه مجرّد عن الماۤدّةِ العنصرية التي هي تحت الافلاك و هو يقول به في كثير من المخلوقات منها الافلاك كلها و الكواكب كلها اجسام و هي مجردة عن المادة العنصريّة و كذلك الاعراض و الالوان و كذلك نور محمد و اهل بيته صلي اللّه عليه و آله خلقها اللّه قبل الافلاك و قبل العناصر و قبل الزمان كما تدل عليه الاخبار الكثيرة و كذلك كثير من الملاۤئكة و كذلك القلم و اللوح و العرش و الكرسي و غير ذلك و انكار وجوده في الاخبار وقع غفلةً كيف و قد اوردتُ لك قول اميرالمؤمنين عليه السلام صور عالية عن المواۤدّ عارية عن القوّة و الاستعداد و غير ذلك كما في كلامه عليه السلام للاعرابي الذي سَئَلَه عن النفس و حديث كميل و امثال ذلك فمن كتب اللّه له فهم ذلك عرف فايّ دليلٍ اصرح من هذا و قد رواه هو بنفسه ،
الثالث قولي لونها اصفر فمن النقل ما في الكافي بسنده الي عمار بن مروان قال حدّثني من سمع اباعبداللّه عليه السلام في حديث طويل الي ان قال عليه السلام ثم يسلّ يعني ملك الموت نفسَهُ سَلّاً رفيقاً ثم ينزل كفنه من الجنّة و حنوطه من الجنّة بمسكٍ اذفر فيكفّن بذلكَ الكفن و يحنّط بذلك الحنوط ثم يكسي حلّة صفراۤء من حلل الجنّة الحديث ، و المراد بالمكسي حلّة صفراۤء من حلل الجنّة الرّوح و المعني ان الروح كان لونه اصفر انها بقرة صفراۤء فاقع لونها تسر الناظرين فلمّا دخلت في الجسد بعد ما تمّت خلقتُهَا كانت خضراۤء بسواد كثرة الحدود مع صفرتها فلمّا فارقت رجعت علي لونها و معني انّ ملك الموت يكسوها حلّة صفراۤء الكناية عن قبضها من الجسد و رجوعها علي لونها الاصلي و امّا من الحكمة فلانّ العقل نور ابيض كناية عن شدّة بساطته و الروح نور اصفر لانّه اوّل تنزّل العقل فلمّا نزل حصلت فيه كدورة النزول فانه في الروح كالنّطفة في الجسد في كمال البساطة و الروح في الغيب كالمضغة في الجسد و هي تنزّل النّطفة و اوّل تخلّق الصورة و اوّل التخطيط المعبّر عنه في حديث علي بن الحسين عليه السلام في انوار العرش و نور اصفر اصفرّت منه الصفرة و النور الابيض في حديثه هو العقل و نور اخضر اخضرّت منه الخضرة هو النفس لاجتماع صفرة الروح مع سواد الكثرة فحدث منهما الخضرة و النور الاحمر الذي احمرّت منه الحمرة نور الطبيعة لاجتماع بياض العقل مع صفرة الروح كاجتماع الزيبق مع الكبريت الاصفر فيحدث منهما الزنجفر فافهم ،
الرابع قولي و شكلها المعنوي صورة قاۤئم الزاوية هكذا ليس في ظاهر النقل فيما اطّلعت عليه شئ يدل علي ذلك و امّا في باطِنه فما من شئ الّا و فيه كتاب اَوْ سنّةٌ و علماۤء الفَنّ ذكروا هذا و هو مستفاد من اشارات الاخبار مثل ما ذكرنا من ان العقل يسمّي بالقلم و يسمونه بالالف القاۤئم كناية عن بساطته و صورته هكذا و اللوح يسمي بالالف المبسوط و بالباۤء من بسم اللّه الرحمن الرحيم روي ابن ابي‌جمهور في المجلي عن النبي صلي اللّه عليه و آله انه قال ظهرت الموجودات من باۤء بسم اللّه الرحمن الرحيم و هي اللوح و سمي بالالف المبسوط عبارة عن الكثرة التي فيه من النقوش و الصور و صورته المعنويّة هكذا و الروح لها اعتباران اعتبار كالعقل في كونه الفاً قاۤئماً و اعتبار كالنفس في كونها الفاً مبسوطاً فالروح صورته بينهما يعني بين و بين فيكون هكذا ،
الخامس قولي و صورتها قبل التكليف كما اشرنا اليه في الاوّل و هذا اقلّ ما يُشَار به الي ما ذكرنا من صفات الرّوح و يأتي له تتمّة في ذكر الاَجْساد ، و قوله عليه السلام : و اجسادَهم و المراد المدفونة في القبور و قد تقدّم في شرح الزيارة الاشارة الي شئ من البيان و هي جمعُ جَسَدٍ و يطلق علي الاَجْسام او علي ما حلّته الروح و ذكرنا قبل الاختلاف هناك و الجسد جَسَدان جَسَدٌ عنصريّ بشريّ مركب من العناصر الاربعة الّتي هي تحْتَ فلك القمر و هذا يفنٰي و يلحق كلّ شئ الي اصله و يعود اليه عود ممازجة و استهلاكٍ فيعود ماۤؤه الي الماۤء و هواۤؤه الي الهواۤء و ناره الي النار و ترابه الي التراب و لايرجع لانه كالثوب يلقي من الشخص و الثاني جسد اصليّ من عناصر هُورقليا و هو كامِنٌ في هذا المحسوس و هو مركب الروح و هو الباقي في قبره مستديراً مترتّب الوضع كتَرَتُّبِه۪ في الشخص حال حَياته مثلاً اجزاۤء الرقبة بين اجزاۤء الرأس و اَجْزاۤءِ الصَّدْرِ و اَجْزاۤءُ الصدر بين اجزاۤء الرَّقبة و اجزاۤءِ البطن و اجزاۤءُ البطن بين اجزاۤء الصدر و اجزاۤء الرجلين و هكذا الاجزاۤء في انفسها مرتّبة و هو المراد من كونها باقية في قبرِه۪ مستديرةً فاذا كان يوم القيمة الّف اجزاۤء هذا الجسد الذي بدأه اوّل مرّة حتّي يكون بصورته في الدنيا ثم تتعلق به الروح فيقوم للحِساب و هذا الجسد هو الذي يتألّم و يتنعّم و هو الباقي و به يدخل الجنّة او النار و هو المراد هُنَا و ان كانَ لَهُ تصفية ثانية للٰاخرة لانّه ظاهراً من جنس البرزخ و هو جسدك هذا و قشره كثافته و هو الجسد العنصري البَشريّ الفَاني و هذا الجسد الثاني يقال عليه الجسم كما في بعض الزيارات يقال و السلام علي ارواحكم و اجسامكم و المراد بها الاجساد الباقية في القبور و هي من عناصر البرزخ المعبّر عنه بجنّة الدنيا و بنار الدنيا المشار اليهما في القرءان في قوله في جنّة الدنيا جنّاتِ عدنٍ التي وعد الرحمن عباده بالغيب انه كان وعده مأتياً لايسمعون فيها لغواً الّا سلاماً و لهم رزقهم فيها بكرةً و عشِيّاً و هذه جنة الدنيا لان الٰاخرة ليس فيها بكرة و عَشيٌّ ثم اخبر تعالي انّ جنّة الدنيا هذه هي جنّة الٰاخرة فقال تلك الجنّة التي نورثُ من عبادنا مَن كان تقِيّاً فاشار الي انّ هذه التي فيها بكرة و عشيّ هي الجنّة الّتي نورث من عبادِنا مَن كان تقياً اي يوم القيمة و في نار الدنيا في قوله و حاق بٰال فرعونَ سوۤء العذاب النار يعرضون عليها غدوّاً و عشِياً و يوم تقوم الساعة فاخبر انهم يعرضون عليها غدوّاً و عشيّاً و هذا في الدنيا و يوم تقوم الساعة في الٰاخرة فجنّة الدنيا هي جنّة الٰاخرة بعد التصفية و نار الدنيا هي نار الٰاخرة بعدَ التّذكية و بعد اذهاب ما فيها من برودة البرزخ و رطوبته و ذلك كما انّ جسَدك هذا هو جسد الدنيا و هو بعينه هو جسد الٰاخرة بعد التصفية و هو لطيف اسفله في اللطافة مُسَاوٍ لمحدّب محدّد الجهات في اللطافة فافهم ، و امّا الروح الّتي يقبضُهَا ملك الموت فهو الانسان و قلنا انها جسم لطيف لانّها مركّبة من ستّة اشياۤء مثال و هيولي و طبيعة و نفس و روح و عقل فاذا اخذَها الملك ارسلها في ذلك العالم و تبقي ساهرة لاتنام كما قال جعفر بن محمد عليه السلام في قوله تعالي فانما هي زجرة واحدة فاذا هم بالساهرة فان كان ممن محض الايمان محضاً او محض الكفر محضاً بعث في الرجعة ثم يموت او يقتل فاذا مات او قتل رجع الي الساهرة الي ان ينفخ في الصور فاذا نفخ اسرافيل في الصور نفخة الصعق جذبَ بنفخته الارواح كل روح الي ثقبها الذي خرجت منه من الصور حين نفخ الحيوة في الدنيا و في ذلك الثقب ستّة بيوت يدخل في الاوّل المثال و في الثاني جوهر الهباۤء الذي هو الماۤدّة و الهيولي و في الثالث الطبيعة و في الرابع النفس و في الخامس الرّوح و في السادس العقل فتبطل الارواح و ذلك بين النفختين اربعمائة سنةٍ فاذا نفخ اسرافيل في الصور نفخة البعث دفعت النفخة العقل حتي دخل في الروح و دفعتهما حتي دخلا في النفس و دفعت الجميع حتي دخلت في الطّبيعة و دفعت الجميع حتي دخلَتْ في المثال فقامت سَوِيّةً و طارت حتي دخلت الروح في الجسَدِ و مجموع هذه الستة ثلاثةٌ منها هي جِسمٌ مجرّد و هو مجموع النفس و الطبيعة و الماۤدّة و المثال صورته و العقل روحه في الرّوح و هذا الجسم اللّطيف يلحقه بعض التّصفية في جهة الطبيعة و الماۤدة فيلقي منها عند النَفخة الثانية الجسم الثاني بالتّصفية لانه بَشَريّةٌ برزخيّة لاتلحق بذاتِ المكلّف لانها من احكام الرتبة كما انّ الجَسدَ العنصري من احكام الدُّنيا وَ لَوازمها فلايخرج منها كذلك الجسم الاوّل البرزخيّ فانه من احكام البرزخ فلايخرج منه و لاتخرج الرُّوحُ من الصور الّا بعد ان تتصفّي من كدورات الطبيعة و الماۤدة و هذه الكدورات هي الجسم الاوّل الّذي لايلحق بالانسان فكان الجسد جَسَدينِ الاوّل فانٍ في الدنيا و الثّاني باقٍ ابداً و لِلروح المقبوضة جسمان الاوّل فانٍ في البرزخ و الثاني باقٍ ابداً و مثال الاوّل من الجسدين و من الجسمين كالوسخ المتعلّق بالثوب يُغسل الثوب فيذهب الوسخ لا حاجة فيه و لا فاۤئدة بل فيه تنق۪يص الثوب في لونه و قيمته فاذا ازيل طهر الثوب وَ زَكا فقوله و ابلغ ارواحهم و اجسادهم يريد الارواح و الاجساد الباقية التي هي الانسان لا ما لحقه مما ليس منه حقيقة و انّما لحقه بحكم المكان و ذلك لانّ هذا اللّاحق لايشعر بلذّةٍ و لا الَمٍ و ليس من الانسان و اعلم اَنّ ما اشرنا اليه هو الرّوح و الجسد الجزئيّان و المراد في الوداع و في الزيارة هما الكلّيّان و ذلك في المعصومين من اهل بيت محمد صلّي اللّه عليه و آله و ليس المراد بالكلّي و الجزئي الكلّي و الجزئي اللَّذَان يبحث عنهما الحكماۤء و العلماۤء في كتب المنطق و ما اشبهه لانّ ذلك الكلّي معني ذهنيّ ظِلّي منتزع من افراده الخارجة حين لاحظ الذهن في الافراد معني تساوت فيه اخذ صورته عنده يحكم به عليها في علمه باعتبار ما اشتملت عليه منه وَ اَمّا هذا الكلّي فالمراد منه الذّات القاۤئمة التي لها امثال و صفاتٌ من ظهوراتها قامت تلك الامثال بتلك الذات الشريفة كقيام الاشعّة و اظلّتها من الشمس بالشمس فارواح الانبياۤء و المرسلين عليهم السلام اشعة ارواح محمد و آله صلّي اللّه عليه و آله و امثلتُها و مظاهرها و ارواح المؤمنين اشعّة ارواح الانبياۤء و المرسلين فارواح المؤمنين اشعّةُ اشِعّةِ ارواحهم صلي اللّه عليهم اجمعين و باقي الكلام قد تقدّم الكلام عليه في شرح الزيارة و لنقبض عنان القلم علي ما اراد اللّه سبحانه لنا من اثبات ما حصل من شرح الزيارة الجامعة الكبيرة و شرح وداعها و الحمد للّه رب العالمين جعله اللّه زاداً ليوم الدين و نفع به طالبي البيان و اليقين من عارفي المؤمنين .
و فرغ من تسويده مؤلّفه العبد المسكين احمد بن زين‌الدين بن ابراهيم بن صقر بن ابراهيم بن داغر المطيرفي الاحساۤئي في الليلة التاسعة‌عشرة من شهر ربيع المولود صلي اللّه عليه و آله سنة ثلاثين و مائتين و الف من الهجرة النبويّة علي مهاجرها و آله افضل الصلوة و ازكي السلام حامداً مصلياً مستغفراً ، تمت .