شرح الزیارة الجامعة الکبیرة
من مصنفات
الشیخ الاجل الاوحد الشیخ
احمد بن زین الدین الاحسائی
المجلد الاول – الجزء الثالث
قال عليه السلام : و عَيبَة علمه
العيبة وعاۤء من اُدْمٍ و ما يجعل فيه الثياب و من الرجل موضع سرّه و منه العياب الصّدور او القلوب يقال صدره عيبة العلم و قلبه عيبة السرّ و كونهم (ع) عَيبة علم اللّه بمعني انّ علم اللّه الحادث الذي تطوَّر في انحاۤء الأمكان في الرجحان و التّساوي بالأطوار المختلفة علي وصفٍ لايمكن حصر اطواره حيث كانَ العلم نفس المعلوم في رتبته و غيره قبله او بعده و سنشير الي بعض هذه الرموز هنا و بعده كان عندهم صلّي اللّه عليهم بجميع تلك كلّ حرفٍ منه في محلّ وجوده و وقت حدوده فمنه هم (ع) و منه منهم و منه اليهم و منه فيهم و منه بهم و منه عنهم فالأوّل قول عليّ (ع) و نحن جنبه و يده و لسانه و امره و حكمه و علمه الحديث ، و قد دلّت اخبارهم علي هذه المذكورات و هي انّ العلم منهم صَدَر و اليهم يعود و فيهم يستقرّ و بهم تعلّم مَن تعلّم منهم فيما يحبّه اللّه من الحقّ و من الخلق المتغيّر بتغيّر المبدّلين الذين غيّروا خلق اللّه فيما يكرهه اللّه من الباطل و عنهم اخذ مَن اخذ مِن باطنهم او من ظاهرهم و خلافهم امّا ما في الرجحان فهم محاۤلُّه و عيبته لايخرج منهم الي غيرهم و الي هذا الأشارة بقوله (ع) الذي استقرّ في ظِلّك فلايخرج منك الي غيرك فذلك الأسم الأكبر المشار اليه علمه تعالي فيهم و هم ظلُّه الممدود الذي جعل شمسَ مشيّته عليه دليلاً ثم قبضه اليه قبضاً يسيراً و ضمير المخاطب هو ذلك و معوده ذلك بما فيه من ذلك الأسم الاكبر و الرجحان المطلق و يُعْني بذاك المعودِ الواجب الحقّ الظاهر بالوجود المطلق الطاۤئش في داۤئرة ظهوره حتي كان ( كأنّ خل ) الموجود الطاۤئش مفقوداً في الموجود و المفقود المخفي موجوداً في المفقود و امّا التّساوي ففيه الأعتبارات الثلاثة الأتّحاد و القبليّة و البعديّة و هذا في ساۤئر المراتب في كل شيء بحسبه فالأوّل فيه يكون العلم عين المعلوم مثلاً الصّورة الذّهنيّة الّتي في الخيال المنتزعة من المعني الخارجي هي العلم و هي بعينها المعلوم امّا انها المعلوم فلأنّها شيء فهو معلوم و هذا ظاهر و امّا انّها العلم فلأنّ الصّورة اذا كانت معلومة امّا ان تكون معلومة بنفسِها او بصورة اخري و من الثاني يلزم الدور او التسلسل فوجب الأوّل فتكون هي العلم فهي العلم بها و هي المعلوم و امّا المعني الخارجي فهو معلوم فعلي الظاهر المتعارف عند الناس انّ العلم به هو الصّورة الذّهنيّة المنتزعة منه و امّا في الحقيقة فهو العلم به و هو المعلوم و امّا دلالة الصّورة عليه فلأنها مثاله و تدلّ عليه لا اَنها العلم و اذا اردت تصوّر ذلك فكما ظهر لك في الصّورة اتّحادُ العلم مع المعلوم فاعلم بذلك في المعني الخارجي لعدم الفرق بين افراد الوجود لتساويها في نسبة العلميّة و المعلوميّة ماتري في خلق الرحمنِ من تفاوتٍ فالعالم يعلم الشيء به علي حدّ تأويل قول الشاعر :
رأتْ بدر السماۤء فذكّرتني ** * ** ليالي وصلِنا بالرقمتين
كلانا ناظرٌ قمراً و لكن ** * ** رأيتُ بعينها و رَأتْ بعيني
و امّا القبليّة فالحقيقيّةُ مثل ما يقال انّ الصّورة الذهنيّة علم بما انتزعت منه او القبليّة الدّهريّة و الأعتباريّة في صورة الأتِحاد انّ العلم في الأعتبار قبل المعلوم هذا في صورة غير العلّة و امّا في صورة العلّة للمعلوم فالعلم قبل المعلوم لأنه اصلُ المعلوم و علّته كما اذا نقشتَ ما تصوّرتَه فانّ ما تصَوّرته علّة و اصل لما نقشته لأنّك علّةٌ لهذا النقش و امّا البعديّة فهو المسمّي بالمطابق فانّه بعد المعلوم و ان قيل بانّه قبله في الدهر و ان كان بعده في الزمان و منه العكوسات في المرايا الظاهرة و الباطنة و منه ايضاً وقوع العلم علي المعلوم بعد وجود المعلوم لا قبله لانه قبله لميكن معلوماً فلميوجَد علم به و قد قال تعالي و ماكان له عليهم من سلطان الّا لنعلم من يؤمن بالٰاخرة ممّن هو منها في شكٍّ و هذا من المطابق اللّاحق و امّا السابق فهو العالِم و لا ربط بين العالم و المعلوم و انما الربط و الأتّحاد بين العلم و المعلوم لأنّه ليس قبل المعلوم الّا العالِم لا غير فلا علمَ قبل المعلوم غير العالم و وقوع العلم علي المعلوم عند وجودِه هو وجودُهُ لا غير فالعقل علم بالعقل نفسه في الأتحاد و بالروح في القبليّة و كذا بالنفس و بالجسم و الروح علم بنفسها في الأتّحاد و بالعقل في البعدية ( البعيدية خل ) و بالنفس و الجسم في القبليّة و النفس علم بنفسها في الأتّحاد و بالروح و بالعقل في البعدية ( البعيديّة خل ) و بالجسم ( في القبلية و الجسم خ ) علم بنفسه في الأتّحاد و بالنفس و بالروح و بالعقل في البعدية ( البعيديّة خل ) و بالعرض في القبليّة و العرض علم بنفسه في الأتّحاد و بالجسم و بالنفس و بالروح و بالعقل في البعدية ( البعيديّة خل ) و هكذا ما قبل المذكورات و ما بعدها و ما بينها بهذه النّسبة و كذا الأمثال المتعددة للشّخص الواحد فانّ المثال الواحد منها علم بنفسه في الاتحاد و بما فوقه الي جهة الشخص في البعدية ( البعيديّة خل ) و بما تحته الي جهة اَعْراضه و اعراض اعراضه و صفاته و صفات صفاته في القبليّة و بيان الأمثال انك اذا رأيت زيداً يوم السبت مثلاً يصلّي في المسجد الفلاني و رأيته يوم الأحد يزني في المكان الفلاني فانك بعد ذلك كلّما التفتَّ بوجه خيالك الي تلك الحالة رأيتَ مثاله في المسجد يومَ السبت يصلي ابداً لايفارق مثاله تلك الحالة الأولي الّتي رأيته عليها في المسجِد يومَ السبت و اذا التفتَّ بوجه خيالك الي الحالة الأخري رأيته يزني يوم الأحد في ذلك المكان ابداً و هكذا جميع الأمثال لجميع الأشياۤء الي يوم القيمة فاذا غفر اللّه ذلك الذنب يوم القيمة محا مثاله فلاتجده مشاعر الملاۤئكة و لا البشر اذ ليس شيء ثَمَّ ينطبع في مراياها يا مَن اظهر الجميل و ستر القبيح و ان لميغفر وجدوه لازماً له الي يوم القيمة و بعده يلبَس صاحبه ملابس العذاب من صور ذلك المثال اللّازم له بلا نهاية و ماتجزون الّا ما كنتم تعملون ، سيجزيهم وصفهم انه حكيم عليم و كلما اشرنا اليه و امثاله كُتُبٌ مملوءة من علم الله تجمعها العياب الكليّة العلّية كلماتها و حروفها و قِرْطاسها و بُيُوتها و مُدُنها في خزاۤئن تلك العياب الشريفة و هو قلوب محمّد و آله الطيّبين و صدورهم و افئدتهم و حواۤسّهم صلّي اللّه عليه و آله الطيّبين و اردتُ بقِرطاسِها ما هي فيه من الأنوار الوجوديّة مثلاً زيد في انوار جعلِ اللّه تعالي من اشعة مشيّته و ارادته و قدره و قضاۤئِه و اذنِه و كتابه و اجله و جعله لصفاتِه و افعاله و اقواله و اعماله و امثالِهِ و ما ينتظم علي ذلك من الروابط و النسب و غير ذلك و اردتُ ببيوتها مشخصات الذّوات و الصّفات و الأفعال و الأقوال و الأعمال و الأمثال و اردتُ بمدنها ما يخصّ كلّ شخص من المتخيّلات و المتصوّرات و المعاني و ما علي تلك المُدن من الأقفال و المفاتح و الخُزَّان من الملاۤئكة و ما علي البيوت منها كلّ تابع لما وُكِّلَ به لاتأخذهم السِّنات و لايقطعهم سهو الغفلات عن القيام بما وُكِّلوا به يسبّحون اللّيل و النّهار لايفترون و الأشارة الي نوع ذلك التسبيح و القيام الصحيح هو انّ زيداً مثلاً يتصوّر المكان الفلاني و البلد الفلانية و مساۤئل النحو و الفقه و سائر علومه و كلّ صنفٍ منها في مدينة و في كلّ مدينة فيها قصورٌ و في كلّ قصرٍ دورٌ و في كلّ دارٍ بيوتٌ ( و في خل ) كلّ بيتٍ صنف من المساۤئل مثلاً علم النحو في مدينة بابُها مقفل و مفتاحها بيد المَلَك الموكّل بها و باب المبتدأ و الخبر في قصرٍ من تلك المدينة بابُه مقفل مفتاحه بيد الملك الموكَّل به و حكم رفعهما في دارٍ بابُها مقفل مفتاحه بيد الملك الموكّل بها و حكم ما رفع منه في اللفظ في بيت بابه مقفل مفتاحه بيد الملك الموكّل به و حكم ما رفع منه في التقدير في بيت آخر بابه مقفل مفتاحه بيد الملك الموكَل به فاذا اراد زيدٌ معرفة ما كان علم من حكم رفع المبتدأ تقديراً مثلاً توجّه بوجه قلبه و هو خياله الي مدينة النحو و قرع بابها القرع المختصّ بها عرفه صاحب المفتاح و هو الملك الموكّل ببابها ففتح له الباب فيتوجّه الي قصر المبتدأ و الخبر فيقرع بابه كذلك فيفتح له بابَهُ الملك الموكّل به فيدخله و يتوجّه الي دارِ رفعهما لفظاً و تقديراً فيقرع بابها كذلك فيفتح له الملك الموكّل به بابَها فيدخله و يتوجّه الي بيت رفعهما تقديراً فيقرع بابه كذلك فيفتح له الملك بابَهُ فيدخله و يأخذ مسئلته منه و يخرج منه فيغلق بابه الملك و هكذا الي ان يخرج من المدينة فيغلق بابها الملك و ليس ملك من هذه الملاۤئكة يفتح باب ما وُكِّلَ به حتي يأتيه الأذن من اللّه سبحانه علي لسان وليّهِ من المحمد (ص) و هو امام ذلك الزمان زمان طلب زيد لتلك المسئلة و كذلك لايغلق ملك باباً الا بأذنٍ خاصٍّ في كلِّ مرة فان كان زيد كثير المعاهدة لتلك المسئلة انِسَتْ به تلك الملاۤئكة فكلّما طلب فتحوا له لأنسِهم به و اتاهم الأذن من اللّه تعالي لِسؤاله منه تعالي بلسان استعداده الصادق في دعاۤئه بدوام العمل و ان لميكن كثير المعاهدة فقد يفتح له عند طلبه مع موافقة القدر و قد تتوحش الملاۤئكة منه فلاتفتح له لتوحشهم ( لوحشتهم خل ) منه و لعدم استعداده و عدم موافقة القدر فينسي تلك المسئلة فأرْشَدَ اهل العصمة (ع) شيعتهم بان يصلوا علي محمد و آله (ص) فتفتح له الملاۤئكة لأنّ الصلوة علي محمّد و المحمّد (ص) تفتح له الحجب فيما بَيْنَ العبد و بَيْنَ اللّه فيأمر الملاۤئكة بقضاۤء حاجته و هذه المُدُن اوراقٌ من ذلك الكتاب الذي هو علم اللّه الذي هم عيبته لأنّ كل ما اشرنا اليه من اوّل مراتب الوجود الي ما لا نهاية له من الأمكان كتبٌ و اوراقٌ و كلماتٌ و حروفٌ و نقطٌ من علم اللّه سبحانه الذي هم عليهم السلام عيبته و اليه الأشارة بقوله تعالي ماوسعني ارضي و لا سماۤئي و وسعني قلب عبدي المؤمن و في هذه الفقَرَات ابحاثٌ و نكَات لاتسعها الدفاتر و انما يسعها التلويح و الأشارة اللهم صل علي محمّد و المحمّد كما صلّيت علي ابراهيم و آل ابراهيم انك حميد مجيد .
قال عليه السلام : و حجّته
الحجّة بضمّ الحاۤء هي البرهان و الدليل و انما كانوا هم (ع) الحجّة لانهم الأدلّاۤء علي اللّه و لأنّ اللّه تعالي يحتجّ بهم علي خلقه فتقوم بهم الحجّة علي الخلق لأنّهم علماۤء لايجهلون كُرَمَاۤء لايبخلون قد جَمَع فيهم جميع صفات الكمال بحيث لايدانيهم احد من خلقه في صفةٍ من صفاتِ الكمال من علمٍ و حلْمٍ و حكمٍ و كرمٍ و شجاعةٍ و زهدٍ و عبادةٍ و ورع و يقينٍ و عفةٍ و غير ذلك فاذا امروا كان ما امروا حقّاً لا شكّ فيه و اذا دلّوا علي شيء كان صواباً و هكذا لأنّهم معصومون عن الخطاۤء و الجهل و الغفلة و الخيانة و الطمع و جميع ما ينافي الركون اليهم في الأفعال و الأحوال و الأعمال و الأقوال و الحركات و السكون فلأجل ذلك احتجّ بهم علي العباد فيما يريد منهم بحيث لايجد احدٌ من الخلق اعتراضاً و لايجد احد من الخلق من حيوانٍ و نباتٍ و جمادٍ في نفسه او حاله او قابليّة ذاته ما يميل اليه لميكن عندهم و لا انهم الوسيلة فيه و لا ان يحصل بدونهم بل او يوجد بدونهم فوقع الاضطرار الي كونهم حجة ( اللّه خ ) علي جميع ما خلق و برأ لانّهم (ع) الْعِند المشار اليه في قوله تعالي مَن كانَ يريد ثواب الدّنيا فعند اللّه ثواب الدّنيا و الٰاخرة فافهم ما اتحفناك به و كن به ضنيناً و في الكافي عن ابيعبداللّهِ (ع) انّه قال للزّنديق الذي سأله من اين اثبتَّ الأنبياء و الرُسل قال انّا لمّا اثبتنا انّ لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنّا و عن جميع ما خلق و كانَ ذلك الصانع حكيماً متعالياً لميجز ان يُشاهده خلقه و لايُلامسوه فيباشرهم و يباشروه و يُحاۤجّهم و يُحاۤجّوه ثبتَ انّ له سُفَراۤءَ في خلقه يعبّرون عنه الي خلقه و عباده و يدلّوهم علي مصالحهم و منافعهم و ما به بقاۤؤهم و في تركه فناۤؤهم فثبتَ الٰامرون و النّاهون عن الحكيم العليم في خلقه و المعبّرون عنه جلّ و عزّ و هم الأنبياۤء و صفوته من خلقه حكماۤء مؤدّبين في الحكمة مَبْعوثين بها غير مشاركين للنّاسِ علي مشاركتهم لهم في الخلق و التركيب في شيء من احوالهم مؤيّدون عند الحكيم العليم بالحكمة ثم ثبت ذلك في كلّ دهرٍ و زمانٍ ممّا اتت به الرسل و الأنبياۤء من الدلاۤئل و البراهين لكيلاتخلو ارض اللّه من حجّةٍ يكون معه عَلَمٌ يدلّ علي صدق مقالتِهِ و جواز عدالِتِه ه .
ثم اعلم انّ ما احتجّ اللّه تعالي به لنفسِهِ و لانبياۤئه و رسله و اَوْلياۤئه ممّا ايّدهم به من الٰايات البيّنات و المعجزات الظاهرات الباهرات الّتي جعلها حججاً لما اراد تشييده من معالم دينه و تكاليف عباده و هي ما اظهرها لخلقه في الٰافاق و في انفسهم الّتي اشار اليها في قوله تعالي و كأيّن من آية في السموات و الأرض يمرّون عليها و هم عنها معرضون و في قوله تعالي و تلك الأمثال نضربها للناس و مايَعْقِلها الّا العٰالِمُون و غير ذلك و ما اظهرها علي ايدي حججه (ع) من الٰايات الخارقة للعادات كلّها حجج اللّه سبحانه علي خلقه احتجّ بها عليهم فيما اراد منهم و هي كلّها آيات محمّدٍ و آله الطّاهرين صلي اللّه عليه و آله اجمعين و حُجَجُهمْ فهي حجج اللّه اظهرها بحججه عليهم السلام لمن شاۤء كيف شاۤء و الي هذا الأشارة بقول الصادق (ع) كما في انيس السمراۤء عن المفضّل بن عمر في قوله تعالي و كانوا باياتنا يجحدون قال (ع) و هي واللّهِ آياتنا و هي لهم مظاهر منها مظاهر ذاتٍ و منها مظاهر صفات ذاتٍ و منها مظاهر صفات افعالٍ و منها مظاهر آثارٍ و كلها حجج اللّه و آياته فهم حجج اللّه العليا و آياته الكبري كما اشار اليه سيّد الوصيين (ع) في الملأ الأعلي قال (ع) و القي في هويّتها مثاله فاظهر عنها افعاله ، هذا في الظاهر و في الحقيقة و الباطن هم الملأ الأعلي الذين يختصمون فيهم فهلك فيهم مَن رفعهم عن مقامهم الذي اقامهم فيه فلميجعل لهم ربّاً يؤبون اليه و هلك فيهم مَن وضعهم و حطّهم عن مقامهم و نجي بهم من وضعهم حيث وضعهم اللّه و ربّك علي كلّ شيء حفيظ .
قال عليه السلام : و صراطه
قال الشارح محمدتقي (ره) الذي قال اللّه تبارك و تقدّس و انّ هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه و ورد في الأخبار المتواترة انّهم الصراط المستقيم ه .
اقول الصراط لغة الطريق و الجسر الممدود علي جهنم يسمّي به لأنّه طريق الجنة و في الحديث ما معناه انّه مسير الف سنة صعود و الف سنة حُدَال و الف سنة نزول و حُدَال كغراب مِن قولِهم قوسٌ محدلة اي تطامَنَتْ احدي سِيَتِها و السِّيَة بالكسر مخفّفة ما عطف من طرفَيْها و المراد من حُدَال بالمهملتين المَيْلُ اي الأنعطاف و قال الأميرزا محمّد المشهدي بن محمدرضا بن اسمعيل بن جمال الدين القمي صاحب التفسير في حاشيةٍ منه الأظهر انه بالذال المعجمة و كاف الخطاب و المعني حِذاۤء وجهك و هو ما ليس بصعودٍ و لا هبوطٍ انتهي ، و جعل المشهور في النسخ و هو حُدَال احتمالاً .
اقول و هذا هو الأظهر كما هو الموجود في اكثر النسخ و يحتمل بالحاۤء المهملة و الذّال المعجمة بمعني الماۤئل فيفيد معني حُدَال بالدّال المهملة لانّه يقال حَذْلُكَ مَعَ فلانٍ اي مَيْلُك و الحاصل انّ حُذَاك بكاف الخطاب لايدلّ علي انعطافه بخلاف حُدَال باللّام فأنه يدلّ علي الأنعطاف لأنّ هذا الجسر الممدود علي جهنم هو طريق الصّعود بالتكاليف و هو قوس الصّعود فيكون وسطه الذي هو ثلث القوس الأوسط منعطفاً و انما ذكر صفة الوسط الذي هو معترك التكاليف و فيه خمسون موقفاً يمكثون في كلّ موقفٍ للحساب الف سنة و انّ يوماً عند ربّك كألفِ سنةٍ ممّا تعدّون فيكون مكث الخلاۤئق في الحُدَال خمسينالف سنةٍ في يوم كان مقداره خمسينالف سنة فاصبر صبراً جميلاً و انما ذكر و نبّه عليه بانّه حُدَال لئلايتوهّم من قوله الف سنة صعود و الف سنة نزول انّ الوسط كان مستقيماً بالمعني المصطلح عليه عند اهل الهندسة و هو اقصر الخطوط الواصلة بين نقطتين و نبّه ببيان الوسط بانه معطف ( منعطف خل ) علي انعطاف الطرفين لكونه في نفسه خطاً واحداً و الا لكان ثلاثة و امّا انّه مستقيم في نفسه علي المعني الحقيقي من اللّغة العربيّة الألهيّة فلانّه لا حيف فيه و لا اعوجاج بالنسبة الي مَن يمر عليه كالبرق الخاطف و الجواد السابق و من دونهما و الي من يحبو حبوا و الي من تأخذ النار بعضه و الي من يسقط فيها علي اختلاف المراتب من الطرفين شدّةً و ضعفاً و انما يسير عليه الخلاۤئق باعمالهم فهو بعمل العامل العارف كما بين الأرض و السماۤء و بجهل الجاهل و عدم عمله ادقّ من الشعر و احدّ من السيف يعني يضطرب كالشعر و يشقّ الأقدام كالسيف فهو ( و هو خل ) في نفسِهِ لايتغيّر و انّما يتّسع و يضيق بالاعمال مثاله في دار التّكليف مسئلة دقيقة المأخذ محفوفة بالشُّبَهِ فمن عرفها كما هي و تكرّر فيها بالعمل كالتعريف و التبيين و التمثيل كان سيره فيها مع دقّتها كالبرق الخاطف فهي له كما بين الأرض و السماۤء و مَن لميعرفها سقط في الظلمة الّتي لايهتدي فيها الي مدخل و مخرج و مثوي فهي له ادقّ من الشعر و احدّ من السيف فافهم الأشارة فانّ هذا الخبر اذا وصَلْتَ الي اصله وجدته عياناً فاذا عرفتَ هذا فقول الشارح (ره) الذي قال اللّه و انّ هذا صراطي مستقيماً يشير به الي انّ الصراط المستقيم حيثما ذكر في القرءان الكريم فالمراد به هم (ع) لا خصوص هذه الٰاية و انّما اتي بها تمثيلاً و اشار الي الدليل علي ذلك بأخْبَارهم صلّي اللّه عليهم و هذا الكلام في نفسِهِ حقّ لا مِرْيَةَ فيه الّا انّه مبهم مجمل و رفع الأبهام و الأجمال عن هذا الكلام للخواۤصّ و العواۤمّ ممّا لايسعه المقام و امّا للخواۤصّ خاۤصّة فهو سهل التناول لطيّ ما بَعُدَ منه بالاشارة و التلويح و لولا خوف انغلاقه حتّي علي الخواۤصّ لكتبته في سطرٍ واحدٍ فاقول الصراط هو الطريق و هم (ع) صراط اللّه اي طريق اللّه الي خلقه في الخلق و الرزق و الحيوة و الممات و هم طريق الخلق الي اللّه في جميع مطالبهم في ذرات الأمور الأربعة المذكورة الّتي هي اركان ما في الأمكان فجميع الخلاۤئق يسعون الي اللّه تعالي اي الي ما منه بدؤا في مطالبهم باعمالهم و اقوالهم و احوالهم و وجوداتِهم و قوابلهم و جميع استعداداتهم فالجعل الذي ذرأ فيه جميع الخلاۤئق بما هم عليه لِمٰا هم له عنهم (ع) صَدَرَ و بهم ظهر و فيهم بطن و استتر فالخلاۤئق قاۤئمون بظلِّهم الذي مدّه اللّه سبحانه و جعل الدليل عليه شمس حقيقتهم فبهم خلَقَ سبحانه و تعالي ما خلقَ و رَزَق ما قدّر و احيي و امات و لو شاۤء لاعطي كلّ واحدٍ من خلقه ما شاۤء كما شاۤء لكمال غناه عمّا سواه و لكنّه للطفه و رحمته و عطفه علي ضعفاۤء خلقه اجري حكمته انّه يفعل بالأسباب الّتي هي العلل الأربع الفاعليّة و الماۤدّية و الصّورية و الغائيّة لعجز الأكثر عن القبول لأيجاداتهم علي ما هم عليه الّا بالأسباب و المتمّمات للقوابل فبحكم مقتضي الحكمة جعل محمّداً و اهل بيته المعصومين خزاۤئن تلك الأسباب بحقيقة ما هم اهله فوجب في الحكمة الربانيّة المشار اليها ان يكونوا صلّي اللّه عليهم خزاۤئن محبّته و نوّاب افاضته و بوّاب فيضه و مدده و حفظة اۤلۤائِه و نعمه و حملة اۤثار جوده و كرمه الي ما شاۤء من جميع خلقه و اَنْ لايكون له سبحانه طريق و لا باب تفيض منه عطاياه و امداداته غيرهم فهم صراطه في علمه بخلقه و قدرته عليهم و سمعه لكلامهم و رؤيته لهم علي ما هم عليه و امداده و قيوميّته ايّاهم و جميع ما بهم منه من خلقٍ و رزقٍ و موتٍ و حيوة و هذا في الحقيقة معني كونهم تراجمةً لأنّهم يترجمون الوحي بما تفهم الخلاۤئق المراد منهم التكليف بذلك الوحي و معني قولي و معني هذه الترجمة الوساطة بين اللّه سبحانه و بين الخلق في الوحي الظاهري في تبليغ الشرعيات من التكاليف الظاهرة و هي الشرعيات الوجودية التي هي لوازم الايجادات الابتداۤئية اي التكوينية و من التكاليف الباطنة اعني الاحكام الشرعية التي هي ملزومات الايجادات الغاۤئيّة يعني الايجادات الشرعية التي هي ثمرات الاعمال فانها لازمة للاحكام الشرعية فالتكاليف الظاهرة هي التشريعات الكونية تلزم التكوينات الابتداۤئية اي الوجوديّة و التكاليف الباطنة كالأمر بالصلوة مثلاً تلزمها الايجادات الغاۤئية التي تخلق من الاعمال كالصلوة و الزكوة و امثالهما فان هذه الايجادات ثمرات الاعمال و غايات لها و في تبليغ ذرات الايجادات عطف علي قولي في الوحي الظاهري و المراد من تبليغ جميع ذرات الظاهرة تبليغ الامدادات التي تلزم التكليفات الغاۤئية اي الشرعية كالصلوة فانها غاية الايجاد قال تعالي و ماخلقت الجن و الأنس الا ليعبدونِ و الايجادات الظاهرة اللازمة للاعمال كالصلوة مثل المدد بصحة البدن و صحة السمع و البصر و سعة الرزق و ما اشبهها و هي ملزومة للتكاليف الابتدائية اعني الشرع التكويني فانه لازم للمدد ايضاً لان الذرات هي ماۤدة التكويني الذي هو الابتدائي و هو يلزمه الشرع الوجودي و ذرات الايجادات الباطنة اللازمة للاعمال كالصلوة مثل المدد لزيادة العقل و العلم و قوة البصيرة في الدين فان هذا المدد لازم للاعمال التي هي التكليفات الغائيّة و هذا المدد بنفسه هو الذي يخلق منه العقل كالصلوة مثلاً فيلزمه الشرع الايجادي الكوني اعني التكليف الابتدائي فالمدد ملزوم له و قولي فبهم عليهم السلام يخلق اللّه المكلّف الخ ، بيان لما قبله ، منه ( اعلي اللّه مقامه ) .
هذه الترجمة الوساطة بين الحق سبحانه و بين الخلق في الوحي الظاهري في تبليغ الشرعيات من التكاليف الظاهرة و الباطنة من لوازم الأيجادات الأبتدائيّة و ملزومات الأيجادات الغاۤئيّة و في تبليغ جميع ذرّات الأيجادات الظاهرة و الباطنة من لوازم التّكليفات الغاۤئيّة و ملزومات التكليفات الأبتدائيّة فبهم صلّي اللّه عليهم يخلق اللّه سبحانه و تعالي المكلّف و بهم الزم خلقه التشريع و بهم كلّفه بما اراد من الأعتقادات و الأعمال و بهم الزم اعماله و اعتقاداته ايجادات اكوانها و اعيانها و مقاديرها و كميّاتها و كيفيّاتها و رتبها و امكنتها و اوقاتها و اۤجالها و ما يترتّب علي ذلك هذا بالنسبة الي ما منه سبحانه و تعالي الي الخلق و بالنسبة الي ما من الخلق اليه تعالي فبهم (ع) و بالأتّباع لهم و الأخذ عنهم و الولاية لهم و البراۤءة من اعداۤئهم و من ولايتهم و الأقتداۤء بهم و الأخذ عنهم و من الرضي بهم و عنهم يقبل الأعمال و يرفعها اليه و بترك الأخذ عنهم و عدم ولايتهم و عدم البراۤءة من اعداۤئهم يردّها علي صاحبها فلِما اشرنا اليه و نبّهنا عليه كانوا (ع) هم صراط اللّه الذي لايصل شيء من اللّه الي شيء من خلقه الّا بواسطتهم و لايصل احد و لا عمل الي اللّه تعالي الّا بواسطتهم فهم طريق كلّ ما ينزل و كلّ ما يصعد و كونه مستقيماً انه يجري صعوداً و نزولاً علي حدٍّ من العدل و الحكمة المقتضية لصلاح الخلق و اختيارهم كما هم مذكورون به في بدء شأنهم في علم الغيب لايكون بعده الّا الظلم و الجبر و الفساد و لهذا قيل هم الصّراط المستقيم و القِسطاس المستقيم و لمّا كان الجسر الممدود علي النار الذي فيه خمسون عقبة كَؤُداً فيها الحساب الحق و العدل المطلق صفةً لما جاۤؤا به و فرعاً عمّا امروا به و بياناً لما ارادوا من الخلق سمّي الصراط المستقيم و قد انزل سبحانه كتابه المجيد ناطقاً بهذا التحميد قال تعالي اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم و قال اللّه تعالي و انّ هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه و غير ذلك من الٰايات و اخبارهم في هذا المعني لاتكاد تحصي اللّهم صلّ علي محمّد و آله الطّاهرين .
قال عليه السلام : و نوره و رحمة اللّه و بركاته
قال الشارح (ره) النور امّا بمعني الهادي او العلم او الهداية بمعني المُهْتَدي اليه بالهداية الخاۤصّة او منوِّر العالَم بالوجود لأجلهم و هدايتهم .
اقول في القاموس النور بالضّمّ الضوء ايّاً كان او شعاعه ه ، و في الكافي و المعاني و التوحيد و العيّاشيّ عن الصّادق (ع) في تفسير البسملة قال الباۤء بهاۤء اللّه و السين سناۤء اللّه ه ، و البهاۤء هو الضياۤء و السناۤء هو النّور كما قال تعالي هو الذي جعل الشمس ضياۤءً و القمر نوراً و المعروف عندهم انّ النّور هو الظاهر في نفسه المظهر لغيره فيشمل هذا المفهوم الضياۤء و السناۤء لانّ السناۤء مثل الضياۤء ظاهر في نفسه مظهر لغيره و علماء المعرفة يشيرون بالباۤء الي الجبروت و بالسين الي الملكوت فالجبروت هو الضياء و الملكوت هو السناۤء و الجبروت ظاهر في نفسه مظهر لغيره ممّا هو دونه من الملكوت و الملك و كذلك السّناۤء ايضاً فانه ظاهر في نفسه مظهر لغيره ممّا هو دونه كالملك و حكم بعض اجزاء الملك بالنسبة الي بعض الٰاخر كذلك فيصدق علي كلّ من العوالم الثلاثة و ما بينها من البرازخ اسم النور و لا شكّ انها من انوارهم (ع) فهم نور النّور و كل ذرّة من ذرّات الوجود نور من انوار اللّه سبحانه و ان كان فيها اشياۤء غواسق لاتظهر في نفسها و انما يظهرها غيرها الا انّها وجودات و لا ريب انّ لها ظهوراً في نفسها و اظهاراً لغيرها من جهات و ان احتاجتْ في بعض الجهات الي اظهار الغير لها و كون ما سواهم من انوارهم لانّ ما سواهم امّا فعلهم او مفعولهم بلا واسطةٍ او بواسطةٍ او بوساۤئط و الفعل و المفعول شعاع الفاعل و المراد بالمفعول ما حدث عن الفاعل ( الفعل خل ) لا ما وقع عليه الفعل كما اصطلح عليه النحاة في مثل ضربتُ زيداً بل كمثل ضربتُ ضرباً و لما كانت هذه الأنوار بعضها صدر من بعضٍ اختار سبحانه النور الذي صدرتْ عنه الأنوار و لميصدر عن نور مفعول و انّما صدر بفعله و مشيّته اي بنفس ذلك النور فنسبه اليه و اضافه الي نفسه تكريماً له و تعظيماً و ابانة له من ساۤئر خليقته فقال عزّ من قاۤئل اللّه نور السموات و الأرض يعني هادي من في السموات و الأرض اي هاديهم بنوره و هو محمّد و اهل بيته صلّي اللّه عليهم اجمعين علي نحو ما سبق في بيان حجته و صراطه مثل نوره و هو محمد (ص) روي عبداللّه بن جندب قال كتبتُ الي ابيالحسن الرضا (ع) اسئله عن تفسير قوله تعالي اللّه نور السموات و الارض فكَتَبَ اليّ الجواب اما بعد فانّ محمداً (ص) كان نور اللّه في خلقه فلمّا قبض كنا اهل البيت ورَثَتهُ فنحن امناۤء اللّه في ارضه عندنا علم المنايا و البلايا و انساب العرب و مولد الأسلام و ما من فئةٍ تضلّ مائةً و تهدي مائةً الّا و نحن نعرف ساۤئِقها و قائِدها و ناعقها و انّا لنعرف الرّجل اذا رأيناه بحقيقة الأيمان و حقيقة النّفاق و انّ شيعتنا لمكتوبون باسماۤئهم و اسامي آباۤئهم اخذ اللّه علينا و عليهم الميثاق يَرِدُون مورِدنَا و يدخلون مدخلنا نحن الٰاخذون بحجزة نبيّنا (ص) و نبيّنا آخذ بحجزة ربّه و الحُجزة النّور و شيعتنا آخذون بحجزتنا من فارقنا هلكَ و من تبعنا نجا و الجاحد بولايتنا كافر و متّبعنا و متّبع ( تابع خل ) اولياۤئنا مؤمن لايحبّنا كافر و لايبغضنا مؤمن و مَن مات و هو يحبّنا كان حقّاً علي اللّه ان يبعثه معنا نحن نور لمن تبعنا و هدي لمن اهتدي بنا و مَن لميكن منّا فليس من الأسلام في شيءٍ بنا فتح اللّه الدّين و بنا يختمه و بنا آمنكم اللّه من الغرق في بحركم و من الخسف في برّكم مَثَلُنا في كتاب اللّه كمثل مشكوة فيها مصباح المصباح محمّد رسول اللّه (ص) في زجاجة من عنصره الطاهر كأنها كوكب درّيّ يوقد من شجرة مباركة ابراهيميّة لا شرقيّة و لا غربيّة لا مدّعية و لا منكرة يكاد زيتها يضيۤء و لو لمتَمْسَسْهُ نار القرءان نور علي نور امامٌ بعد امامٍ النور عليّ (ع) يهدي اللّه لولايته مَن احبّ حق علي اللّه ان يبعث وليّنا مشرقاً وجهه منيراً ( نَيّراً خل ) برهانه ظاهرة عند اللّه حجّته حق علي اللّه ان يجعل وليّنا مع النبيين و الصّدّيقين و الشهداۤء و الصالحين و حسن اولئك رفيقاً فشهداۤؤنا لهم فضل علي الشهداۤء بعشر درجات و لَشهيدُ شيعتنا افضل من كلّ شهيد من غيرنا بتسع درجات نحن افراط الانبياۤء و ابناۤء الأوصياۤء و نحن المخصوصون بكتاب اللّه و اولي الناس برسول اللّه (ص) و نحن الّذِين شرع اللّه لنا من دينه ما وصّي به نوحاً و وصّي به ابراهيم بنيه و يعقوب يا بَنِيّ انّ اللّه اصطفي لكم الدّين قد علمنا و بلّغنا ما علمنا و استودعنا فنحن ورثة اولي العزم من الرسل و الأنبياۤء ان اقيموا الدّين و لاتموتنّ الّا و انتم مسلمون و ان كبر علي المشركين ما تدعوهم اليه من ولاية اميرالمؤمنين صلوات اللّه عليه نفعكم اللّه في حياتكم و في قبوركم و في محياكم و عند الصراط و عند الميزان و عند دخولكم الجنان و قد بَعَثتُ اليكم بكتابٍ فيه هدي و نور و شفاۤء لما في الصدور ه ، و انّما ذكرتُ هذا الحديث بتمامه و ان كانَ الاستشهاد ببعضه كافياً لأنّ جميع الفاظه متضمّنة لمعني النّور الذي اشرنا اليه فليفهم منه ما شاۤء كما شاۤء فقوله (ع) فلمّا قبض كنّا اهلَ البيتِ ورثته يريد به كنّا نور اللّه في خلقه و معني النّور في هذا المقام بيّنه (ع) بقوله فنحن امناۤء اللّه في ارضه الي آخر الحديث فكلّ ما تضمّن من المعاني فهي معاني النّور من العلم و المعرفة و اخذ الميثاق منهم و لهم و اخذهم الحجزة و اخذ حجزتهم و هلاك من فارقهم و نجاة مَن اتّبعهم و كفر جاحد ولايتهم و ايمان متّبعهم و اَلَّايحبّهم كافر و لايبغضهم مؤمن و انّ من اتبعهم يبعث معهم و انّهم نور لمن تبعهم فبهم عَرَف المتّبع و عَلِمَ و تَيَقَّن و عَمِلَ و قُبِلتْ اعماله و هدي من اهتدي بهم و ان ليس من الاسلام في شيء مَن لميكن منهم و انّ بهم فتح اللّه الدّين و بهم يختمه و بهم يؤمن من الغرق في البحر و الخسف في البّر و ما ضرب لهم من المثل في الٰاية الشريفة الي آخرها و انّ اللّه يبعث وليّهم مشرقاً وجهه و انّ اللّه يجعل وليّهم مع النبيّين الي قوله رفيقاً و انّ شهداۤءهم لهم فضل علي الشهداۤء بعشر درجات و انّ شهيدهم افضل من كلّ شهيدٍ من غيرهم بتسع درجات و انّهم افراط الأنبياء و ابناۤء الأوصياۤء و انّهم المخصوصون بكتاب اللّه و اولي الناس برسول اللّه (ص) و انّ اللّه شرع لهم من دينه ما وصّي به نوحاً و اصطفي لهم الدّين و انّهم ( فانهم خل ) قد علموا و بلّغوا ما علموا و استُودِعوا و انّهم ورثة اولي العزم و ان اقيموا الدّين و لاتموتنّ الّا و انتم مسلمون و انّه كبر علي المشركين ما يدعوهم رسول اللّه (ص) اليه من ولاية اميرالمؤمنين (ع) و نفعهم لشيعتهم في تلك المواطن المذكورة و من معاني النّور ما اشرنا اليه فيما تقدم و الحاصل انّ هذا النّور مطابق للوجود المطلق و المقيّد في جميع مراتب الأمكانَين و من يرد اللّه ان يهديه ان يعرّفه ذلك النور عرّفه و هو قوله تعالي يهدي اللّه لنوره من يشاۤء ، و امّا قوله و رحمة اللّه و بركاته فقد تقدّم بيانه فراجع .
قال عليه السّلام : اشهد الّا ( ان لا خل ) اله الّا اللّه وحده لا شريك له
شهدَ كعلم و كرم شهوداً حضر و اذا قلتَ اشهد بكذا يكون المعني اني اعلم به عن رؤيةٍ او سماعٍ او دليل قطعيّ يعني لايحتمل النقيض لانّ الشهادة حضور للمشهود به و ادراك له بالبصر او السّمع و امّا ما كان بالدليل القطعيّ كالشهادة بالتّوحيد فحيث نظر في الٰاثار و دلّه النظر علي الوحدة دلالة قطعيّة فقد ادرك ببصره الشهود العدول من الٰايات البيّنات في الٰافاق و في الأنفس كلّ شيء منها يشهد شهادة حضور و معاينة باللّسان الصادق من حاله كما اذا كنتَ في ظلمة ثم اشعل شخص سراجاً واحداً فانّه يكون لك ظلّ واحد يشهد لك بلسان حاله الصّادق انّه لميوجد الا سراج واحد و ان كان ( لك خ ) سراجان كان لك ظلّانِ و يحصل الحضور و المعاينة و العلم القطعي بانه لايحصل ظلّانِ عن سراجٍ واحدٍ و لا ظلّ واحد عن سراجَيْنِ الّا ان يكونا في جهةٍ واحدةٍ بالنّسبة الي ذي الظلّ بحيث يدخل نور احدهما في الٰاخر بلا اختلاف جهةٍ في الكلّ او البعض فيثبت عندك بالحس ( ما تحسّ خل ) و الوجدان علم معاينة قطعيّ بما غاب عن الحواۤسّ من انّه ليس في الوجود الّا اله واحد و هو اللّه المعبود بالحقّ و انه لو كان معه الٰه لذهب كلّ الٰه بما خلق فلايقدر الشخص المخلوق الواحد ان يقول انا و انما يقول نحن لتساوي نسبته اليهما ثم لايقدر ان يقول نحن لانّه واحد و الواحد لايكون اثراً لمتغايرَيْن فيجب التدافع بينهما فيه لتصادم ارادَتَيْهما عليه فلاتقعان فاذاً لو كان كذلك لعلا بعضهم علي بعض في الشخص المطلوب لهما و في الطلبَيْن و هما الارادَتانِ و في كمالهما لأنّ كون الألٰه اعلي ممن سواه كمال تاۤمّ اكمل من كونه مساوياً لغيره فاثبات المساواة نقص و حاجة اِذْ لولا المساوي لماحصل له هذا النقص و الغني المطلق و الوجوب الحق منزّه عن كلّ نقصٍ لأنّ النّقص يدعو الي الأحتياج الي التّتمِيْمِ و في ذاتيهما فانّ الواجب ذات و الوجوب و الأزل ذاته بلا مغايرةٍ بكلّ احتمالٍ من وقوعٍ و فرضٍ و تجويزٍ و ليس خارج ذات الوجوب الّا الجواز و الأمكان و لا مكان لألٰهٍ آخر الّا الامكان لانّ الألٰه الحقّ جلّ و علا صمدٌ لا مدخل فيه و الذي يحويه الأمكان مخلوق للواجب فلو فرض في مقام الأستدلال و اثبات الأيمان في القلوب و الأوهام تعدّد الاۤلهة وقع التّصادم و التّصادم و التعالي في مركز الوجوب و في الكمال المطلق و الغنيّ الحقّ و في الطلبين و في المطلوب فلهذا وجب العلم القطعي و الحضور الحقيقي و العيان البديهي بوحدة الواحد الحقّ فيجب القول الحقّ اشهد ان لا ( الّا خل ) اله الّا اللّه ثم انك تريد من هذه الكلمة الّتي تشهد بها لدلالتها علي التوحيد توحيده في اربعة مواطِن الاوّل توحيد الذّات بمعني تفريده عن الكثرة في ذاته بكلّ اعتبارٍ حتّي اعتبار المعنيّ الكليّ و انّ هذا فرد من مفهومه يستحيل وجود غيره فقد تتوهّم الأوهام لأنسِها بالكثرات و التّعددات انّ المستثني المثبت كلّيّ او جزئيّ منه يستحيل وجود جزئيّ غيره فرفعتُ هذا التوهم عن الوهم بتأكيد التوحيد فقلتُ وحده و هو تنصيص علي التفريد البحت في الذّات كما قال تعالي و قال اللّه لاتتخذوا الٰهين اثنين انّما هو الٰه واحد و هذا توحيد الذات ثمّ لمّا كان ذلك الكلام اذا قيس علي استعماله في الممكن و ان كان نصّاً في توحيد الذّات الّا انّه قد يحتمل الكثرة و التعدّد في الصّفات و الأفعال و الأستحقاق كما هو شأن الممكنات و الأوهام قد اَلِفتَ نظاۤئرها فقد تحتمل في صفات الواجب و افعاله و استحقاقه ذلك لعدم معرفتها بالوجوب الذّاتي قلت لا شريك له في الأحوال الثلاثة اي ليس له ندّ في صفاته اي شريك فيها ليس كمثله شيء و لا شبيه في افعاله و مفعولاته اي ليس له شريك فيها اروني ماذا خلقوا من الأرض ام لهم شرك في السموات و لا شريك في استحقاقه العبادة و لايشرك بعبادة ربه احداً و قولك لا شريك له تنصيص علي التفريد البحت في صفاته و افعاله و عبادته فتمحّض التوحيد البحت الحقيقي في المواطن الأربعة توحيد الذّات و توحيد الصّفات و توحيد الأفعال و توحيد الأستحقاق و هو الذي يليق بان يعبد اللّه به و يتعبّد به خلقه بل و ان يخلقهم لأجله كما قال عز من قاۤئل و ماخلقتُ الجنّ و الأنس الّا ليعبدون اي ليعبدوني بتوحيدي في هذه المواطن الأربعة و انمّا نصّوا علي خالص التوحيد في هذه المواطن الأربعة من الوجود لأنّها اركان الأحديّة و كلّ شيء يدخل تحتها فاذا عرفتَ ما اشرنا اليه من معني الشهادة بالّا اله الّا اللّه وحده لا شريك له فلاحظ ما اشرنا اليه سابقاً قد نصّ (اع) بهذا التّنزيه الذي نزّه به خالقه و التّعظيم الذي عظّم به ائمّته و الأشارة الي تعليمهم الملاۤئكة التوحيد و التسبيح و التكبير و التهليل علي فضل عظيم لٰالمحمد (ع) يعرفه من كتب لأجله و هو علي الأجمال انهم بيّنوا توحيد ربّهم بعد ما ذكروا من صفاتهم و بيانهم لسانيّ و عمليّ امّا اللّسانيّ فظاهر و امّا العمليّ فانّهم ظهروا بتلك الشهادة للملاۤئكة في عالم الأنوار و لنا في عرصة الأسرار فهلّلوه و سبّحوه و كبّروه و حمّدوه بحقايقهم و عقولهم و نفوسهم و ابدانهم فعرفنا من ذلك ربّنا و قد شهدوا كما شهد اللّه فوحّدوا اللّه في المراتب الأربع حالاً و تعلّمنا منهم فافهم الأشارة تلو العبارة حتّي تفوز معنا و تشرب ممّا شربنا اعلي اللّه درجته و رفع منزلته . عبد الشّارح محمّد بن محمّدكريم .
من انّهم (ع) المعلّمون لكلّ الخلق و السابقون الي كلّ خير فلمّا نبّه (ع) علي بعض صفاتهم السابقة علي هذه الشهادة ظهر منها لمن عرف مراده منها الألوهيّة كما قد بيّنّا في مواضع كثيرة ممّا تقدّم ممّا ليس من صفات الخلق علي ماتعرفه عاۤمّة الناس فانّما يعرف انه من صفات الخلق خصيص الشيعة تشَهّد الامام (ع) بكلمة التّوحيد اعترافاً بالعبوديّة و اقراراً للّه بالأحديّة و تنبيهاً للزاۤئرين انّ ما ظهر لكم من العظمة انما هو عظمة المخلوق من اثر ما ظهر عليه من عظمة اللّه جلّ و علا فانتَ ايّها الزاۤئر حينئذٍ واقف حيث وقفت الملاۤئكة في عالم الأنوار و رأوا نور محمّد و اهل بيته صلي اللّه عليه و عليهم اجمعين يشرق من عالم الأسرار و الغيوب المستسرّة ظنّوا انّ هذا نور اللّه المعبود الحقّ سبحانه فهلّلوا فعلمتِ الملاۤئكة انّ هذا النّور نور المخلوقين المقرّبين فهلّلوا فلمّا هلّل الأمام المزور (ع) هلّل الزاۤئر السّامع باذن سرّه تهليل المزور (ع) و قد اشرنا الي هذا المعني في التكبير قبل الزيارة و انّما اعدنا الأشارة تسهيلاً للطّلب و تأكيداً للحفظ و منعاً من الغفلة .
قال عليه السلام : كما شهد اللّه لنفسه
انه ( اللّه خ ) سبحانه لميجد غيره في ازليّته كما قال تعالي قل اتنبئونه بما لايعلم في السموات و لا في الأرض فانّه لايعلم انّ معه غيره لا في ذاته و لا في صفاته و لا في افعاله و لا في استحقاقه لما سواه فهو يجد نفسه بنفسه فوجدانه وجوده و ذاته وجدانه لذاته و ذاته وجوده و قد يعبّرون عن هذا الوجود بالوجه الباقي و لايذهب عليك مع تكثّر العبارات حصول الكثرة و انما هو شيء بحقيقة الشيئيّة واحدة بحقيقة الوحدة اي احدي المعني فاذا قيل من حيث هو عالم بذاته علم و عالم و من حيث هو يشهد نفسه بصرٌ و بصير لايراد منه الّا التّفهيم و التبيين توصّلاً الي اثبات الثابت في القلوب و الأوهام اي اثبات وصفه ليبين عند عبده بوصفه عمّا سواه لا انّ هناك مغايرةً و لا كثرةً و لا حيثاً و لا اعتباراً لا عقلاً و لا فرضاً لا في الأزل و لا في ظهوره بوصفه لعبده اذْ لا حقيقة للعبد الّا ذلك الوصف الذي ظهر له به اي ظهر بعبده له فاذا عرفه بوصفه عرفه كما عرّفه ( عرف خل ) نفسه لعبده فاذا قلتَ اشهد اَلَّا اله الّا هو كما شهد اللّه لنفسِهِ تريد انّي اشهدُ له باحديّةٍ لايعرفها غيره و هي احديّة الوجوب احديّة هي ذاته لأنّي لاادرك الّا احديّةً هي آية احديّته و جميع الخلق من نبيٍّ مرسلٍ و ملكٍ مقرّبٍ انما يدركون الأحديّة التي هي آية احديّته و ان تفاوتت مراتب المدركين و المدركات من الأحديّات التي هي آيات احديّته الّتي هي ذاته و هي الّتي تشهد ( شهد خل ) بها لنفسه تفاوتاً غير متناهٍ في الأمكان لأنّ ما يعرفه غيره آية و الٰاية تدلّ بكونها آيةً علي ذي آيةٍ و لايلزم من هذه الدلالة بيان كنه المدلول عليه و لا الأحاطة لأنّها انّما تدل بفقرها و حاجة استنادها الي غنيّ مطلق لايستند الي غيره و الّا لتحوّل دليلاً بعد ما كان مدلولاً عليه فما عرفتَ من الوحدة الحقيقية ( الحقيقة خل ) الّتي شهدتَ بها له دَلَّكَ علي الوحدة الّتي شهد بها لنفسه لاستناده اليها و فقره و ظهورها به لَهُ فانتَ تشهد بما عرفتَ و تَعْن۪ي به ما لمتعرف مما شهد به لنفسِهِ و هذا هو المراد من المعرفة الصّحيحة التي اراد سبحانه من العباد و كذلك في خطابه و دعاۤئه لأنّ الخطاب خلق تتوصّل به الي الحقّ علي نحو ما قلنا في المعرفة فصحّ علي ما قلنا انّك تشهد اَلَّا الٰه الّا اللّه كما شهد اللّه لنفسه و يحتمل فيه معني آخر و هو انّ الكاف لمتكن هنا للتشبيه بل هي للتّعليل و المعني انّي اشهد اَلَّا اله الّا اللّه لأنّه شهدَ اَلَّا اِله اِلَّا هو و هو العالمُ فلو وَجَدَ معه غيره لماوحّد نفسه و يكون قولك لانّه شهد لنفسه و لايحتاج الي توحيد نفسه و انّما عَلَّمَنٰا ذلك ليَدُلَّنا علي ما فيه هدايتنا الي ما اعدّ من الخيرات في الدّنيا و الٰاخرة لموحّديه و نجاتنا ممّا اعدّ من العقوبات في الدنيا و الٰاخرة لمنكري توحيده اَوْ انّ توحيده نفسه لنا مادة لجميع اكواننا في جميع مراتب الأيجادات و المثوبات و توحيدنا له قبولنا لجميع تلك الاكوان و يحتمل ان يكون كما شهد لنفسه لنا اي كما وصف نفسه لنا بأنّه واحدٌ لا شريك له و هو ما عَرَّفَنا من نفسه اي الذي اشرنا اليه سابقاً من قول اميرالمؤمنين (ع) تجلّي لها بها و من قولنا ان تعرّفه لك هو ظهوره لك بك و يدلّ علي هذا ظاهر العطف في قوله و شهدتْ له ملاۤئكته و اولوا العلم من خلقه المقتضي للتشريك و تدخل انت علي اعتبارٍ في التشريك و ينطبق علي ما قرّره بعض العلماۤء من محقّقي العارفين من انّ المشبّه في القرءان و السّنّة المنقولة باللّفظ نفس المشبّه به و انّ الكاف اتي به آلةً للأتحاد و يدلّ عليه انّ كلّ ما وجد في القرءان من المشبّه و المشبّه به ان اريد به الأتحاد لميؤت بلفظ مَثَل محركاً مثل قوله تعالي انما مثل الحيوة الدنيا كماۤءٍ انزلناه من السماۤء و لميقل كمثل ماۤءٍ و ذلك للأتّحاد فانّ مثل الحيوة الدّنيا هو ماۤء يعني لمّا اراد جلّ و علا ان يبيّن للعباد مثل الدنيا انزل المطر و هو بعينه نفسُ مثل الدنيا و اهلها فانّه يقع علي الأرض فينبت به النّبات و الأزهار الّتي تعجب الناظرين ثم يصفرّ ثم يكون حطاماً ثم يقع في العامِ القابل فينبتُ ذلك النبات كذلك النّشور و الدنيا كذلك قال تعالي و اللّهُ انبتَكم من الأرضِ نباتاً ثم يعيدُكم فيها و يخرجُكم اخراجاً فقد حييتم فيها كالنّبات و الزهر ثم تفنون كالنّبات لميبق من النّبات الّا بذره قد اختلط بتراب الأرض لميتبيّن منه ثم ينبت في العام القابل كذلك انتم تفنون لميبق منكم الّا طينتكم الأصليّة التي خلقتم منها كالبذر قد اختلطتْ بالتّراب كسحالةِ الذّهب لمتتبيّن ( لايتبين خل ) من التّراب فيقع المطر من بحر صاۤد علي الأرض فتنبتون و تخرجون للحساب يوم القيمة فالماۤء هو نفس مثل الدنيا و ان لميرد به الأتّحاد في الذات فلا بدّ من الأتيان بلفظ مثل كما قال تعالي مَثَلُ الّذين حمّلوا التوريٰة ثم لميحملوها كمثل الحمار لمّا كان الحمار في هذا المقام لميكن مَثَلاً لهم الّا اذا حمل كُتُباً لميكن نفسه مَثَلاً بل كانَ مثله مَثَلاً فكانَ مثل حمل الحمار الكتب عين مثلهم في حمل التوريٰة و كذلك قوله مَثَلُهم كَمَثَلِ الّذي استوقدَ ناراً نفس مثلِهم نفس مثل المستوقد ( فمثل المستوقد ناراً نفس مثلهم خل ) لا نفس المستوقِد ثم قال او كصيّبٍ من السماۤءِ فنفس الصيّب نفس مثلهم لا مثله فافهم فيكون قوله كما شهد لنفسِهِ علي هذا المعني عين شهادتك له و المعني اَنَا اَشْهَدُ اَلَّا اِلٰۤه اِلّا اللّه و هي شهادته لنفسه اَلَّا اِله اِلّا هو لي علي معني تعرّفه بذلك لي و هو ظهوره لي بي كما ذكرنا مكرراً .
قال عليه السلام : و شهدتْ له ملاۤئكته و اولوا العلم من خلقه
المراد بالملاۤئكة جميع الملاۤئكة الكليّة و الجزئيّة من ملاۤئكة الماۤء الاول و ملاۤئكة البلد الميت و الملاۤئكة الزارعين في تلك البلد و الغارسين الأشجار و المجرين للأنهار و الملاۤئكة العقلانيّة و الروحانيّة و النفسانيّة و الطبعانيّة و الماۤدّية و المثاليّة و الجسمانيّة و العرضانيّة و ملاۤئكة البرازخ بين تلك و البساۤئط و المركبات و الملاۤئكة الموكَّلة بالأضواۤء و الأجزاۤء و الذّرات و الالوان و الحركات و الأمساكات و الألزامات ( الألتزامات خل ) و غير ذلك من جميع ذرّات الوجود الكوني و الأمكاني و هي الموكّلة بانحاۤءِ الخلق و الرزق و الحيوة و الممات بالفعل و القوّة و شهادتها بالْسِنَةِ اجنحتها فيما وُكِلتْ بطيرانها فيه و كذلك الملاۤئكة المخلوقة بالتركيب و التكسير و التبديل و الأعمال و التّصحيف و الضّرب و التأليف و التّعفين و التّوليد و الضّم و ما اشبه ذلك فانّ تسبيحهم و شهادتهم بالوحدانيّة بما هم قاۤئمون به من هذه الأحوال المذكورة و ما اشبهها فان كانت صالحة نظم الله سبحانه به الحق و ان كانت طالحة انتظم بها باطل المبطل فكانت سبب جريان العدل علي ذلك المبطل و ماتجزون الّا ما كنتم تعملون و المراد باولي العلم بالحقيقة و الأصالة محمد و آله المعصومون صلّي اللّه عليه و آله الطاهرين و بالحقيقة الفرعيّة اهل العصمة ( من المرسلين خ ) و الأنبياۤء (ع) و بالفرعيّة المؤمنون من بني آدم و بالتّبعيّة المؤمنون من الجنّ و هذا كما قيل في تفسير ربّ العالمين و قد ورد عن ابيعبداللّه (ع) كما في الخصال قال (ع) الجنّ علي ثلاثة اجزاۤء فجزء مع الملاۤئكة و جزء يطيرون في الهواۤء و جزء كلاب و حيّات و الأنس علي ثلاثة اجزاۤء فجزء تحت ظل العرش يوم لا ظلّ الّا ظلّه و جزء عليه الحساب و العقاب و جزء وجوههم وجوه الٰادميّين و قلوبهم قلوب الشياطين ه ، فالمؤمنون من الأنس و هم الذين تحت ظلّ العرش الشيعة و هم اولوا العلم باللّه و يحتمل ان يراد بالمذكورين هنا اهل العصمة (ع) و ان دخل الشيعة فيهم ( فهم خل ) بالتّبعيّة و المؤمنون من الجنّ هم الذين مع الملاۤئكة هذا اذا اريد بالعلم ما هو المعروف فانّ اولي العلم هم الذين يعرفون الله بالدّليل او يعرفون خصوص التّوحيد او يعرفون ما يراد منهم و يفعلونه او يخشون اللّه فانّ خشيته هي العلم كما قال تعالي انما يخشي اللّهَ من عباده العلماۤءُ ، و في الدعاۤء لا علم الّا خشيتك و لا حكم الّا الايمان بك ليس لمن لميخشك علم و لا لمن لميؤمن بك حكم و مراتب العلماۤء في العلم علي هذا الوجه المعروف تتفاوت بتفاوت حسن العمل و الاخلاص و صدق الشهادة بالتوحيد علي حسب ذلك قال (ع) العلم يهتف بالعمل فان اجابه و الّا ارتحل عنه ، و ان اريد بالعلم ما هو اعم من المعروف بل يرادف الوجود بل الأمكان فكلّ شيء يشهد بتوحيده كما روي عن الصادق (ع) :
فيا عجباً كيف يعصي الألۤه ** * ** ام كيف يجحده الجاحد
و في كلّ شيء له آية ** * ** تدلّ علي انّه واحد
و ان من شيء الّا يسبّح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم فالجزء الثاني من الأنس و هم الذين عليهم الحساب و العقاب هم الذين خلطوا عملاً صالحاً و آخر سيّئاً من المؤمنين و المرجَون لأمر اللّه اما يعذّبهم و امّا يتوب عليهم من المخالفين الذين لميتبيّن لهم الهدي و ( ما خ ) كان ( من خ ) ذواتهم و احوالهم و اعمالهم و اقوالهم و افعالهم ممّا تحلّه الحيوة حيوة الوجود فتوحيده حقّ كلّ مرتبته و ما لمتحلّه الحيوة فتوحيده سبب جريان العدل عليه و الجزء الثالث هم شياطين الأنس اقرّوا بالسنتهم فالبسوا صورة استعيرت لهم من الأنسان فهي توحّد من دونهم و هم امواتٌ غير احياۤءٍ اعمالهم صورٌ هي محاۤلّ عدل اللّه سبحانه فيهم ان سخط ( اللّه خ ) عليهم و في العذاب هم خالدون و امّا الجزء الثاني من الجنّ فلايبعد لحوقهم بالثالث من جهة العلم يدلّ عليه ما روي في الخصال عن النبيّ (ص) قال خلق اللّه الجنّ خمسة اصنافٍ صنف حيّات و صنف عقارب و صنف حشرات الأرض و صنف كالريح في الهواۤء و صنف كبني آدم عليهم الحساب و العقاب ه ، فقوله و صنف كالريح في الهواۤء يريد بهم الذين يطيرون في الهواۤء علي الظاهر و هم ليسوا ممن عليهم الحساب و العقاب كما ذكر في هذا الحديث ففي الحديث الأوّل قسّمهم باعتبار حقاۤئقهم و في الثاني باعتبار حكم التكليف الذي يشاركون فيه الأنسان ظاهراً و الّذين مع الملاۤئكة منهم يجوز ان يكونوا ممّن عليهم الحساب و العقاب فاحسنوا العمل و حاسبوا انفسهم فلحقوا بالملاۤئكة و يحتمل انهم لميذكروا في الحديث الثاني و الأوّل اظهر عندي و باقي الأصناف منهم حال توحيدهم ما اشرنا اليه فيما تحلّه الحيوة و ما لاتحلّه الحيوة ،
ثم اعلم انه قد ذكر الملاۤئكة قبل اولي العلم في الٰاية و في الزيارة و في الأحاديث ايضاً امّا لانّ الذكر باعتبار لحاظ الترقّي فيبتدأ بالأدني و ذكر توحيده نفسه سبحانه قبل لأنّه المعلّم و الدّاعي و امّا لما تعرفه العواۤمّ من انّ الملاۤئكة هم الوساۤئط في الوحي بين اللّه و بين البشر كما هو ظواهر الأدلّة و امّا لأنّ الأستغراق في التوحيد في البساۤئط و المجرّدات ادوم لأنّهم لايشتغلون بغير ذكره تعالي كما قال عليّ بن الحسين (ع) في الدعاۤء للملاۤئكة في الصّحيفة اللّهم و حملة عرشِك الّذين لايفترون من تسبيحك و لايسأمون من تقديسِك و لايستحسرون عن عبادتك و لايؤثرون التقصير علي الجدّ في امرك و لايغفلون عن الوَلَهِ اليك الي ان قال (ع) و الّذين لاتدخلهم سَأٰمة من دؤبٍ و لا اعياۤءٌ من لغوبٍ و لا فتورٌ و لاتشغلهم عن تسبيحك الشّهوات و لايقطعهم عن تعظيمك سهو الغفلات الدعاء ، بخلاف الماديّات و المركّبات لكثرة الموانع و لهذا كان صالح البشر افضل من الملاۤئكة لما في البشر من الموانع و طالحهم شرّ من الأنعام و في العلل عن الصادق (ع) حين سأله عبداللّه بن سنان الملاۤئكة افضل ام بنواٰادم فقال قال اميرالمؤمنين (ع) اعلموا انّ اللّه ركّب في الملاۤئكة عقلاً بلا شهوةٍ و ركّب في البهاۤئِم شهوةً بلا عقل و ركّب في بني اۤدم كلتيهما فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملاۤئكة و مَن غَلَبَتْ شهوته عقله فهو شر من البهاۤئم ه ، و امّا لأنّ التّعليم بالوحي انما يكون بواسطتهم باعتبار ظاهر الأمر و التكليف فحَسُنَ لأجل ذلك التقديم و ان كان في نفس الأمر انهم متأخرون ( يتأخّرون خل ) ايجاداً و شهادةً و قوله (ع) من خلقه علي احتمال ارادة المعني الأوّل من العلم يراد منه التبعيض يعني انّ غير اولي العلم من باقي المخلوقات و ان حصلت منهم الشّهادة بالتوحيد لكن توحيدهم عند اولي العلم كفر كما روي في الذّرة انّها تزعم انّ لِلّهِ زبانَيْن اي قرَنين لانّ كمال نوعها في وجودهما فتصفه بما هو كمال عندها و هذا و ان قبل منها لضعف عقلها لكنّه عند اولي العلم و في نفس الأمر ليس بصحيح فلميعتدّ بتوحيدها سوي اولي العلم في مقام الثناۤء علي اللّه تعالي اذْ لايحسن في هذا المقام انّ الذّرة توحّده و ان كان في مقامٍ آخر و هو عموم انقياد الخلق يكون حسناً و لهذا قال سبحانه في مثل هذا المعني الذي اشرنا اليه سبحان اللّه عما يصفون الا عباد اللّه المخلصين يعني ( ان عباد اللّه المخلصين خ ) يصفونه بما يليق بجلاله و عظمته و لاينافي هذا تقدّسه عن وصف العباد المخلصين ايضاً كما قال تعالي سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون لانّه سبحانه في شهادته لنفسه بوحدته لتعليم خلقه ليعرفوه بما وصف به نفسه و هذا لايكون في الأمكان فيكون وَصْف ملاۤئكته و اولي العلم من خلقه لائقاً بامتثال امره و حصول مراده من انّهم يعرفونه و امّا قوله تعالي سبحان ربّك ربّ العزة عمّا يصفون فهو ما يكون بالنسبة الي ذاته المقدسّة البحت فانّ الوجوب مقدّس عن كلّ ما سواه فتعالي عن كلّ شيء علوّاً كبيراً و علي احتمال ارادة المعني الثاني من العلم يراد منه البيان و ان اختلف و تفاوت في مراتب التشكيك و ذلك لانّ الوجود كلّه عالم و كلّ فردٍ من افرادِهِ من جوهرٍ و عرضٍ في غيبٍ او شهادةٍ له علم بل هو علم بل هو عالم و لاينفكّ العلم عن الوجود فاذا وُجِدَ وُجدَ و اذا فُقِدَ فُقِد و يترتّب حال هذه الأرادة للمعني الثاني علي ما اُشِيرَ اليه فيه سابقاً و شرح ما ينبغي في هذا المقام طول به الكلام .
قال عليه السلام : لا اله الّا هو العزيز الحكيم
قال الشارح قُدِّسَ سرّه كُرّر للتأكيد و التّوصيف .
اقول انّ الزاۤئر اتي بالتّهليل بعد الشهادة به اوّلاً بعد ان رجع الي نفسه فانشأ التّهليل عند معاينة الوحدة بتنبيه المزور (ع) و ذلك انّه (ع) بعد ان نبّه الزاۤئر فيما عاين من مقامهم عليهم السلام علي ان لا اله الّا اللّه فهلّل الزاۤئر كما تقدّم رجع (ع) الي نفسه عند ظهور الوحدة الحقيّة عليه بالوحدة الحقيقيّة فاشرق سَنَاهَا علي فؤاد الزاۤئر و قلبه فرجع الي نفسه فنطق بما وَجد فيه من ذلك السّناء لا اله الّا هو و ان اردتَ ظاهر الأمر قلتَ بعد ان شهد بالتّهليل ظهر اثره عليه فذكر بقلبه ما شهد به فقال لا اله الّا هو و لو لميرجع الي نفسه و لميذكر شيئا و قالَهٰا فهو من الغافلين و معني لا اِلٰه الّا اللّه علي ( المعني خ ) المعروف لغةً انّ اوهام المتوهّمين مما انِسَتْ به من كثرة الفاعلين و المالكين و المتكبّرين و المستعبدين تجوز كثرة الٰالهة الالٰه الحق سبحانه و آلهة ( الهته خل ) غيره فيطلقون لفظ الألٰه عليه و علي سائر ما يتوهّمون اطلاقاً حقيقياً عندهم و ان كان علي سبيل التّشكيك لانّ المشركين لاتطيعهم نفوسُهم علي الاطلاق بالتواطي لما اركز في فطرتها من التّوحيد فنزلت الرحمة بالهداية منه جلّ و علا لنجاتهم بكلمة التّوحيد و هو نفي الٰالِهة المدّعي ثبوتها علي ما يفهمون و اثبات الوحدة الألٰه الحق سبحانه في اذهانهم فحَسُنَ استثناۤء الحق من الباطل ممّا يدّعون من التشريك ففي الواقع لميدخل في التشريك و الأطلاق فكان معناها اللّه كما قال سبحانه قل اللّه ثم ذرهم في خوضهم يلعبون و ف۪ي اوهامهم كان معناها نفي الٰالهة الباطلة من اوهامهم باداةِ لا و اثبات الثابت سبحانه باداةِ اِلّا و لهذا قال بعض العارفين انّما اُتِيَ بلا مكْنَسَةً لغبار الأوهام و توصّلاً الي اثبات الثابت ذي الجلال و الأكرام . و قوله العزيز يريد به القاهر لما اراد و العالِم بما عزّ و صغر و الملك المتسلّط علي مَن دونه و الغالب علي امره ( امرٍ خل ) و المتفرّد بالعزّة و القدرة قال الصدوق (ره) في التوحيد العزيز معناه انّه لايعجزه شيء و لايمتنع عليه شيء اراده فهو قاهر للأشياۤء غالب غير مغلوب و قد يقال في مَثَل من عَزَّ بَزَّ اي من غَلَبَ سَلَبَ و قوله عزّ و جلّ حكايةً عن الخصمين و عزّني في الخطاب اي غلبني في محاورة الكلام و معني ثانٍ انه الملك و يقال للملِك عزيز كما قال اخوة يوسف ليوسف (ع) يا ايّها العزيز و المراد به يا ايّها الملِك ه ، اقول و من معانيه التكرم عن النقاۤئص و التنزّه عن الرذاۤئل و الأضداد و الأنداد و الشركاۤء و الذي لايطاول و لايحاول و الشديد و له معانٍ من الأشتقاقات اللّغوية كثيرة و الأليق بمعناه اذا الحق بكلمة التوحيد المتنزّه عن الشركاۤء و الأنداد و الأضداد و الحكيم قال في التّوحيد الحكيم معناه انّه عالِم و الحكمة في اللّغة العلم و منه قوله عزّ و جلّ يؤتي الحكمة مَن يشاۤء و معني ثانٍ انّه محكم و افعاله محكمة متقنة من الفساد و قد حكمته و احكمته لغتان و حكمة اللّجام سمّيت بذلك لانها تمنعه من الجري الشديد و هي ما احاطَتْ بِحَنَكهِ ه ، اقول قال في الكشّاف في تفسير يؤتي الحكمة من يشاۤء قال يوفّق للعلم و العمل به و الحكيم عند اللّه هو العالم العامل و قال في تفسير قوله تعالي لا الۤه الّا هو العزيز الحكيم صفتان مقرّرتان لما وصف به ذاته من الوحدانيّة و العدل يعني انّه العزيز الذي لايغالبه الٰهٌ آخر الحكيم الذي لايعدِلُ عن العدل في افعاله ، و قال في الوافي في حديث العقل و جنده في و الحكمة و ضدّها الهوي قال هي يعني الحكمة الأخذ باليقينيّات الحقّة في القول و العمل و قال الصّادق (ع) ( في حديث هشام خ ) في قوله تعالي و لقد آتينا لقمان الحكمة قال الفهم و العقل و قال في الوافي في بيان قول اميرالمؤمنين (ع) بالعقل استُخْرِج غور الحكمة و بالحكمة استخرج غور العقل قال غور الحكمة اي غوامض المعارف الحكميّة و العلوم الألهيّة و قال في غور العقل اي بادراك الحقاۤئق العقليّة و تحصيل المعارف الحكميّة استخرج النفس من حدّ القوّة الي الفعل و من حدّ النقص الي الكمال في باب العقل و المعقول و في التأدّب ( التأديب خل ) بالٰادٰاب الصالحة و التخلّق بالاخلاق الحميدة فيصير عقلاً كاملاً بالفعل و هو المراد من غور العقل يعني غايته و كماله الأقصي و الحاصل انّ كلّ مرتبة من العقل تقتضي استعداد الوصول الي مرتبة من الحكمة اذا حصلت للنفس تجعلها مستعدة لفيضان مرتبة اخري فوقها من العقل و بالعكس و هكذا يتدرّجان في ( الاشتداد و خ ) الازدياد الي ان يبلغا الي الغاية القصوي و الدرجة العليا فبكل منهما يقع الوصول الي غور الٰاخر و غايته ( عليته خل ) ه ، و بالجملة فالحكيم في حق الواجب هو العالم المطلق الذي لايغايا علمه و لايكتنه حقيقته و يجري افعاله علي مقتضي الحكمة من الصلاح و العدل في جميع انحاۤء مشيّته .
قال عليه السلام : و اشهد انّ محمّداً عبده المنتجب و رسوله المرتضي
الشهادة هنا لها مستندانِ احدهما الشهادة المعروفة الثابتة عن التواتر بانه (ص) رسول اللّه كما هو مذكور في كتب الكلام من انّه ادّعي النبوّة و صدّق دعواه بالمعجزات المقرونة بالتحدّي و قد ثبت كثير منها بالتواتر و من اعظمها و اشدها تحقّقاً و تحقيقاً لدعواه صلي اللّه عليه و آله القرءانُ الباقي الي انقضاۤء عالم التكليف يشهد له بالنبوّة و الرسالة لايقدر احد من الخلاۤئق ان يطعن في شهادته له و تصديقه ايّاه و هذا القرءان المثبت لدعواه (ص) غير ثبوتها بالتواتر لانّه معجز مستقلّ في الأثبات شاهد حاضر علي جميع المكلّفين ما دام التكيف و ثانيهما يكون مستنداً لشهادة اصحاب الشهود خاۤصّة و الأشارة اليه هي انّ من عرف اللّه و عرف صفاته و افعاله و آثار افعاله ظهر له بالضرورة انّ محمداً رسول اللّه (ص) و ذلك يظهر لمن عرف اسرار هذا المذهب ظاهراً و باطناً من جهة سيرته و اوامره و نواهيه و اۤدابه و اخلاقه و شرعه الذي عليه اهل بيته و اتباعهم فانّه يحصل له القطع بانّ هذه صدرت عن حكمة ربّانيّة لايمكن مثلها من الخلق لا من جهة عقولهم و لا خيالاتهم لا نوماً و لا يقظةً و لا بسحرٍ و لا بكهانةٍ و لا برياضةٍ و لا بشيء غير الوحي الخاۤصّ لأنّ جميع هذه الأمور لاتجري في جميع احوالها علي مقتضي الحكمة الّا اذا كانت عن اللّه تعالي لانّ الخلق معرض للخطاء و الغفلة و السّهو و النسيان و المعصية و مخالفة الحق ( الخلق خل ) اِنْ وقعتْ من غير معصومٍ و لو ( فرض خ ) انها وقعت من معصوم عن هذه الرذاۤئل و النقاۤئص بغير وحي من اللّه تعالي خاۤصّ علي تقدير الفرض لانه لايقع من معصوم شيء بغير امرٍ خاۤصّ او عاۤمّ صريح الّا نادراً لغرضٍ صحيح في نفسِ الأمر بانْ يأمر اللّه المحدِّث ان يغيب عن المعصوم ليقع ما لاينبغي بالنّسبة اليه و الي افعاله امّا لتقصيره في مرتبة مثله كما كان من يونس (ع) حيث قال كَذَبَني الوحي فلايرون وجهي لانّ الملَك اخفي عليه حرفاً من الوحي بامر اللّه لمّا سأل ربَّه ان ينزل عليهم العذاب ليهلكهم فاتاه الوحي انه ينزل عليهم العذاب و لميرد انّه يهلكهم لعلمه تعالي بانّهم يؤمنون و يونس (ع) يظنّ انّ اللّه تعالي يريد اهلاكهم لوعدِه انّه ينزل عليهم ( العذاب خ ) فقال كَذَبني الوحي بتخفيف الذال المعجمة اي اخلفني و انما قال (ع) ذلك لمّا غاب عنه الملَك المحدِّث و انما كان ذلك منه لأنّه تردّد في ولاية اميرالمؤمنين (ع) كما روي عن علي بن الحسين (ع) و تردُّدُهُ اَنّه لما طلب منه روبيل العالِم ان يسئل اللّه ان يتوب علي قومه و يرحمَهم اَبَي و راجعه فاَبي لما لحقه من عنادهم و كفرهم من الغضب عليهم و مقتضي ولاية اميرالمؤمنين (ع) ان يقبل شفاعة العالم روبيل و يكظم غيظه للّه فلمّا لميصبر قال اللّه اِذْ ذهب مغاضباً يعني لقومه و هو معني التردّد في ولاية اميرالمؤمنين (ع) و هو تقصير في حقّ مثله لانّه نقص في المسابقة الي الدّرجات العاليات لا اَنّه ذنبٌ او تقصير في حقِّ مثلنا اوْ يكون ذلك آية لحقٍّ يريد اللّه اظهاره كما وقع اختيار موسي (ع) لسبعين رجلاً من قومه فوقع اختياره علي اشرار قومه ليكون هذا آية للنّصّ علي ولاية اميرالمؤمنين (ع) و بطلان ولاية مَن تقدّم عليه لدعواهم انّه يكون باختيار المسلمين و لو صحّ اختيار المسلمين لصحّ اختيار موسي (ع) و هو من الأنبياۤء اولي العزم و لو صحّ فرض العصمة و تأسيس الأحكام بدون الوحي الخاۤصّ لوقع فيها ما يخالف الحكمة لأنّ العصمة لاتستلزم الأحاطة بجميع اسرار الوجود ( الوجوب خل ) فلا بدّ من حصول ما يخالف الحكمة الّا اذا اقترنتْ بالوحي الخاۤصّ من علّام الغيوب فلما رأينا ما اسّس و شرع علي كمال الحكمة و الصّواب ظاهراً و باطناً بمقامٍ تعجز الخلق عن الوصول اليه علمنا انّه كان عن الوحي الخاۤصّ فيكون رسول اللّه (ص) هذا الظاهر و امّا الباطن فلانّ من عرف في الجملة نمط انتظام الوجود و ارتباط بعضه ببعضٍ و انّ الفرجة و الطفرة لاتقع فيه بين بعض افراده و ذرّاته ما دام فعل اللّه فيه جارياً بالأسباب و الحِكَم مع احتياج بعضها الي بعضٍ في تتميمات القابليات لجريان الفعل فيها عرف بانّ محمّداً رسول اللّه (ص) لانّ غيره ماادُّعِيَ له صحّة الوساطة المطلقة بين اللّه و بين الخلق علي جهة العموم لا من الأوّلين و لا من الٰاخرين بان لايكون قبله مخلوق اقرب منه الي المبدأ الفيّاض و هذا الشخص الربّاني المتفرّد الوحداني قد ادّعي هذه الوساطة الكليّة و الرتبة العليّة بحيث لايسبقه سابق و لايلحقه لاحق و لايطمع في ادراكه طامع و انّه اقرب الي المبدء الفيّاض من جميع الخلق و ادّعاه له الصادقون المعصومون من الأوّلين و الٰاخرين و اتي من افعاله و اقواله و اعماله و احواله و اوامره و نواهيه و آدابه و اخلاقه بما تشهد له به الخرس و الجمادات بتصديق تلك الأحوال لما يدّعيه و يُدّعي له فاذا ثبت نظم الوجود و ارتباطه و كانت جميع الأنبياۤء و الرسل و غيره و الملاۤئكة لميكن فيها ما يصلح لهذه الوساطة لنقصهم عنها لعظم الشّأن الذي لايدخل تحت الحدّ وجب ان يكون في الوجود الممكن ذات من الخلق قبل كلّ الخلق تشتمل علي جميع اسرار الخليقة و اسرار القدر الألهي فيها لتكون صالحة للوساطة المشار اليها و يجب في دليل الحكمة ان تكون تلك الذات تتلقّي جميع الأفاضات عن الحقّ تعالي و توصلها الي مواقعها ( موافقها خل ) من الخلق و هو الرسالة و النبوّة و تكون تلك الذات حاملة الولاية المطلقة من الحقّ سبحانه علي جميع الخلق و هو قوله تعالي ماوسعني ارضي و لا سماۤئي و وسعني قلب عبدي المؤمن ، و لا بدّ ان تكون تلك الذات من نوع الانسان لانّه اشرف الخلق و اقرب الي الحق و ليس احد يصلح ان يكون تلك الذات ذاته غيره (ص) لاستجماعه لجميع الشراۤئط كما ذكرنا فقد دلّ الدليل القطعيّ الضروري كما برهنه دليل الحكمة علي انّه رسول اللّه (ص) و انه عبد اللّه للعقل و النقل امّا العقل فما دلّ علي حدوثه انه عبد داخر للّه لايملك لنفسه نفعاً و لا ضرّاً الّا باللّه و امّا النقل فكما في القرءان قال تعالي تبارك الذي نزّل الفرقان علي عبده ليكون للعالمين نذيراً ، سبحان الذي اسري بعبده ، لمّا قام عبد اللّه يدعوه و هذا ظاهر و امّا تقديمه علي الرسول في الذكر في كل موضع ذكرٰا معاً فلانّ العبوديّة اخصّ من الرّسالة و اقرب لأنّ الرسالة ايصال امر المرسل الي آخر و العبوديّة الاستغراق في خدمة المولي و لهذا قال الصادق (ع) في تفسير قوله تعالي و ان كنتم في ريبٍ ممّا نزّلنا علي عبدنا قال العين علمه باللّه و الباۤء بَوْنه من الخلق و الدّال دنوّه من الخالق بلا اشارة و لا كيف و انما قدّمتُ بيان الرسالة علي العبوديّة مع انّه خلاف الترتيب للأهتمام ببيان الرسالة لخفائها من جهة دليل الحكمة و ظهور العبوديّة ثم انّ قوله (ع) عبده المنتجب و رسوله المرتضي بجعل المنتجب صفة للعبد و المرتضي صفة للرسول فيه نكتة و هي انّ الأنتجاب اخصّ من الارتضاۤء اذ قد يرتضي الشخص شيئاً لأمرٍ خاۤصٍّ و ان لميكن ذلك المرتضي خيرة الموجود لصلوحه لذلك الأمر الخاۤصّ و المرتضي و ان كان هو منتجباً ممن لايرتضي لهذا الأمر لكنّه لايلزم ان يكون منتجباً مطلقاً بخلاف المنتجب فانّه مرتضي فكلّ منتجب مرتضي و لا كلّ مرتضي منتجب فلمّا كان المنتجب اخصّ وصف به العبد الاخصَّ من الرسول هذا المناسب مع اجتماعها و عدم ملاحظةِ اعتبارٍ آخر لمقام آخر فيمكن مع اختلاف المقام و الأعتبار تغييره ( تتغير خل ) المناسبة فيكونان مترادفَيْن كما قال تعالي و ماكان اللّه ليطلعكم علي الغيب و لكنّ اللّهَ يجتبي من رسله مَن يشاۤء و قال تعالي عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احداً الّا مَن ارتضي مِن رسول فالمجتبي و المرتضي هنا بمعني المنتجب ( المجتبي خل ) الذي هو خيرة الوجود و الموجود كما اشار اليه اميرالمؤمنين (ع) في خُطبةِ يوم الغدير و الجمعة و اشهد انّ محمداً عبده و رسوله استخلصه في القدم علي ساۤئر الأمم علي علمٍ منه انفرد عن التشاكل و التماثل من ابناۤء الجنس و انتجبه آمراً و ناهياً عنه اقامَه في ساۤئر عالمه في الأداۤء مَقامه اِذْ كان لاتدركه الأبصار و لاتحويه خواطر الأفكار و لاتمثّله غوامض الظنون في الأسرار الخ ، و الحاصل انّ البيان لمثل هذه الأمور حتّي يكونَ كالعيان ممّا يضيق به الزمان و العاقل يكتفي بالتلويح عن ( من خل ) التصريح .
قال عليه السلام : ارسله بالهدي و دين الحقّ ليظهره علي الدّين كلّه و لو كره المشركون
ارسله بالهدي و هو ما يدلّ علي ما يوصل الي المطلوب كما قال تعالي و امّا ثمود فهديناهم فاستحبّوا العمي علي الهدي و قيل هو ما يوصل الي المطلوب و له قوله تعالي انّك لاتهدي مَن احببتَ و هو يتعدّي بنفسه و باللّام و بألي قيل يراد بالأوّل الأيصال و بالأخيرَيْن اراۤءَةَ الطريق و قيل يستعمل الأوّل لهداية الحقّ تعالي قال تعالي اولۤئك الذين هدي اللّه ، و الثاني لهداية القرءان قال تعالي انّ هذا القرءان يهدي للّتي هي اقوم ، و الثالث لهداية محمّد (ص) قال تعالي و انّك لتهدي الي صراطٍ مستقيم و الحقّ انه يستعمل في حقّ اللّه تعالي و في حقّ محمد (ص) و القرءان في الأحوال الثلاثة قال تعالي و انّ اللّه لهاد الذين آمنوا الي صراطٍ مستقيم و قال تعالي يهدي اللّه لنوره مَن يشاۤء و كذلك في هداية محمّد (ص) و هداية القرءان كما ذكر في القرءان و السّنّة و يشهد به الذّوق السليم و انما اختلاف التعدّي بنفسه و باللّام و بألٰي انما هو لاختلاف المقام فانّ الهادي قد يوصل بالعناية و التوفيق و المعونة بالقاۤءِ النّور في المهدي حتّي يستنير به و يكون ذلك مقتضياً لميل طبيعته الي ما يريد اللّه منه فيُتعدَّي ( فيعدي خل ) بنفسه و يكون بأراءة الطريق الأقرب و رفع الموانع المقتضية للضِدِّ باللّطف و التوفيق فيتعدي ( فيُعدّي خل ) باللّام اشعاراً بقرب المسافة و تسهيل السّير الي المطلوب و يكون باِراۤءة الطريق و تخلية السَرْب و يقف اللّطف و العناية علي ميله و يُعدّي بِألي اشعاراً ببعد “٢” المسافة المعبّر عنه “٢-” بتوقف اللّطف علي ميل العبد و في هذا سرّ اشرنا اليه في الفواۤئد مِن انّ النّور كهيئة مخروطٍ قاعدته عند المنير و نقطته الي حيث ينتهي النّور و الظلمة كهيئة مخروطٍ قاعدته عند منتهي النور و نقطته مع قاعدة النور هذا في كمهما ( كمّها خل ) و اما في حجمهما ( حَجْمها خل ) فهما سواۤء فما بين القاعدتين له ثلاثة احوال امّا مَن كان مِن قاعدة النّور الي ما قبل تساويهما في الكمّ فتجري الحكمة فيهم بالهداية علي الأوّل علي اختلاف مراتبهم و هم من اهل قوله تعالي اللّه ولي الذين اۤمنوا يخرجهم من الظلمات الي النّور ، و امّا مَن كان من قاعدة الظلمة الي ما قبل تساويهما في الكمّ فتجري الحكمة فيهم بالهداية علي الثالث علي اختلاف مراتبهم و اريد بما قبل التساوي في الحالين ما كان التفاوت في الحقيقة كثيراً بان يكون النّور في الأوّل زاۤئداً علي ظلمته بما اقلّه اَلَّايكون في رتبته كما لايقع العشرات في رتبة الٰاحاد و تكونَ الظلمة في الأخير زاۤئدةً علي نوره كذلك و هم من اهل قوله تعالي و الّذين كفرُوا اولياۤؤهم الطّاغوت يخرجونهم من النّور الي الظّلمات ، و امّا من كان من غير الطرفين فثلاثة اقسام الأول الذي يلي اولياۤءَ النّور تجري الحكمة فيهم بالهداية علي الثاني بتبعيّة الاوّل و اكثرهم خلطوا عملاً صالحاً و آخر سيّئاً عسي اللّه ان يتوب عليهم و الثالث الذي يلي اولياۤء الظلمة تجري الحكمة فيهم بالهداية علي الثاني بتبعيّة الثالث و اكثرهم مرجون لأمر اللّه امّا يعذبهم و اما يتوب عليهم و الثاني و هو الوَسط مَن كان منه فتجري الحكمة فيهم يوم القيمة فيكون مَن آمن منهم تابعاً لمن آمن ممّن خلطوا عملاً صالحاً داخلاً معهم حيث ما دخلوا و مَن كفر منهم كان تابعاً لمن كفر من المرجين ( المرجون خل ) لأمر اللّه داخلاً معهم حيث ما دخلوا و الهدي ايضاً هو نور الحكمة و هو نور اللّه و هو التوسّم و منشأه العلم او العمل بنظر العقل الي ان يستقر امره علي نظر الفؤاد و هو النور الذي يؤيّده العقل بمدده و في الكافي قال قال ابوعبداللّه (ع) دعامةُ الأنسان العقل و العقل منه الفطنة و الفهم و الحفظ و العلم و بالعقل يكمل و هو دليله و مبصره و مفتاح امره فاذا كان تأييد عقله من النّور كان عالماً حافظاً ذاكراً فطناً فَهِماً فعلم بذلك كيف و لم و حيث و عرف مَن نصحه و مَن غشّه فاذا عرف ذلك عرف مجراه و موصُوله و مفصُولَه و اخلص الوحدانيّة للّه و الأقرار بالطّاعة فاذا فعل ذلك كان مستدركاً لما فاتَ و وارداً علي ما هو آتٍ و يعرف ما هو فيه و لأيّ شيء هو هٰهنا و من اين يأتيه و الي ما هو صاۤئر و ذلك كلّه من تأييد العقل ه ، اقول قوله فعلم بذلك كيف الخ ، اي كيف صفة ما يعمل و ما يؤدّي من الأعمال الي السعادة و الشقاوة وَ لِمَ خُلِقَ و ما مقامه عند ربّه و ما مسلكه اليه و ما يُراد منه فعله او تركه و يَتَلَافي تقصيره فيما مضي من عمره و يستعدّ لما يقدم عليه و يعرف حقيقة بدئِهِ و علّة ايجاده و مِن اين هَبَطَ الي الدنيا بأي صورة من علّيّين فيلازم في اصلاحها ام من سجّين فيعالج في تغييرها فانّه ممكن له و يعرف الي اين يصير امرُهُ و الهُدي هو ولاية عليّ اميرالمؤمنين (ع) و ولايته (ع) هي المعرفة الحقّة و الأعتقاد الصحيح و العلم و العمل به و محبّتهم (ع) و معاداة اعداۤئهم و بغض مبغضهم كما في الدعاۤء عنهم (ع) اُوَالي مَن والَوا و اُجَانب مَن جانَبُوا و هذا هو دين الحقّ الذي وعد اللّه سبحانه نبيه (ص) ان يظهر عليه بالقاۤئم (ع) و ذلك لانّ الدّين الذي ارسله به لميظهره كلّه بل اخفي اسراره و جواهره و اكثر ظاهره للتّقيّة من اعداۤء الدّين و لجهل اكثر اتباعه و اتباع آله الطّاهرين صلّي اللّه عليه و آله الطّاهرين و التّقيّة من الصّنفين اعداۤئهم و جهّال شيعتهم هي السّدّ المذكور في الٰاية الشريفة سدّ ذيالقرنين و في تفسير العيّاشي عن المفضّل قال سألتُ الصادق (ع) عن قوله عزّ و جلّ اجعل بينهم رَدْماً قال التقيّة فما اسطاعوا ان يظهروه و ما استطاعوا له نقبا اذا عَمِلتَ بالتقيّة لميقدروا لك علي حيلةٍ و هو الحِصْن الحصين و صار بينك و بين اعداۤءِ اللّهِ سدّاً لايستطيعون لَهُ نقباً و عن المفضّل قال سألتُ الصّادق (ع) عن قوله فاذا جاۤء وعد ربي جعله دَكّاۤءَ قال رفع التقيّة عند الكشف فانتقم من اعداۤءِ اللّهِ ،
اقول امّا الأعداۤء فلايقبلون ذلك حسداً و تكبّراً فيتّقي منهم و امّا جهّال الشيعة فلايقدرون علي احتمال تلك الأسرار فينكرونها بل ربّما قتلوا من آمن بها فيتّقي منهم لئلّايكفروا فاذا قام قاۤئمهم عجّل اللّه فرجه حمل الخلق علي قَراح الحقّ و اظهر جميع دين جدّه (ص) فمن انكره عجّل بروحه الي النار بسيفه ذي الفَقَارِ و ضُعفاۤءُ الشيعة الذين لميمنعهم عن الأقرار الّا القصور اذا خرج كَمُلَ ايمانهم بنوره و تَمَّ نقصهم بضياۤء ظهوره فيقبلون و تبقي حُثَالةٌ من معدنِ الضّلالة مستضعفون في الأرض حتّي انّهم يحرمون من الزكوة و تمنعهم التجارةُ ربحَهَا و الارضُ نباتَها فيأكلون العذرات روي القمي عن مولانا الصادق (ع) انّ له معيشةً ضنكاً قال هي واللّهِ للنُّصَابِ قيل له رأيناهم في دهرهم الأطول في الكفاية حتّي ماتوا قال ذلك واللّه في الرجعة يأكلون العذرة ،
اقول قوله (ع) في الرجعة يحتمل انّ المراد به قيام القاۤئم (ع) و ان لميكن من الرجعة الّا انه جعله منها لرجوعه الي الدّنيا بعد غيبته و لرجوع امواتٍ عند ظهوره و يحتمل انّ المراد به اوّل الرجعة لأنّ الحسين (ع) في الرجعة بعد قتل ابليس و جنوده و حكم رسول اللّه (ص) و اهل بيته (ع) يبعثه جدّه (ع) في اقطار الأرض حتي يُطَهِّر الأرض فلايبقي فيها الا المؤمن من بني آدم و حلال اللّحم من الحيوانات كما رواه في الخراۤئج و الجراۤئح و لقد روي انّ العلم سبعة و عشرون حرفاً و ليس في ايدي الناس الّا حرفان و خمسة و عشرون عند القاۤئم (ع) فاذا ظهر ضمّ الخمسة و العشرين الي الأثنين حتي اَنّ الرجل ليستغني عن علم غيره قال هنا عليّ (ع) و هو تأويل قوله تعالي يغن اللّه كلّاً من سعته فاذا كان كذلك جاۤء تأويل قوله تعالي ليظهره علي الدّين كلّه كما قال عليّ بن الحسين (ع) في دعاۤء شهر رمضان حتي لايستخفي بشيء من الحقّ مخافة احدٍ من الخلق و في الأكمال عن ابيبصير قال قال ابوعبداللّه (ع) في قوله تعالي ليظهره علي الدين كلّه فقال واللّهِ مانزل تاويلها بعد و لاينزل حتّي يخرج القاۤئم (ع) فاذا خرج القاۤئم (ع) لميبق كافرٌ باللّه العظيم و لا مشرك بالأمام الّا كره خروجه حتّي لو كان كافر او مشرك في بطن صخرة لَقَالَتْ يا مؤمن في بطني كافر فاكسرني و اقتله ه ، فقوله تعالي في آيةٍ و لو كره الكافرون يعني باللّه العظيم و في اخري و لو كره المشركون يعني بالأمام الكريم و يستعمل بالعكس لأنّ المأٰل واحدٌ و في الكافي عن ابيالحسن الماضي (ع) قال قلتُ هو الذي ارسل رسوله بالهدي و دين الحقّ قال هو الذي امر رسوله بالولاية لوصيّه و الولاية هي دين الحق قلتُ ليظهره علي الدين كلّه قال يظهره علي جميع الأديان عند قيام القاۤئم عليه السلام قال يقول اللّه و اللّه مُتمّ ولاية القاۤئم عليه السلام و لو كره الكافرون بولاية علي (ع) قلتُ هذا تنزيل قال نعم امّا هذا الحرف فتنزيلٌ و امّا غيره فتأويلٌ الحديث ، و عن ابيجعفرٍ عليه السلام في هذه الٰاية يكون الّايبقي احدٌ الا اقرّ بمحمدٍ (ص) و في مجمع البيان قال المقداد بن الأسود سمعتُ رسول اللّه (ص) يقول لايبقي علي وجه الارض بيت مَدَرٍ و لا وَبَرٍ الا ادخله اللّه كلمة الأسلام اِمّا بعزّ عزيز او بذلِّ ذليلٍ امّا يعزّهم فيجعلهم اللّه من اهلِهِ فيَعزُّوا به و امّا يذلّهم فيدينون له ه ، و قال الشارح (ره) ارسله مقروناً بالهدي و دين الحق اي اللّه او القاۤئم الي قيام القيٰمة لايعتريه النّسخ و التّبديل ليظهره و يغلبه ( علي الدين اي خ ) علي الاديان كلّه ه .
قال عليه السلام : و اَشْهَدُ انّكم الائمّة الراشدون
قال الشارح (ره) الذين قال رسول اللّه (ص) عليكم بسنّتي و سنة الخلفاۤء الراشدين من بعدي لو صحّ الخبر و رواه العاۤمّة ايضاً متواتراً سيّما البخاري و مسلم عنه (ص) انّه قال لايزال الدين قائماً او عزيزاً ما وليهم اثناعشر خليفة او اميراً كلّهم من قريش و الرُشد الهدي .
اقول الشهادة هنا علي نحو ما ذكر في الشهادة للنبيّ حرفاً بحرفٍ الّا القرءان باعتبار جهة المعجز و امّا في شهادته لهم بالأمامة و الخلافة فكشهادته له (ص) بالنّبوّة و الرسالة و التّصريح في النبوّة و الرسالة يشهد بالأمامة و الخلافة علي انّ عدم التّصريح الخاۤصّ لفظاً في هذَين انمّا هو من تغيير المبطلين من ذلك ما رواه الشيخ سعد بن ابرهيم الأردبيلي من علماۤء العامّة في اربعين حديثه باسناده الي المقداد بن الأسود الكندي قال كنتُ مع رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله و سلم و هو متعلّق باستار الكعبة و يقول اللّهم اعضدني و اشدد ازري و اشرح صدري و ارفع ذكري فنزل جبرئل (ع) و قال له اقرأ المنشرح لك صدرك و وضعنا عنك وزرك الذي انقض ظهرك و رفعنا لك ذكرك بعليّ صهرك فقرأها النبي صلي اللّه عليه و آله و سلّم علي ابنمسعودٍ فالحقها في تأليفه و اسقطها عثمان و امّا المشهود به من كونهم ائمّة فلا شكّ فيه باجماع المسلمين انّهم (ع) ممّن يُقْتَدي بهم في كلّ شيء لاتّفاق الألْسُنِ و القلوب علي انّهم لايساويهم من سواهم في العلم و العمل و الكرم و الشجاعة و التّقوي و الزهد و التجافي عن دار الغرور و الأقبال علي اللّه سبحانه و القيام باوامره و الأنتهاء عن نواهيه ( مناهيه خل ) و الأخلاص و الصّدق و غير ذلك من صفات الكمال و التخلص من النقاۤئص و ذماۤئم الأحوال الذي هو مقتضي العصمة و انّهم في رتبةٍ من كلّ امرٍ حَسَنٍ محمود عند اللّه و عند جميع خلقه لايدانيْهم فيها خلق و لايحوم حولها حائمة الأفكار و لاتدرك ادني مقاماتها البصاۤئر و الأبصار فيجب في جميع الطباع بما فطرتْ عليه من ( الميل خ ) المستقيم الرضا بهم ائمّة لايَرُدّ هذا احد من الخلق من البشر و غيرهم الا حسداً و عناداً و يجب التسليم لهم و الرّدّ اليهم و الأقتداۤء بهم و القبول منهم و الاخذ عنهم فيما عُلِمَ و فيما لايُعلَم هذا مع ما امر به النبيّ (ص) و نطق به القرءان ممّا لايُحصي و لايُستقصي ما بين تصريح و تبيين ( تبين خل ) و تلويح و تعيين و اشارة و عبارة و من انّهم الراشدون اي المهتدون و الرّشد الهدي و بعد هذه اللّفظة انّهم المهديّون اي الذين هديٰهم اللّه و هنا الذين اهتدوا فهم مهتدون مهديّون فالأول باعتبار استقامة قوابلهم كما قال تعالي في حق نبيّه (ص) و انّك لعلي خلق عظيم و في جميع النبيّين اللّه اعلم حيث يجعل رسالته و قول الصادق (ع) و وضع عنهم ثقل العمل بحقيقة ما هم اهله و الثاني باعتبار عظيم الفضل و جزيل النّعم عليهم حتّي وفّقهم لكل ما يحبّ و يرضي بما امدّهم من النّور فالأهتداۤء من اقتضاۤء قوابلهم و الهداية من مدد النّور .
قال عليه السلام : المهديّون المعصومون
المهديّون الذين دلّهم اللّه علي طريق محبّته و علي محبّته بما وهب لهم من القوّة علي طاعته و وضع عنهم ثقل العمل بحقيقة ما هم اهله فما وهبهم فمنه بهم و طاعتهم له منهم به اَمّا انّ ما وهبهم فمنه فلانّه سبحانه اخترع لهم ذلك النّور بفعله لا من شيء فهو منه و اَمّا انه بهم فلانّ ذلك النّور ليس غيراً منهم ليظهر بدونهم و انما يظهر فيهم و اَمّا انّ طاعتهم له منه لانّهم بقوّته اطاعوه و امتثلوا اوامره و اجتنبوا نواهيه فالطاعة منهم و اَمّا انها به فلأنّهم انما يطيعون اذا كانوا شيئاً و ليسوا شيئاً الّا به فهو الحافظ لهم بامره و الحافظ لطاعتهم بهم فبقوّته اطاعوه و ما وضع عنهم من ثقل العمل فهو منه بحقيقة قبولهم و حقيقة قبولهم انّما هو لفضله تفضّلَ بالعناية فكوّنهم بنوره فكانوا بكينونتِهِ كاۤئنين فكوّنهم مهديّين فكانوا مهتدين ( مهتدين فكانوا مهديين خل ) و العصمة لغةً المنع و في اصطلاح اهل العدل لطف يمنع المكلَّف من ترك شيء من الواجبات و فعل شيء من المحرمات يفعله اللّه تعالي به غير مانعٍ لسببِ القدرةِ علي ترك الواجبات و فعل المحرمات و الّا لميستحقّ مدحاً و لا ثواباً بل لميكن مكلّفاً هذا معناها ظاهراً و امّا باطناً فاعلم انّ النفس الناطقة اذا انبعث منها قبولها لأيجادها فان استغرق قبولها ( قبولهم خل ) للأيجاد في الأيجاد حتّي شابَهَ الوجودَ كانت تلك الماهيّة بما استولي عليها من النّور الذي قَبِلَتْهُ لاتشتهي الّا الخير و الطاعات لأنّ ميلَ طبيعتها و داعيها قد هَجَرَتْه عند القبول و عند الاستعمال فلمتنبت له شجرة و لمتورق في شيء من اغصانه ورقةً فنسيتْه و استبدلَتْ به الميل التَّطَبُّعيّ ( الطبيعي خل ) فاغناها اللّه بفضله عن سؤال المحتاجين فهي تفرّ من المعاصي و من مذاۤمّ الأفعال و اهلها و ذلك لسبق العناية من الوهّاب الجواد بها لحقيقة ما هي اهله لانّه لمّا نبّهها علي ما سواه و نظرتْ الي السِّوي بعينه الّتي اعارها ( اراها خل ) رأتْ ما ليس بشيءٍ يلجأ اليه و لايطلب منه ففرّت منه الي الشّيء الذي لا شيء سِواه و لايطلب الّا اليه سبحانه و تعالي و هو تأويل قوله تعالي لو اطّلعتَ عليهم لولّيتَ منهم فراراً و لملئتَ منهم رُعْباً اذا طلبتَ حاجتك من لا شيء فهذا هو حقيقةُ ما هي اهله و مقتضاهُ هو الميل التّطبُّعي الذي اشرنا اليه و هو ما تطبّعتْ عليه من ميل النّور حتي كانتْ داخلةً معه حيثما دخل و خارجةً معه حيثما خرج و لاتفارقه فانقلبتْ شهوتها من طبعها الي شهوة النّور فقد خلقها خلقاً ثانياً خلقاً تشريعيّاً فلهذا تفرّ مما يكره اللّه و ان كانت تعلمه الّا انّها لاتعرفه و لاتستطيعه بالأستطاعة الّتي لها و ان كانت تقدر عليه فهذا الخلق التشريعي هو العصمة و هي الفطرة و تقتضي اموراً اربعةً : الأوّل صدق الأقوال الثاني حسن الأفعال الثالث حفظ الحقوق عن التعطيل الرابع حفظ نظام المعاش و المعاد عن التقريرات علي الباطل الموجب لاختلالهما بحسب الأمور العقليّة و الشرعيّة و قال جمهور العاۤمّة انّ متعلّقها التبليغ و الأداۤء فلاتقتضي هذه الأمور الأربعة الّا في التبليغ و الأداۤء فيخصون ذلك بتبليغ الوحي و يجوز عليه في غير هذا بعض النقاۤئص و المعاصي و الحقّ انّ متعلّقها ( ما اقتضاه خ ) استعدادُه لقبول الفيض من الحقّ سبحانه عليه مطلقاً لانّه مرتبة الولاية المطلقة السابقة عليهما فهما من جملة ما اقتضاه ذلك الأستعداد نعم قد يختلف ذلك الأستعداد باختلاف حقاۤئق المستعدّين فيتبين نقص الأدني بالنّسبة الي الأعْلَي و بالنّسبة الي حالَتَي مستعدٍّ واحدٍ و لمّا كان ذلك النقص انما هو نقصٌ بالنّسبة لميكن نقصاً مطلقاً و لهذا قيل انّ ماينسب الي الأنبياۤء المعصومين (ع) من المعاصي انمّا هو من بابِ ترك الأَوْلَي و انّما سمّيتْ معاصي بالنّسبة اليهم و لهذا ورد حسناتُ الأبرار سيّئَاۤت المقرّبين ثم لمّا كانت الولاية هي في الحقيقة ولاية اللّه سبحانه كما قال تعالي هنالك الوَلاية للّه الحق هو خير ثواباً و خير عقباً و معناها التملّك و التّسلّط و التّصرف المطلق و التّربية و التّدبير و هذا علي الحقيقة لايكون لغير اللّه تعالي و هو يتعالي في عزّ جلاله عن احوال الخلق فوجب في الحكمة ان يجعل له وليّاً علي مملكته قال تعالي و لميكن له شريك في الملك اذْ لا مالك غيره الّا مَن ملّكه ما لايخرج عن ملكه و لميكن له وليّ من الذلّ لانّه علي كلّ شيء قدير نعم له وليّ من العزّ و التكرّم و جهات تلك المملكة لاتتناهي فوجب في الحكمة في القاۤئم بها من جهةٍ امور : الاول ان يكون اعلي مظاهر الحقّ سبحانه من الخلق لانّه لو كان فوقه مظهر لماكان وليّاً مطلقاً لانّ مَن فوقه من المظاهرِ وليّ عليه لانّه الواسطة بينه و بين اللّه الثاني ان يكون اوسعها و اكبرها و لو كان غيره اوسع منه و اكبر لميحط بما هو اكبر منه و لهذا قال تعالي : ماوسعني ارضي و لا سماۤئي و وسعني قلب عبدي المؤمن ، يعني انّ الشّئون الّتي يريد ان يُوصلها الي عباده لاتسعها الارض و لا السماۤء و انما يسعها قلب الوليّ الذي هو اوسع من كلّ الموجودات الثالث ان يكون محل سر البداۤء و الامدادات المتجددة التي بها التكوين التشريعي و الأيجادي و التشريع الأيجادي و التكليفي و بها القيومية لكلّ شيء الرابع انّه لما كان مدار الولاية المطلقة علي الفضل و العدل وجب ان يكون هذا الوليّ هو باب اللّه فيهما فلايجري شيء منهما علي غير يد هذا الوليّ و الّا لميكن ولياً مطلقاً الخامس ان يكون محلّ مشيّة اللّه و لسان ارادته و ان ليس لأرادة ( لمشية خل ) اللّه محلّ غيره الّا به و لا لسان ينطق غيره الا عنه السادس ان يشهده اللّه سبحانه خلقَ السموات و الأرض و ما في الوجود كلّه و خلق نفسه فلو لميشهده خلقَ السموات و الأرض و ما في الوجود لَمَاجازَ ان يكونَ وليّاً علي ما لايشهده و يشهد مبدأه و منتهاه و مجراه و موصوله و مفصوله و رزقه و اجله و كتابه و جميع تقديرات وجوداته و لتَخَصَّصَتْ ولايته و وجب ان يكون غيره وليّاً علي ما لميشهده السابع ان يكون عضداً للخلق في الكَونِ و المواۤدّ و الصّور و الغاية لأنّ الخلق لا بدّ له من عضدٍ و لايجوز ان يكون قديماً اَبعد اللّهُ مَن قال بانّ الخلق قاۤئمون باللّه قيام عروض او قيام ظهور او ان الخلق مركّب من الحادث و القديم او انّ الخلق مشخّصات الحقّ او انّها عينه و ذاته بل لا بدّ ان يكون من الخلق لينتهي الي مثله كما قال عليّ (ع) انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله ، و المراد به ان يخلق اللّه من شعاع نور وليّه و نفس شعاعه ماۤدّة الخلق و من هيئات تقلّباته في خدمة ربّه و شئون اوامره و نواهيه صورهم و به اخترعهم و له خلقهم فلو لميكن الوليّ معصوماً في غاية العدالة و الاستقامة بحدٍّ لا غاية له و لا نهاية لبطل النظام اذا وقع خللٌ في علّته فاهل العصمة هم القُوَّامُ بامر اللّه تعالي في قوله فاستقم كما امرتَ فقام بهذه رسول اللّه (ص) في استقامةٍ لميصل اليها احدٌ من الخلق و من دونه اهل بيته (ع) و لهذا افرده بالذكر و الحقهم به في قوله و من تابَ معكَ و في قوله تعالي و لايلتفت منكم احد فقام بها الأربعةعشر المعصومون (ع) متشاركين كما شرّكهم اللّه سبحانه فالعصمة نور منه ذاتي و منه عرضي فالذّاتي عصمة محمد و اهل بيته صلّي اللّه عليه و عليهم خاۤصّة كالشمس قال تعالي انّا ارسلناك شاهداً و مبشّراً و نذيراً و داعياً الي اللّه باذنه و سراجاً منيراً ، و جعلنا سِراجاً وهّاجاً تأويلها فيه (ص) و هو الشمس الوهّاجة و هو السّراج الوهّاج اي الوقّاد و انزلنا من المعصرات ماۤءً ثجّاجاً المعصرات الأئمّة (ع) و ماۤءً ثجّاجاً اي منصبّاً بكثرةٍ و هو العلم يثجونه ثجّاً و العرضي عصمة جميع الأنبياۤء و المرسلين (ع) علي اختلاف مراتبهم لأنّها شعاع عصمة الأئمّة عليهم السلام فالقيام بامر اللّه علي حسب نور القاۤئم به من الذّاتي و العرضي فاذا طَرَقَ سمعك انّ الأنبياۤء (ع) معصومون و انّ محمداً و اهل بيته معصومون صلّي اللّه عليه و آله فلاتتوهّم اتحاد العصمتَيْن و لا انّهما من باب المشكِّك لأنّ افراد المشكِّكِ تجمعها حقيقة واحدة في جنسٍ او نوعٍ لأنّهما علّة و معلول و مؤثر و اثر فلايصدق عليهما ذلك الّا باعتبار دخولهما في مطلق الوجود فاشْهَدْ بما اشهدناك انهم الأئمّة المعصومون علي معني ما لَوَّحْنا لك ،
قال الشارح (ره) المعصومون من الصغاۤئر و الكباۤئر و السهو و النّسيان في مدّة العمر لٰاية التطهير و الاخبار المتواترة و الدلائل العقليّة معناها التي ذكرها علّامة المحققين في كتاب الألفين الّتي تزيد علي الف حجّة .
اقول امّا العصمة من الكباۤئر و الصّغاۤئر ( من الصغائر و الكبائر خل ) فظاهر ( معناها خ ) في الظاهر و في الباطن قد اشرنا اليه فراجع و امّا العصمة من السهو و النّسيان فمن عرف ما اشرنا اليه ظهر له انّ السّهو الذي هو الغفلة عن الصّورة مع بقاۤء انتقاشها في لوح النّفس و النّسيان الّذي هو محو الصّورة عنه انّما يكون ذلك في حقّ مَن كانَت الصّورة الّتي عنده منتزعة من الوجود الخارجيّ فهو ان شاهده في مكانه و زمانه وَجَدَ مثاله و ان غفل عنه لميجده مع بقاۤئه في صفحة اللّوح المحفوظ و امّا مَن كان الخارجي معلولاً للصّورة التي عنده و هي وجهه من الوجود فلايجوز عليه السهو و النّسيان اِذْ لو وَقَعَا منه فقَد الخارجي كالصّورة في المِرْءاۤةِ لو اعرض المقابِل فُقِدَتْ نعم لو اعرض المقابِل الي مِرءاۤةٍ اخري تُقابِل المرءاۤة الأولي لمتفقد الصّورة منها لأنّ تلك المِرءاۤة تحفظ عليها بواسطة مقابلتها للشّخص و قد تكون المِرءاۤة العُلْيا اوسع من السُّفْلي فاذا قابلها بجهة انعكاسها ( علي السفلي سلمت لها الصورة و تمت فيها و ان كان بغير جهة انعكاسها خ ) قد لاتتمّ و لاتسلم و قد لاتتمّ و تسلم و الوليّ المطلق فيما ولّي عليه بهذا المثال فلو نسي شيئاً او سهي عنه و لميُقْبِلْ علي ما يحفظ ذلك المنسي فُقِدَ من الوجود كالصورة ( المفقودة خ ) من المِرءاۤة كما مثّلنا و اذا اقبل علي الحافظ قد يبقي و قد يختلف و قد يعبّرون عليهم السلام عن هذا الأِعْراض و الأِقْبال الي الحافظ بانّ المحدِّث قد غابَ عنه او لأنّ اللّه انساه ليجري عليه القضاۤء فافهم .
قال عليه السلام : المكرّمون المقرّبون
قال الشارح (ره) المكرّمون الّذين كرمهم اللّه تعالي ذاتاً و صفاتاً و افعالاً و اكرمهم بالكرامات الصّوريّة و المعنويّة المقرّبون الّذين قربهم اللّه تعالي اليه بنهاية مراتب القُرب ه ، قال المفسّرون في قوله تعالي و لقد كرّمنا بني آدم بحسن الصّورة و المزاج الأعْدَل و اعتدال القامة و التمييز ( التميز خل ) بالعقل و الأفهام بالنطق و الأشارة و الخَطّ و الهداية الي اسباب المعاش و المعاد و التّسلّط علي ما في الأرض و التّمكّن من الصّناعات و انسياق الاسباب و المسبّبات العلويّة و السفليّة الي ما يعود اليه عملهم بالمنافع الي غير ذلك ممّا يقف الحَصْر دونَ احصاۤئه و في امالي الشيخ باسناده الي زيد بن عليّ (ع) عن ابيعبداللّه (ع) في قوله تعالي و لقد كرّمنا بني آدم يقول فضّلنا بني آدم علي ساۤئر الخلق و حملناهم في البرّ و البحر يقول علي الرَّطْب و اليابِس و رزقناهم من الطّيبات يقول من طيّبات الثّمار كلّها و فضّلناهم يقول ليس من داۤبّة و لا طاۤئرٍ الّا و هي تأكل و ( تشرب خ ) بفيها و لاترفع بيدها الي فيها طعاماً و لا شراباً غير ابن آدم فانّه يرفع الي فيه بيده طعامه و هذا من التّفضيل و روي القميّ عن ابيحمزة الثّمالي عن ابيجعفر (ع) قال انّ اللّه لايُكَرِّم روح الكافر و لكن كرّم ارواح المؤمنين و انّما كرامة النّفس و الدّم بالرّوح و الرّزق الطيّب هو العلم و فيه عن الأصْبَغ انّ عليّاً (ع) سُئِل عن قول اللّه تبارك و تعالي وسع كرسيّه السموات و الارض قال السموات و الارض و ما بينهما من مخلوقٍ في جوف الكرسيّ و له اربعة املاك يحملونه باذن اللّه فامّا ملك منهم ففي صورة الٰادميّين و هي اكرم الصور ( علي اللّه خ ) الحديث ، و كان عليّ اميرالمؤمنين (ع) بعد الأكل اذا فرغ قال الحمد للّه الذي كفانا و اكرمنا و حملنا في البرّ و البحر الخ ، و في دعاۤء النظر في المِرءاۤة الي ان قال و اكرمني بالاسلام و عن جابر عن ابيجعفر (ع) و فضّلناهم علي كثير ممّن خلقنا تفضيلا قال خلق كلّ شيء منكبّاً غير الانسان خُلِق منتصِباً و في حديث العلل عنه (ع) الي ان قال انّ اللّه تبارك و تعالي خلق آدم و اودعنا صلبَه و امر الملاۤئكة بالسّجود تعظيماً لنا و اكراماً و كان سجودهم للّه عزّ و جلّ عبوديّة و لٰادم اكراماً و طاعةً لكوننا في صلبه الحديث ، و في الكافي ماخلق اللّه عزّ و جلّ خلقاً اكرم علي اللّهِ عزّ و جلّ من مؤمن لأنّ الملاۤئكة خدّام المؤمنين و انّ جوار اللّه للمؤمنين و انّ الجنّة للمؤمنين و انّ الحورالعين للمؤمنين الحديث ، و الأشارة الي بيان ما اليه من التّكريمات الّتي كرّم اللّه تعالي بها الأنسان و هي علي الحقيقة لمحمّدٍ و اهل بيته صلّي اللّه عليه و عليهم بمحلٍّ من الأمكان في مكانةٍ و مكانٍ لايحوم حول حماها انسان و كلّ ما سواهم فبالتّبعيّة و المعلوليّة كلّ شخصٍ بنسبتِه و اَذْكُرُهَا علي ترتيب عدّها الذي ذكرناه فتكريمه سبحانه ذات الانسان بان خلَقَها من ظلّ كينونته اي نور مشيّته و البسها صورة ربوبيّته و هيكل توحيده و اتّخذها ذاتاً له نسبها اليه كما قال عليّ (ع) في حديث كميل للأعرابي قال و ما النّفس اللّاهوتيّة الملكوتيّة فقال (ع) قوّة لاهوتيّة و جوهرة بسيطة حيّة بالذّات اصلها العقل منه بدئَتْ و عنه وعَتْ و اليه دلَّتْ و اشارتْ و عودها اليه اذا كملتْ و شابهتْه و منها بدئت الموجودات و اليها تعود بالكمال فهي ذات اللّه العليا و شجرة طوبي و سدرة المنتهي و جنّةالمأوي من عرفها لميشق و مَن جهلها ضلّ سعيه و غوي ه ، فقال (ع) فهي ذات اللّه العُلْيا اي ذاتٌ للّه اصطفاها و كرّمها و نسبها اليه و جعلها صفته الدّالّة عليه و آيته المبيّنة انّه الحقّ و كتابه المبين و صراطه المستقيم فهي اقرب الذّوات اليه و اكرمها عليه و احبّها اليه و امّا تكريمه صفاتاً فانّه قد ادّب الأنسان بٰادابه الكريمة و كمّله بتكميلاته الجليلة و البسه حلل صفاته الجميلة من العقل و الحياۤء و العلم و الفقه و التّقوي و الرأفة و الرّحمة و الجود و الكرم و الحلم و الحكمة و البيان و التّبيين و القدرة و غير ذلك من ملابس صفات الربوبيّة و امّا تكرمة افعاله فانّه ارسل اليه رسله ليعرّفوه كرم الأفعال و حسن الأعمال حتّي انّه دلّه علي حصر جميع افعاله في صرفها في خدمته و طاعته و كفي بهذا تَكْرِمةً له و امّا اكرامه ايّاه بالكرامة الصّوريّة و المعنويّة فالمراد به ما نفصّله فالصّوريّة حسن صورة الجسم كما نذكره و المعنويّة حسن صورة الرّوح و النّفس و منها ما ذكرناه في تكرمة الصّفات و نذكره بعد هذا و امّا تكرمته بحسن الصّورة كما قال تعالي لقد خلقنا الأنسان في احسن تقويم فهي انتصاب قامته وَ صَفاۤءُ لَوْنِه و بضاضة جلده و اعتدال اعضاۤئه و كثرة الانتفاع بها و صلوحها لأكثر الأعمال حتّي اذا قيس كلّ واحدٍ منها الي نظيره في ساۤئر الحيوانات رأيتَ فيه صفات الربوبيّة و التّدبير و القيام علي ذلك النظير و رأيتَ في ذلك النظير هَيَآت العبوديّة و الأحتياج الي ذلك العضو الأنساني الذي هو وجهه من ربّه و به قيامه و قيّوميّته و ( ايضاً خ ) منه انتصاب وجهه فيُقَابِلُ باجْمعِه و لا كذلك شيء من الحيوانات فانّه انّما يقابل ببعضه او ببعضٍ بعد بعضٍ و ما اشبه ذلك و لهم (ع) صورة حسنة لايكون في الأمكان ما يدانيها و لو ظهروا للناس ببعضها لمارٰاهم احد من الخلق الّا مات علي الفور و انّ من ( احسن خل ) الملائكة رضوان و انما البسوه من شعاع صورهم و مثله ملك الموت عند قبض روح المؤمن و لكنّهم ستروها بالصّور البشريّة و امّا تكرمته بالمزاج الأعدل فلأنّ اعتدال المزاج هو الصّورة التّاۤمّة تستوجب الحيوة الذّاتيّة و البقاۤء الداۤئم و لهذا كان في مزاج الأنسان في الدنيا اخلاط و اعراض من كثافاتِ الطّعام و الشّراب و الهواۤء و المكان و الزّمان الغير ( غير خل ) الصّافية قد مازج تركيب قواه جعل اللّه ذلك ليترتّب عليه عدم بقاۤئه في هذه الدّار لانّها دار تكليفٍ و اللّطيف بعباده لايحبّ بقاۤءَهم في المشقّة و ليكون منه فراق الرّوح البدن ليموت و يدفن في الأرض فتأكل ما فيه فاذا تخلّص من جميع الغراۤئب الّتي فيه بعثه صافياً خالصاً و ركّبه تركيباً صالحاً للبقاۤء ابداً و انما صلح للبقاۤء ابداً لاعتدال طباۤئعه بميزانٍ مستقيمٍ به تتساوي تلك الطباۤئع علي اكملِ اعتدالٍ يلزم منه ان يكون واحداً بسيطاً لايعرض له التّضاۤدّ و لا الكثرة و لولا هذا الخلط و الاعراض الغريبة لماعرض له الموت و البقاۤء في دارِ المشقّة ينافي الرّأفة و اللّطف فجعل الخلط سبباً لانتقاله الي دار البقاۤء من دارِ الفناۤء فاقتضي المزاج الأعْدَل النطق و الأنسانيّة الّتي هي صراط اللّه و العلم و الحلم و العقل و الحياۤء و جميع الصفات الكاملة الّتي هي ظلّ التوحيد و مقتضي التّجريد فكان هذا الأعتدال في مزاجهم (ع) لشدّة كمال الحَلّ و العقد الألۤهيّين بحرارة العناية الأوّليّة و رطوبة الماۤء الأوّليّ الرّاجح الوجود قد بلغ بلطافة الماۤدّة و جمال الصّورة الي حدٍّ كانت قلوب شيعتهم من شعاعه و فاضله فنور قلوب الشيعة من شعاع اجسامهم (ع) كشعاع الشمس من الشمس و هو واحد من سبعين و ما سمعتَ من هذه الأوصاف العظيمة لاتحصي قلوب شيعتهم و لاتقع علي حقيقتها و لا علي حقيقة تكرمة اللّه سبحانه لها و امّا تكرمة اللّه باعتدال القامة فلانها اذا لمتكن معتدِلَةً مستقيمةً كانت ماۤئلةً او منكبّةً و تكون بغير هيئة ما شانُ سيره في السّلسلة الطّوليّة غير ( الغير خل ) المتناهية كالجمادات فانّ سيرها في السّلسلة العرضيّة كالمعادن و كالنباتات و ساۤئر الحيوانات فانّها و ان كان لها سيراً في السّلسلة الطّوليّة لانتقال المعادن من الجمادات الي رتبة المعادن ثم لاتتجاوز ( لايتجاوز خل ) رتبتها و انتقال النباتات من الجمادات الي المعادن و من المعادن الي رتبة النباتات ثم لاتتجاوز ( لايتجاوز خل ) رتبتها و انتقال الحيوانات من الجمادات الي المعادن و منها ( و من المعادن خل ) الي النباتات و منها ( من النباتات خل ) الي الحيوانات ثم لاتتجاوز ( لايتجاوز خل ) رتبتها و امّا الانسان فانه ينتقل من الجمادات الي المعادن و منها الي النباتات و منها الي الحيوانات و منها الي الملكيّة و منها الي الأنسان و منه الي الحضرة الألٰهيّة و لايزال يسير من مقامٍ الي مقامٍ اعلي منه حتي يصل الي مقامِ الرّضوان و المحبّة و يبقي يسير فيه صاعداً لا الي غاية و لا نهاية و استقامةُ قامة الأنسان صورة سيره الي اللّه و قبول اللّه له و اقباله علي اللّه حين دعاهُ و انكبابُ صورة ماعدا الانسان او انعطافها صورة سيره الي اللّه تعالي لان نظره الي ما في ( فيه خل ) الأرض و ما ورد من نظير ذلك في بعض الملاۤئكة لاينافي ما قلناه لانّ مَن كانَ منهم بغير صورة الأنسان انزل رتبة و اقلّ كمالاً و ان كان لايغفل عن خدمة اللّه تعالي طرفة عينٍ الّا انّه يخدم اللّه في الجهة السّفلي من مركزه و ما ورد انّ في بعض الحيوانات انّه يدخل الجنة كحمار النبيّ (ص) اليعفور و ناقته العضباۤء ( الغضباء خل ) و حمار عزير ( عزيز خل ) و حمارة بَلْعام بن باعورا و كلب اهل الكهف و ما اشبه ذلك بل وردَ انّ كلَّ صنفٍ من اصناف الحيوانات يدخل منها شيء في الجنّة الّا ثلاثة المسوخ و السِّباع و النّواصب فالوجه في ذلك انّ لذلك الداخل سيراً في السلسلة الطولية حتي تجاوزَ رتبة نوعه انّ مَن يدخلها من هذه الأصناف فله نفس برزخيّة مركبة من الحيوان و الانسان و لهذا يدرك بعض المعقولات الكليّة و لهذا يصدر منه ايمان و اقرار بالحقّ كما يصدر من ساۤئر المؤمنين و لكنّه لايكون انساناً و ان دخل الجنّة لأنّ الانسان اذا دخل الجنة كان ملِكاً مالِكاً كما قال تعالي و اذا رأيتَ ثَمَّ رأيتَ نعيماً وَ مُلْكاً كبيراً و الحيوان اذا دخل الجنّة هو حيوان و لايكون ملِكاً و الي هذا اشرتُ بقولي في السّلسلة الطوليّة غير ( الغير خل ) المتناهية و سلسلة هذا الحيوان متناهية لانّه لميخلع الصّورة الحيوانيّة و يلبس الأنسانية و ان كان باقياً فيها لما فيه من النفس المركّبة البرزخيّة الّتي تعقل صالح النيّة في العبوديّة و امّا تكرمته بالتمييز بالعقل فلانّه سبب محبّة اللّه لعبده اِذْ به يفرق بين الحق و الباطل و الخير و الشّرّ و طريق النجاة و الهلاك و هو حجّة اللّه الباطنة علي عبده كما قال تعالي و اسبغ عليكم نِعَمه ظاهرة و باطنة و هو النّور و الحيوة كما قال تعالي افمن كان ميتاً فاحييناه و جعلنا له نوراً يمشي به في النّاس و الكلام في بيان بعض هذا الحرف يطول و امّا تكرمته بالأِفهام بالنّطق و الأشارة و الخطّ فلأنّه لمّا اجزل نِعمه عليه خلقه جامعاً فاقتضت هذه البنية ان يكون مملّكاً و مالِكاً و اَن تكونَ شئونه كثيرة لاتكاد تُحصي فاسبغ عليه نِعَمه المترادفة فعلّمه النطق ليؤدي به في مطالبه الي مٰاربه و وسّع عليه في ذلك بالأشارة و الخطّ ليتوسّع في التأدية في شئونه عطفاً عليه و رأفةً به و رحمةً له و لميفعل ذلك بشيء من غيره و جعل لأصفياۤئِهِ من هذه التكرمة ما افهموا به الجماد و انطقوا به الصّمّ الصّلاد و انقاد الي اجابة كتابتهم و اشارتهم جميع من في البلاد فهم الّذين فهِموا عن اللّه ما اراد و فَهَّمُوا بفاضل فهمهم كلّ مَن فهم و استفاد فلايفهم شيء من جميع الخلق شيئاً الّا فهّمه اللّه بفاضل ما فهموا و انطقهم اللّه و انطق ما سواهم من نطقهم فكلّ لسانٍ حاليٍّ او مقاليٍّ ينطق بالثناۤء عليهم يسبّح اللّهَ باسماۤئِه جميع خلقه و ان من شيءٍ الّا يسبح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم و هم صلّي اللّه عليهم النّاطقون علي كلّ لسان بكل لغةٍ و هي سبعونالفَ لغةٍ و في رواية اخري سبعونالفَالف لغةٍ لا تشبه لغةٌ اختها و هو قول سيّد الوصيّين اميرالمؤمنين (ع) بعد كلامٍ طويل الي ان قال انا كما قال لي رسول اللّه (ص) انت يا علي ذو قرنيها و كلا طرفَيها و لكن لك الٰاخرة و الأولي يا سلمان انّ ميّتنا اذا مات لميمت و مقتولنا اذا قتل لميقتل و غايبنا اذا غاب لميغب و لايقاس بنا احدٌ من الناس انا تكلّمتُ علي لسان عيسي في المَهْدِ انا نوح انا ابراهيم انا صاحبُ الناقة انا صاحبُ الرجعة انا الزلزلة انا اللوح المحفوظ اليّ انتهي علم ما فيه انا اتقلّب في الصُّوَرِ كيف ما شاۤء اللّه مَن رٰاهم فقد رٰاني و من رٰاني فقد رٰاهم و نحن في الحقيقة نورُ اللّه الذي لايزول و لايتغيّر يا سلمان بنا شرّف كل مبعوث لاتدعونا ( فلاتدعونا خل ) ارباباً و قولوا فينا ما شئتم ففينا هلَكَ من هلكَ و نجا مَن نجا الحديث ، و جعل سبحانه لهم في الأشارة و الكتابة علي نحو ما سمعتَ في الفهم و النطق لما خصّهم به من التكرمة و امّا تكرمته بالهداية الي اسباب المعاش و المعاد فقد دلّ الانسان علي تربية الغرس و الزرع و تنمية المال بالتجارة و استخراج المعادن من البرّ و البحر و كيفيّة عملها لما يريدون منها من الأواني في استعمالاتهم و آلاتهم و من انواع الحليّ لزينتهم و استخراج ما ينسجونه لسترهم و رياشهم و كيفيّة عمل مطاعمهم و مشاربهم و تمييز صالحها من طالحها و نافعها من ضاۤرّها و بناۤء مساكنهم و القيام علي مواشيهم بما فيه صلاحها و حفظها و تعليمهم و الهامهم معرفة صناۤئعهم وَ اِحْكامِها و امثال ذلك ممّا هو معلوم و كلّ ذلك بهدايته و لهذا تري بعض الحيوانات يهتدون الي اشياۤء في مصالح معاشهم لايقدر الأنسان عليه لانّه ليس من امر معاشه كما في النّمل و النّحل من اعمالها ممّا تعدّه لقوتها و تتخذه لسكناها و غيرهما لأنّ اللّه سبحانه لميهده لذلك لعدم احتياجه اليه و اذا نظرت الي ما يعمله الأنسان من النتاۤئج و التدابير الّتي يعرف منها العارف انّها ليس في قوة نفس ( نفس قوة خل ) البشر الأهتداۤء اليها الّا بهداية اللّه عرفتَ انّ ذلك بهداية الذي هدي المولود من الأنسان و الحيوان حين وضعه الي التقام الثّدي الذي فيه رزقه و امتصاصه علي وضعٍ لايكاد الكبير العاقل يتمكّن من فعله الّا بعد المعالجة و التردّد و قد جعل سبحانه لمحمد و آله (ص) من هذه التكرمة ما دلّهم عليه من خدمته و الأستغراق في طاعته بحيث لايلتفتون الي ما سواه دلّهم عليه حين امرهم و قال لهم و لايلتفتْ منكم احد و امضوا حيث تؤمرون فلمّا غابوا فيما امرهم عن احوالهم و امر معاشِهم دارتْ لهم الأفلاك بما يصلحهم و جري لهم الماۤء و انبتت لهم الأرض و نبت لهم النّبات و تسبّبت لهم الأسباب من كلّ باب و جرت لهم الأشياۤء علي طبق ارادتهم حتي كانَ جميع ما في عالم الوجود الممكن انما اهتدي الي امر معاشه بفاضل ما جرتْ به لهم الاسباب من كلّ شيء فببركة استغراقهم في خدمة خالقهم اهتدي مَن سواهم الي امور معاشهم كلّها و العلّة فيما اشرنا اليه انّ هداية الخلق لأمورِ معاشهم لايكون الّا من اللّه سبحانه و هم في ذلك بهذه الهداية مُقْبِلونَ علي شئونهم و في ذلك قطع العلاقة من الفيض فلمّا دَلَّ سبحانه عباده المخلصين علي وصل العلاقة بالمدد و هو اقبالهم علي خدمته فلمّا استغرقوا في حضرة قدسِهِ و ذكره وصل فاضل وصلهم بالفيض قطع اقبال العباد علي شؤنهم لوَصْل المدد بغفلتهم و لهذا ادّبَ نبيّه (ص) بقوله و اذكر ربَّك في نفسك تضرّعاً وَ خِيفةً و دون الجهر من القول بالغدوّ و الٰاصال و لاتكن من الغافلين ثم بيّن له وجه الدليل فقال و أمر اهلَكَ بالصّلوة و اصطبر عليها لانسئلك رزقاً نحن نرزقك و العاقبة للتقوي فافهم الحكمة من دليل الحكمة و الهداية الي اسباب المعاد ما امر به من وحيه المنزل علي نبيّه المرسل (ص) الّذي فيه نجاتهم من عقابه و فوزهم بثوابه و ما دلّهم عليه من الأخلاق الحميدة و الأعمال المرضيّة السّديدة الّتي هي طريق محبّته الّتي هي طريق كفايته و القرب اليه و تلك الٰاداب هي النّوافل المشار اليها في الحديث القدسيّ مازال العبد يتقرّب اليّ بالنّوافل حتّي احبّهُ فهذا التقرّب طريق المحبّة قال تعالي فاذا احببتُه كنتُ سمعه الذي يسمعُ به الخ ، و هذه المحبّة هي طريق الكفاية في امر المعاش كما مرّ و في امر المعاد كما قال تعالي رضي اللّه عنهم و رضوا عنه و المراد بهذه النوافل ما دلّ علي رجحان فعله من صلوةٍ و غيرها مثل تقديم الرجل اليمني عند دخول المسجد و لبس النّعال و اليسري عند دخول الخلاۤء و خلع النّعال و التختم باليمين لغير تقيّةٍ و التّعمّم قائماً و التسرول قاعداً و تجنّب التّمشّط بمشط مكسور و كنس البيت في اللّيل و ترك الدّعاۤء بعد الصلوة للوالدَيْنِ و حرق قشر البصل و ترك بيت العنكبوت في البيت و ازالة المرأة له بل يزيله الرجل و امثال ذلك و هي كثيرة و منها في رواية جابر الأنصاري عن اميرالمؤمنين (ع) في حديث انّه قال و الّذي فلق الحبّة و برأ النَسَمَةَ ماقطعتُ غنماً و لالبستُ سراويلي قائماً و لاقعدتُ علي عَتَبَةٍ و لابُلْتُ علي حافة نهرٍ و لا بين بابَيْن و لا قاۤئماً و لاقلّمتُ اظفاري بفمي و لاانتثرت في يوم الأربعاء و لااكلتُ قُبَّراً و لا سَمَكاً زماريّاً و لاقطعْتُ رَحِماً و لارددتُ ساۤئلاً و لاقلتُ كِذباً و لاشهدتُ زوراً و لانَمْتُ علي وجهي و لاعلي يدي اليسري و لاتختّمتُ بخاتمين و لاجلستُ علي زبالة و لابيتها في منزلي و لارايتُ بُرّاً مطروحاً فتجاوزته و لالبستُ نعل يساري قبل يميني و لانمتُ في خراب و لااطّلعتُ في فرجٍ و لامسحتُ وجهي بذيلي و ما من شيء من هذه يفعله احد منكم الّا اورثه غمّاً لا اصل له فتجنّبوه الحديث ، و قوله ( قول خل ) انتثرت اي ادهنتُ و الحاصل انّ ترك هذه الأمور المكروهة و فعل الأمور المستحبّة من كلّ شيء في الأعمال و الأحوال و الأقوال و الأعتقادات و الحركات و السكنات و المٰاكِل و المشارب و الملابس و المناكح و غير ذلك كلّها من النّوافل و انّما مثّل بهذه الأشياۤء لئلّايُتَوَهّم انّ المراد من النوافل العبادات المعروفة عند العواۤمّ بل المراد بها النوافل من العبادات المعروفة عند الخواۤصّ و هذه و امثالها هي مشخصات للوجودات الشرعيّة او متمّمات للمشخّصات و لقد نقل انّ رجلاً من قوم لوط (ع) كان يلبس ما يشابه لباس لوط (ع) فلمّا نزل بهم العذاب نجا ذلك الرجل منه في الدّنيا مع انّه يعمل عملهم فَسَلِمَ بمجرّد تشبهه بلوط (ع) في اللّباس و ذلك كان مؤثّراً في دفع العذاب عنه و لمّا كان مثل هذه الامور متمّماً للقابليّات و مكمِّلاً لها بها تكون مُوصِلةً الي اعلي الدرجات جعلها في خزاۤينه عليهم السلام ( عليه السلام خل ) لنفاستها فنشروها للعباد و قد ارشد اللّه عباده الي ما فيه كمالهم و بلوغ محبّته المستلزمة لكفايته لينالوا اَعْلي مراتب القرب فسبق السابقون و ذلك علي حسب اجابتهم للدّعاة الي سبيل الرشاد صلّي اللّه علي محمّد و آله فكانوا في ذلك هم السَّابقين و السّاۤئقين و القاۤئدين و في هذه الزّيارة الشريفة كما يأتي ان شاء اللّه مَن ارادَ اللّهَ بدَءَ بكم و من وحّدَه قَبِلَ عنكم و مَن قصدَه توجّه بكم ، و امّا تكرمته بالتّسلّط علي ما في الأرض فلأنّه سبحانه ركّب فيه العقل و الفهم و الفِطنَة و الأطّلاع علي دقاۤئق اسرار الموجودات فقهر بما فيه من الموهبة و التّكرمة بالفهم جميع ما في الأرض حتي انقادَ لَه الحيوانات و النباتات و المعادن و الجمادات من البَرِّ و البحر لأنّه يدبّر في كلّ شيء بالفهم و التمييز و جعل اللّه سبحانه لمحمد و آله (ع) جميع الأشياۤء منقادةً لهم بالطّبع و تابعةً لأرادتهم كتبعيّة الأظِلّة و الأشعّة للمنير لانه كرّمهم باصطناعهم له و اختصاصهم به فاستغنوا في التّسلّط علي جميع الأشياۤء بالأقبال عليه سبحانه حتّي ملّكهم ملكوتَ كلّ شيءٍ و امّا تكرمته بالتمكن من الصناعات فلانّه من تمام قدرتِهِ علي ما يحتاج اليه بحيث لايحتاج في شئونه الي شيء الّا و هو متمكّن من صنعه لِمٰا اُلْهِمَ من التمييز لتدبير امر معاشه و امّا محمد و آله صلي اللّه عليه و عليهم فانّهم لمّا اعتدلَتْ امزجة نفوسهم غاية الاعتدال في الأستعداد و فارقتِ الأضداد بالأستغراق في الاقبال الي ربّ العباد شاركوا بها السّبع الشّداد فكانَ مقتضي نفوسهم و طبيعتها اِنْشاۤء اسباب الأشياۤء علي مقتضي الحكمة في اسرار الخليقة بل اسرار الخليقة في الحقيقة انّما كانَتْ اسراراً محكمةً مطابقةً لمقتضي الحكمة بحيث يكون ما عمل علي هيئتها و ملاحظة نظمها علي اكملِ وجهٍ في الصّنعةِ لانّها هيئاۤت نفوسهم و امثال صورهم سبحانَ من جعلهم خزاۤئن غيبه و مصادِر فيضه و سيبه و امّا تكرمته بانسياق الأسباب و المسبّبات العلويّة و السفليّة الخ ، فانه جلّ و عزّ دلّ عباده علي علم الصّنْعِ في الأشياۤء علي حسب قابليّتهم فَبِهِ يزرعون و يصنعون و يأكلون و يلبسون و يبيعون و يشترون و يعملون الأعمال من ساۤئر الصّناعات و يطّلعون علي ما غاب عنهم و ما سيكون من علم الجفر و النّجوم و الرّمل و زجر الطّير و الأوضاع الكَونيّة من العلوم و من اعجبها العلوم الخمسة المكتومة الكيمياۤء و الليمياۤء و الريمياۤء و الهيمياۤء و السيمياۤء التي اخفاها الحكماۤء اشدّ الأخفاۤء حتّي انّهم استعملوا في ذكرها الأشارات و الرّموز باللّوازم البعيدة فعلم الكيمياۤء زراعة الذّهب و الفضّة و الجواهر النّفيسة من الألماس و الياقوت و اللّعل و الزمرد و الفيروزج و اللّؤلؤ و غير ذلك علي وجهٍ اعلي من المعدن و اصحّ و علم الليمياۤء علم الطّلسمات و منه ما يعمل بطباۤئع العقاقير و علم الرّيمياۤء علم الشّعبذات و علم الهيمياۤء علم التّسخيرات و علم السّيمياۤء علم التخيّلات و هو من التّسخيرات و من الطّلسمات و العقاقير فيعملون بها الأمور العجيبة الخارقة للعادة منها الجاۤئز و منها المحرّم و كلّها مما اوقفهم عليها لمصالح العباد المتّقين و استنطاق طباۤئع العاصين و كلّها من سوق الأسباب الي مسبّباتها و كلّها مباحها و حرامها و واجبها و راجحها و مرجوحها من التكرمة فالجاۤئز لمنافعهم و الحرام ليتجنبوه كما قال تعالي و مايعلّمانِ من احدٍ حتّي يقولا انّما نحن فتنةٌ فلاتكفر و كلّها آثار ( من خ ) تكرمته لمحمد و آله صلّي اللّه عليه و عليهم لانّها صُور اسماۤئِهم و اسماۤء افعالهم و افعال ذواتهم و ليس فيها عليهم محرّم لأنّ المحرّم انّما حرّم لمخالفته ( لهم خ ) في الصُّوَرِ او الأسماۤء او الأفعال مثلاً منها ما يحرم لأنّه يعمل لهلاك العدوّ و قد يكون هذا العدوّ المعادي للعامل من المؤمنين المتّقين بخلاف عدوّ آلمحمد (ص) فانه اذا تحقّق عداوته كان مهدور الدَّمِ فليس عليهم بحرام و غيرهم قد يكون من صُوَرِ اسماۤئِهم او من اسماۤءِ افعالهم فهم خزاۤئن حلاله و حرامه و امّا تكرمته بان حمله في البرّ و البحر فانّه جعل لهم ما يسلكون عليه طريق البحر لقضاء مٰاربهم و هي السّفن و طريق البر كذلك و هي الأِبِل و الخيل و البغال و الحمير و لولا السّفن لغرقوا و لولا الركوبات لما استطاعوا ان يقطعوا ارضاً و لا بحراً و قد جعل آلمحمّدٍ صلّي اللّه عليهم في الحقيقة سفينة النجاة لكلّ شيء و انّما نجا راكب السفينة من الغرق لأنّها مثالهم (ع) و اتباعهم هو ركوب السّفينة و انّما كانتْ منجيةً لأنّها مثال طريقتهم من ولايتهم و انّما كانت الابل تحمل الأثقال الي بلدٍ لمتكونوا بالغيه الّا بشقّ الأنفس لأنّها مثال النفس كما في تأويل الٰاية فكانت الخلاۤئق من جميع بني آدم انّما كُرِّموا لانّهم مثالهم و ( كرّموا بمثال ما خ ) كُرِّموا به صلّي اللّه عليهم اجمعين و من تكرمته بانّ الأنسان يرفع ( الي فيه خ ) بيده طعامه لِئَلّايُطَأطي رأسه للطّعام اجلالاً له لما البسه اللّه من صورته صورة الأنسان و صورته التي نسبها اليه هي صورتهم (ع) الّتي خلقها اللّه علي صورة محبّته في قوله تعالي كنتُ كنزاً مخفياً فاحببتُ ان اعرف ، فصُورَتُهم صورة هذه المحبّة فنسبها اليه لأنّها صورة محبّته و علي صورتهم التي هي صورته خلق آدم (ع) كما قال (ع) انّ اللّهَ خلق آدم علي صورته ، فان جُعِلَ الضمير يعود الي اللّه او الي آدم فالمعني واحد كما ذكرنا و هي الصّورة الانسانية و انما لميخضع لأجل هذه الصورة لانّ كنهها الربوبية بخلاف ساۤئر الحيوانات لتغيّر صُورِها باختلاف مشخّصاتها كمّاً و كيفاً و جهةً و مكاناً و رتبةً و وقتاً و غير ذلك و امّا تكرمته لأرواح المؤمنين ( الانسان خل ) بالعلم الذي هو الرّزق الطيّب فلانّ ذلك مقتضي طاعتهم للّه و اتّقائِهم معاصي اللّه فانّ مَن اتّقي اللّه علّمه ما لميعلم كما قال تعالي و اتّقوا اللّه و يعلّمكم اللّه و قال تعالي و لمّا بلغ اشدّه و استوي اۤتيناه حكماً و علماً و كذلك نجزي المحسنين ، و قال عليّ عليه السلام ليس العلم في السماۤء فينزل اليكم و لا في الأرض فيصعد اليكم و لكنّ العلم مجبولٌ في قلوبكم تخلّقوا باخلاق الرّوحانيّين يظهر لكم و في روايةٍ تأدّبوا بادٰاب الرّوحانيّين يظهر لكم ، و لمّا كانَ الكافرُ ميتاً ليس له نور من العمل لميُكَرَّم بالعلم و جعل لمحمّدٍ و آله صلّي اللّه عليه و عليهم من هذه التكرمة ما جعلهم به خزاۤئن غيبه و عيبة علمِهِ بحقيقة ما هم اهله و امّا ما ذكر في حملة الكرسي بانّ منهم ملكاً في صورة الٰادميّين و انها اكرم الصّور علي اللّه فقد اشير اليه في التكرمة بحسن الصّورة و امّا التكرمة بالأسلام فلانّ المكلَّفين لا قِوام لهم الّا بالتكليف لانّه هو طريق العبد الي المدد الذي به قوامه و التكليف مختلف بحسب الأزمنة و ان كان في الحقيقة واحداً عند اللّه و هو الأسلام و انما اختلف باختلاف احوال الموضوعات كما يجب المسح علي الرجلين في الوضوء مع الأمنِ و يجب الغَسْل مع التقيّة و كلّ صورة من التكاليف اذا عَمِلَ بها المكلَّف كما اُمِرَ توصّل الي رضا اللّه سبحانه الّا انّ التكليف يرد من الحكيم علي حسب قابليّة المكلف و وقت التكليف و مكانه فاذا كانت اقتضاءات المحالّ و القبول اعلي كان وصف التكليف اشرف و كان العمل به افضل ثم لمّا كانتْ هذه الامّة المرحومة افضل الأمم في القوابل و المحالّ و الاوقات كان المطابق للحكمة ان يكون دينهم الأسلام الذي هو افضل الأديان قال تعالي انّ الدّين عند اللّه الأسلام و انّما سمّي هذا بالأسلام مع انّ كل دين للّه هو الأسلام لشرفه عنده اشتَقَّ له اسماً من التّسليم و الأنقياد لأهل الحق (ع) و من السلامة بان لايؤذوا رسول اللّه (ص) في اهل بيته و لا في دينه بكثرة المعاصي فاشار الي الأوّل بقوله ادخلوا في السِّلم كاۤفّة و الي الثاني بقوله فسلام لك من اصحاب اليمين فكرّم اللّه عباده المؤمنين بافضل الأديان عنده . فان قلتَ اذا كان انّما شرع كلّ دينٍ علي حسب قابليّة المكلّفين كانَ الأسلام لهذه الأمّة باستحقاقٍ منهم لكونهم اهلاً لذلك و غيرهم لمّا نقصوا لميستحقّوا فاذا كان بالأستحقاق لميكن تكريماً قلتُ ان اعطاءه سبحانه المستحقّين ما اعطاهم فضلٌ و منّة و ليس لخلقٍ عليه دلالة الّا بما دلّهم عليه من كرمه لأنّ الخير كلّه له سبحانه و المكلّفون كلّهم له فان اعطي فمن كرمه و ان منع فملكه علي انّ نفس الأستحقاق الذي هو من مقتضي قوابلهم من فضله اعطاهم ذلك الأستحقاق حين حصل لهم فقد اعطاهم ما حصل لهم حين حصل لهم من انفسهم كما اعطاهم شيئيتهم حين كانوا بتلك الشيئيّة شيئاً فافهم فانّه من خفي الأقدار و كان من تكرمة اللّه سبحانه لمحمّد و آله (ص) ان جعل الأسلام الذي هو دينه فرعاً لهم و غصناً من شجرة ولايتهم و ثمرة لشجرة دعوتهم و امّا تكرمته الانسان بسجود ملاۤئكته المقرّبين له فلا شك فيه و انّه من افضل تكرمةٍ كرّم بها سيّد مالكٌ جبّار عظيم عبيدَه الضعفاۤء بان اسجد لهم المقرّبين لديه المستغرقين في خدمته و السجود اعظم مراتب الخضوع و الذّلّة و لهذا ورد اقرب ما يكون العبد الي اللّه اذا كان ساجداً و كان حقيقة هذه التكرمة و الباعث عليها اظهار آثار ما كرّم اللّه محمداً و آله (ص) و في عيون الأخبار عن الرضا (ع) في حديثٍ فيه ان اللّه تبارك و تعالي خلق آدم و اودعنا صلبه و امر الملاۤئكة بالسجود له تعظيماً لنا و اكراماً و كان سجودهم للّه عبوديّة و لٰادم اكراماً و طاعة لكوننا في صلبه الحديث ، فقوله (ع) اكراماً و طاعةً لكوننا في صلبه اشارة الي ما قلنا من انّ ذلك اظهار ما كرم اللّه محمداً و آله صلي اللّه عليه و عليهم و هو وصلهم به و مزجهم بما نسبه اليه حتي جعل طاعتهم طاعته و معصيتهم معصيته و رضاهم رضاه و سخطهم سخطه كما روي في التوحيد و الكافي عن الصادق (ع) في تفسير قوله تعالي فلمّا آسفونا انتقمنا منهم قال ان اللّه تعالي لايأسَف كأسَفِنَا و لكنّه خلق اولياۤء لنفسِهِ يأسفون و يرضون و هم مخلوقون مربوبون فجعل رضاهم رضا نفسه و سخطهم سخط نفسه و ذلك لأنّه جعلهم الدّعاة اليه و الأدلّاۤء عليه فلذلك صاروا كذلك الحديث ، و تعبّد الخلق بعبوديّة ذلك الوصل مترجماً عنه بالصّلوة علي محمّد و آله (ص) كما اشار اليه في بيان تلك التكرمة بهذه التّرجمة بما رواه في الأحتجاج عن الكاظم (ع) عن اۤبائِه عن الحسين بن علي عليهم السلام في جواب سؤال اليهودي انّ آدم اسجد اللّه له ملاۤئكته الخ ، قال الي ان قال و محمّد (ص) قد اعطي ما هو افضل من هذا انّ اللّه عزّ و جلّ صلّي عليه في جبروته و الملاۤئكة باجمعها و تعبّد المؤمنين بالصلوة عليه فهذه زيادة له يا يهوديّ الحديث ، و معلوم انّ الصلوة من اللّه الرّحمة و هي مشتقّة من الصِّلةِ اي العطيّة و الوصل اي الأتّصال و من الوصْلة اي السّبب الممدود المتّصل هذا ما اشرنا اليه مع الأقتصار علي ذكرِ معني المكرّمين اي الممدودين بالتكرمات هذا ظاهر و المعني الباطن انّ المراد بالمكرّمين المطهّرون المنزّهون عن ما تقع عليه عبارات الناس كما قال عليّ (ع) في خُطبته ظاهري امامة و باطني غيب لايدرك ، و في خُطبته ايضاً انا الذي لايقع عليه اسم و لا صفة و قال عبدالحميد بن ابيالحديد في قصيدته الراۤئيّة في مدحه عليه السلام :
صفاتك اسماء و ذاتك جوهر ** * ** بريء المعاني من صفات الجواهر
يجلّ عن الأعراض و الأين و المتي ** * ** و يكبر عن تشبيهه بالعناصر
و يكون الثناۤء علي اللّه تعالي باسماۤئه و هم اسماۤؤه و كلّ شيء يسبّح اللّه باسماۤئه و ذلك ممكن في حقّ كلّ مسبّح علي قدر ما يعرف و يحيط به من الأسماۤء و لايُسَبِّح بالحقيقة الّا هم (ع) و امّا المقرّبون فهم المخصوصون بالقرب و الزّلفي لديه و اعلي مراتب القرب المقام الأوّل من مقاماتهم الأربعة المذكورة سابقاً في بيان قوله و موضعَ الرّسالةِ و هو ظهوره لهم بهم و هو الذي اشار اليه الصادق عليه السلام بقوله لنا مع اللّه حالاتٌ نحن فيها هُوَ و هُوَ نحنُ و نحنُ نحنُ و هُوَ هُوَ و في روايةٍ الّا انّه هو هو و نحن نحن و هذا الحديث نقله بعض العلماۤء في بعض كُتُبه و ممّا نقله شيخنا الشيخ حسين بن الشيخ محمّد بن الشيخ احمد بن عصفور الدّرازي البحراني في رسالته في جواب الشيخ عبداللّه بن يحيي في سؤاله عن الروح و هذا المقام هو المسمّي بالتوحيد و هو الذي اشار اليه الحجّة (ع) في دعاۤء شهر رجب في قوله و مقاماتك الّتي لا تعطيلَ لها في كلّ مكانٍ يعرفُكَ بها مَن عَرَفَك لا فرقَ بينك و بينها الّا انّهم عبادك و خلقك الدعاۤء ، و مثال هذا القرب و للّه المَثَل الأعلي الاستضاۤءة المدرَكة بالبصر من السّراج فانّها في الظاهر هي النّار و النَّارُ هي و النّار النّار و هي العنصر الحاۤرّ اليابس و هو غيب لايدركه البصر بل بينه و بين الأستضاۤءة ثلاث مراتب و الأستضاءة الأستضاءة و هي انفعال الدّخان المستحيل من الدّهن بالأستضاءة عن فعل النّار فالأستضاءة كالصّبغ و الدّخان كالثوب و مثالٌ آخر المِرءٰاة في استضاۤءتها من الشمس فانّها اقرب الي الشمس من الأرض و ان كان الأشراق واحداً و ذلك لشدّة ( بشدة خل ) قابليّتها اذا نظرت اليها كالشمس لا فرق بينها و بينها الّا انّ المِرءٰاة من شعاع الشمس كالأرض بل لمتشرق عليها اكثر من اشراقها علي الأرض و لكن لشدّة قربها من الشمس كانت كالشمس و ان كانت علي الأرض و مثالٌ آخر الحديدة المحماة من النّار كالنّار في فعلها لا فرق بينها و بينها في الأحراق الّا انّ النّار تحرق بفعلها و الحديدة تحرق بفعل النار الظاهر عليها لمجاورتها و قربها منها بحيث اذا نظرت الي الحديدة لمتر الّا جمرة النار فهم (ع) لشدة قربهم من ربّهم بخالص طاعته و انقطاعهم اليه حتّي غابوا في حضوره عن انفسهم قد ظهر عليهم فعله فكان فعلهم فعل اللّه و مارميتَ اذ رميت و لكنّ اللّه رمي و الأقبال اليهم عين الأقبال الي اللّه تعالي من اطاعهم فقد اطاع اللّه و من عصاهم فقد عصي اللّه من يطع الرسول فقد اطاع اللّه و رضاهم رضي اللّه و سخطهم سخط اللّه و الٰاخذ عنهم آخذ عن اللّه و الرّاۤدّ عليهم راۤدّ علي اللّه و هكذا فهم المقرّبون بمعني الأقربين الذين لميكن اقربَ منهم و ليس المراد مطلق القرب لصدقه علي الأنبياء و المرسلين و الشهداۤء و الصّالحين و الملاۤئكة لأنّ القربَ الذي يوصف به محمد و آله (ص) يكون في مقامٍ عند اللّه لاتقتضي الحكمة الألهيّة ان يكون فيه ازيد من اربعةَعشرَ مقرّباً فالقرب الحقيقي لهم لا غير و قرب غيرهم اضافيّ فافهم .
قال عليه السلام : المتّقون الصّادقون المصطفون
قال الشارح (ره) المتقون في اعلي مراتب التّقوي فانّ تقوي المقربين من غفلة لمحة عن القرب مع اللّه تعالي الصادقون الذين قال اللّه تعالي يا ايّها الذين آمنوا اتقوا اللّه و كونوا مع الصّادقين و رُويَ في الأخبار ( المتواترة خ ) انّهم هم و لقُبْح الأمر لمتابعة غير المعصوم عقلاً و نقلاً مع انّ الصّدق اعمّ من ان يكون في الأقوال و الأفعال و الأطوار و لايوجد في غير المعصوم كما ذكره الكتّاني في كتاب الصّدق و هو كتاب حسنٌ لا بدّ للسالك الي اللّه منه المصطفون الذين قال اللّه تبارك و تقدّس ان اللّه اصطفي آدم و نوحاً ( و آل ابراهيم خ ) و آلمحمد علي العالمين في قراءة اهل البيت في اخبارٍ كثيرة و علي القراءة المشهورة فهم (ع) مصطفي آل ابراهيم بالأخبار المتواترة ه ، اقول قد تقدم بعض الأشارة الي معني التقوي التي هم اهلها و يأمرون بها في بيان ( باب خل ) و اعلام التّقي و قد ذكر في مصباح الشريعة عن الصّادق (ع) التقوي علي ثلاثة اوجه تقوي في اللّه و هي ( و في خل ) ترك الحلال فضلاً عن الشبهة و هي تقوي خاۤصّ الخاۤصّ و تقوي من اللّه و هي ترك الشبهات فضلاً عن الحرام و هي تقوي الخاۤصّ و تقوي من خوف النار و العقاب و هي ترك الحرام و هي تقوي العواۤمّ و مثل التقوي كماۤءٍ يجري في نهرٍ و مثل الطبقات الثلاثة كاشجارٍ مغروسات علي حافة ذلك النهر كلّ لون و جنس و كلّ شجرة منها تستمصّ الماۤء من ذلك النهر علي قدر جوهره و طبعه و لطافته و كثافته ثم منافع الخلق من تلك الاشجار و الثمار علي قدرها و قيمتها قال اللّه تعالي صنوان و غير صنوان يسقي بماۤءٍ واحدٍ و نفضّل بعضَها علي بعضٍ في الأُكلِ و التّقوي للطّاعات كالماۤء للأشجار و مثل طباۤئع الأشجار في لونها و طعمها مثل مقادير الايمان فمَن كان اعلي ( علي خل ) درجة في الأيمان و اصفي جوهراً بالرّوح كان اتقي و من كان اتقي كانت عبادته اخلص و اطهر و مَن كان كذلك كان من اللّه اقرب و كل عبادة غير مؤسَّسَة علي التّقوي فهي هباۤء منثور قال اللّه افمن اسَّسَ بنيانه علي تقوي من اللّه و رضوان خيرٌ ام مَن اسّسَ بنيانه علي شفا جُرُف هارٍ فانهار به في نار جهنّم ه ، و هذه المراتب الثلاث ( من خ ) التقوي المذكورة في هذا الحديث هي الثلاث المذكورة في قوله تعالي ليس علي الّذين اۤمنوا و عملوا الصالحات جناحٌ فيما طعموا اذا ما اتقوا و آمنوا و عملوا الصالحات ثم اتّقوا و اۤمنوا ثم اتّقوا و احسنوا و اللّه يحبّ المحسنين فالتقوي الأولي في الحديث هي الأولي في الٰاية و الثانية هي الثانية و الثالثة هي الثالثة و يجوز بالعكس و علي التقديرين فالمحسنون الذين جمعوا المراتب الثلاث و قاموا بما يراد فيها هم اهل محبّة اللّه و هم علي مراتبَ يتفاضلون فيها علي قدر معرفتهم و علمِهم و اخلاصِهم و صدقِهم الي ان تنتهي بهم المراتب الي مقام الولاية المطلقة في الأمكان فيَنْفَرِدُ عن الخلق اجمعين محمّد و آله الطيبون صلّي اللّه عليهم اجمعين و ينحطّ ما سواهم كما قال سيّدالساجدين علي بن الحسين عليه السلام :
لايُحرِز السَّبْقَ الردايا و ان جرتْ ** * ** و لايُدرِكُ الغايات الّا سبُوقُها
هم العُرْوة الوثقي و هم معدِنُ التّقي ** * ** و خير حِبال العالمين وثيقُها
فهم المتّقون علي الحقيقة و ما سِواهم فهم في التّقي ( التقوي خل ) اتباعهم و الصّدق هو ان يُطابق القول ما في الواقع و هو قول مَن يقول باللّه و عن اللّه سَواۤء عرف انّ ذلك باللّه و عن اللّه ام لا فان عرف فقد فازَ بالحُسنَييْن ( بالحسنين خل ) و الّا فله عمله و في مصباح الشريعة قال الصادق عليه السلام الصّدق نورٌ غير متشعشع الّا في عالمه كالشمس يستضيء بها كلّ شيء بمعناه من غير نقصانٍ يقع في معناها و الصّادق حقّاً هو الذي يُصدّق كل كاذبٍ بحقيقة صدق ما لديه و هو المعني الذي لايسع معه سواه او ضدّه مثل آدم (ع) صدّق ابليس في كذبه حين اقسم له كاذباً لعدم ماهيّة الكذب في آدم (ع) قال اللّه عز و جل و لمنجد له عزماً و لأنّ ابليس ابدع شيئاً كان اوّل مَن ابدعَهُ و هو غير معهود ظاهراً و باطناً فخسر هو بكذبه علي معني لمينتفع به من صدق آدم (ع) علي بقاۤء الأبد و افاد آدم (ع) بتصديقه “٤-” كذبه “٢-” بشهادة اللّه بنفي عزمه عمّا يضاۤدّ عهده في الحقيقة علي معني لمينتقص ( لمينتقض خل ) من اصطفاۤئه “٤-” بكذبه “٢-” شيئاً فالصّدق صفة الصّادقين ( الصادق خل ) و حقيقة الصّدق يقتضي تزكية اللّه تعالي لعبده كما ذكر عن صدق عيسي (ع) في القيامة بسبب ما اشار اليه من صدقه براءةً للصّادقين من امّة محمّد (ص) فقال عزّ و جلّ يوم ينفع الصّادقين صدقهم الٰاية ، و قال عليّ (ع) الصّدق سيف اللّه في ارضه و سماۤئِه اينما هوي ( هو خل ) به يَقُدُّ فاذا اردتَ ان تعلم صادق ( أصادق خل ) انت ام كاذب فانظر في قصد معناك و غور دعواك و عيّرها بقسطاس من اللّه عزّ و جلّ كأنك في القيٰمة قال اللّه عزّ و جلّ و الوزن يومئذ الحقّ فاذا اعتدل معناك بدعواك ثبت لك الصّدق و اقل ( و ادني خل ) حدّ الصدق اَلَّايخالف اللسانُ القلبَ و لا القلبُ اللّسانَ و مَثَلُ الصّادق الموصوف بما ذكرنا كَمَثلِ النازع روحه ان لمينزع فماذا يصنع ه ، قوله (ع) الصّدق نور غير متشعشعٍ الّا في عالمه يعني به انه لميلزم منه ان ( انه خل ) لايقع الّا علي الصّدق اي لايُصَدِّقُ الصّادقَ الّا الصّٰادِقُ ليشرق في غير محلّه بل يجوز ان يُصَدِّق الكاذبَ لأنّ الصّدق ينير في قلب الصّادق لا غير الّا انّه ينتفع به الصّادقُ و الكاذبُ بنَيلِ مطلوبهما و لمّا كانَ الصّادق ليس عنده كذب لميعرف الكذب في نفسه فاذا سمع القول صدّقه و ان كان كذباً لحقيقة ( بحقيقة خل ) ما عنده لأنّه لايظنّ كذب المخبر و قوله و افاد اي الصّدق آدم (ع) بتصديقه كذبَ ابليس بشهادة اللّه بنفي عزمه اي بانّه لميدّع ما ليس في وسعه حتّي اخبر اللّه بانه لميَفْهم و لميدّع ما لايفْهَم فلهذا لمينقص عدمُ فهمه و تصديقُهُ الكاذب من اصطفائه شيئاً بل هو صفيّ اللّه و ذلك قوله و مثل الصّادق الموصوف بما ذكرنا كمثل النّازع روحه ان لمينزع فما ذا يصنع ، يريد به انّ الصّادق ليس له التفاتٌ مّا كما انّ الذي في حال النّزع ليس له التفاتٌ الي غير نزع الرّوح و المراد انّ الصّدق له مراتب متعدّدة يطلق عليها من باب التشكيك فادناه اَلَّايخالف اللّسانُ القلبَ و لا القلبُ اللّسانَ و اعلاه كمثل مَن هو في النّزع لان من هو في النزع قد تجمعت جميع شئونه في شأنٍ واحدٍ فلميبق له التفاتٌ الي غير النزع لعظم الخطب النازل فكذلك اعلي الصّدق فانّ صاحبه محترق في نار المحبّة قد اشغلته حرارة نارها بالطّلب عن كل شأنٍ حتّي عن نفسه فهو في فناۤءِ محبوبه غائب عن نفسه و شئونها كمثل النازع روحَهُ و هذه علي كمال ما ينبغي لاينالها الّا محمّد و اهل بيته صلّي اللّه عليه و آله و اما غيرهم فمنهم المدّعي لها الكاذب في دعواه و منهم الجاهل بها و منهم الصّادق العالم و لكنّه يعرف انّ مقامه منها ليس علي كمال ما ينبغي فالمدعون لها كثيرون و اكثرهم الصوفيّة يزخرفون الكلام بما يتوهّم الطغام انّ كلّاً منهم امام و لهذا نظم عبداللّه بن القاسم السهروردي في قصيدته طريقة الواصلين عندهم الي هذا المقام الي ان قال :
فحططنا الي منازلِ قومٍ ** * ** صرعَتْهم قبل المذاق الشّمولُ
دَرَس الوجدُ منهم كلّ رسمٍ ** * ** فهو رسمٌ و القوم فيه حُلُولٌ
منهم مَن عفي و لميبق للشكوي و لا للدموع فيه مقيلٌ
ليس الّا الأنفاس تخبر عنه ** * ** و هو عنها مبرّءٌ معزولٌ
و اشار الي مَن دون هؤلاۤء بقوله :
و منَ الناس من يشير الي وجدٍ تبقي عليه منه القليلُ
الخ ، و الجاهلون بها اذا حصل لهم ادني توجّهٍ و اقبال بحيث قلّ اشتغالهم بالدنيا بالنّسبة الي غيرهم توهّموا اَلَّا مقام وراۤء مقامهم ( و هم في الحضيض مقيمون و لكن لايعلمون خ ) و العالمون ( كالأنبياء و المرسلين خ ) فانوار قلوبهم و اضواۤء افئدتهم و صفاۤء اجسامهم و اعتدال امزجتهم و معارفهم و علومهم بالنّسبة الي نهاية المراتب ناقصة متسافلة و هم مع قربهم يعلمون نقصهم الي محمّد و آله ( و آلمحمّد ص خل ) كما هو حال الشعاع من الشمس المنيرة و ذلك لقصور مشاعرهم و قوابلهم عن الأحاطة بذلك فخاص بالذّات لمحمّد و اۤله السّادات صلّي اللّه عليهم اجمعين فهم الصّادقون حقّاً و عن الرضا عليه السلام الصّادقون هم الائمّة و الصّديقون بطاعتهم و الأصطفاۤء اخْذ الصّفو من الشيء يعني جيّده طالباً و المأخوذ مصطفي و المعني انّ اللّه سبحانه اختارهم من جميع خلقه لأنّه سبحانه نظر الي خلقه في الامكان فاختار منهم محمّداً و اهل بيته صلّي اللّه عليهم فالبسهم حلّة الوجود فبقوا يوحّدونه و يعبدونه الفَ دهرٍ لميخلق شيئاً غيرهم فالاصطفاۤء هنا لحقيقة ( الحقيقة خل ) يكاد زيتها يضيۤء و لو لمتمسسه نار ثم لمّا خلق الدهر و خلق اوّلاً الصّفوة من خلقه من ( عن خل ) عرق انوارهم عليهم السلام كانوا معهم فاختارهم لأنّه نظَر الي الجميع في الأكوان فاختارهم من المصطفَين الأخيار و لمّا خلق الزمان و خلق من خلقه ما شاۤء كانوا فيهم فاختارهم من ساۤئر خلقه فالأصطفاۤء الاوّل في السّرمد و بعده قبل الدهر و الأصطفاۤء الثّاني مع الدهر و في الدهر و بعده قبل الزّمان و الأصطفاۤء الثّالث مع الزمان و في الزمان و ما بعد الزمان ما قبله و ما بعد الدهر ( ما قبله خل ) و ما بعد السرمد ما به فهذا الأصطفاۤء في هذه المراتب كلّها كان لمحمّد صلّي اللّه عليه و آله و هو قول علي (ع) في خطبته يوم الغدير و الجمعة قال (ع) و اشهد انّ محمّداً عبده و رسوله استخلصه في القدم علي سائر الأمم علي علم منه انفرد عن التشاكل و التماثل من ابناۤء الجنس الي ان قال (ع) قرن الأعتراف بنبوّته بالأعتراف بلاهوتيّتِهِ و اختصّه من تكرمته بما لميلحقه احد من بريّته فهو اهل ذلك بخاصّته و خلّته ، اقول و اراد بقوله في القدم ما قلنا في السرمد و بعد ان اصطفاه (ص) اصطفي آله الطيّبين فيما اصطفاه فيه و له السّبق و به الشّرف و هو قول علي (ع) في هذه الخطبة بعد ذلك الكلام و انّ اللّه تعالي اختصّ لنفسه بعد نبيّه (ص) من بريّته خاۤصّة علّاهم بتعليته و سما بهم الي رتبته و جعلهم الدعاة بالحقّ اليه و الأدِلّاۤء بالارشاد اليه لقرنٍ قرنٍ و زمنٍ زمنٍ انشأهم في القدم قبل كل مذروءٍ و مبروءٍ ، و قوله انشأهم في القدم يريد به الوقت الذي استخلص فيه نبيّه (ص) و هو قولنا فيما اصطفاه فيه و انما سمّي (ع) السّرمد قِدَماً لانّ السّرمد خُلِقَ بنفسه فليس له اوّلٌ مخلوقٌ و لا آخرٌ ملحوقٌ لأنّ الأوليّة و الٰاخريّة مخلوقان بالسّرمد و نعني بالسرمد وقت الأبداع و الأختراع و المشيّة و الأرادة و هذه الأربعة يُراد بها فعل اللّه و لايتوهم انه سبحانه اصطفاهم في القدم الذي هو الأزل الذّاتي و ازل الٰازال و غيب الغيوب لأنّ ذلك هو الذات البحت و ليس في الذّات البحت شيء غيرها فلا معني للأصطفاۤء فيها و لا بها لأنّ الأصطفاۤء من آثار الفعل فهم علي الحقيقة المصطفون لميصطف اللّه سبحانه احداً كما اصطفاهم و لميصطف احداً من خلقه الّا لاجل متابعتهم و الائتمام بهم و الوفاۤء لهم بما عاهد عليه اللّه من ولايتهم و هو قول ابيمحمد العسكري (ع) في تاريخه قال (ع) و الكليم البس حلّة الأصطفاۤء لمّا عهدنا منه الوفاۤء فابان (ع) انّ موسي الكليم (ع) لمّا شهدوا له بالوفاۤء بالعهد الذي اخذ عليه في التكليف الأوّل البس حلّة الاصطفاۤء اي البسوه حلّة اصطفاۤء اللّه له لانّ اللّه تعالي بهم اصطفاۤهم و اصطفي بهم و لهم ما شاۤء و هو قول علي (ع) نحن صنائعُ اللّه و الخلقُ بعدُ صنائع لنا ، اقول يريد ان اللّه اصطنع الخلق لنا فافهم .
قال عليه السلام : المطيعون للّه القوّامون بامره
قال الشارح (ره) المطيعون للّه بالأطاعة التّاۤمّة حتّي بذلوا انفسهم و اموالهم في سبيله و قاتلوا و قُتِلوا بالجهاد الصّوري و المعنوي لأعلاۤء كلمة اللّه و دينه كما هو ظاهر لمن تتبّع كتب الأخبار و السير القوّامون في امر الأمامة او الأعمّ .
اقول الطاعة للّه تعالي لها مراتب اعلاها من كلّ مخلوقٍ قابليّته للصّنع و القابليات تختلف بكثرة المتمّمات لها و قلّتها و كلّما قلّت المتمّمات و الشروط و الأسباب شرّفت القابليةُ و كملت و قويَتْ و كلما كثرت الشروط و المتمّمات نقصت و ضعفت و قابليّات محمد و آله (ص) لميكن لها متمّم و ( لا خ ) شرط و لهذا قد نَسْتَثْن۪يها من الوجود المقيّد و نلحقها بالمطلق لعدم الشرط و اذا الحقناها بالمقيّد فانما هو لانّا نطلق المطلق علي الفعل و المقيد علي المفعول و لصدق القيد ( المقيد خل ) علي التوقّف علي الفعل فلانلحقها بالمطلق و الي عدم الشرط فيها الأشارة بقوله تعالي يكاد زيتها يضيۤء و لو لمتمسسه نار فلمّا كانت تلك القابليّة الجليلة المقدار هي قابليّة محمّد و آله الأطهار صلي اللّه عليه و عليهم كانت طاعتهم للّه قبل كلّ شيء و اعلي من كلّ شيء و لمتتوقف علي شرط و لاتكون لعلّةٍ الا لمحض اجابةِ ربّهم دعاهم فاجابوه طوعاً لأمْرِهِ فكانوا في كل رتبةٍ من مراتبِ وجوداتهم لايخرجون عن طاعته لأنّهم ليس فيهم مقتضٍ للمعصية لأنّ القابليّة هي منشأ المعاصي و امّا الوجود فهو خير كلّه فاذا صلحت القابلية حتي كادت تضيۤء و تطيع قبل الوجود بحيث شابهت الوجود في عدم نظرها الي نفسها كانت مع انضمام الوجود لا ظلمة فيها و لا معصية لها فهم المطيعون للّه علي الحقيقة بمعني سبْقهم الي الطّاعة و عدم التّأخر عنها في حالٍ و الصّدق فيها و الأخلاص و الأستخلاص لها حتّي لايشغلهم عنها شاغل كما اثني سبحانه عليهم في كتابه المجيد فقال عزّ من قاۤئلٍ رجالٌ لاتلهيهم تجارةٌ و لا بيعٌ عن ذكر اللّه و اقام الصّلوة و ايتاۤء الزّكوة و ذلك لما ادّبهم بوحيه في كتابه مثل قوله و امر اهلك بالصّلوة و اصطبر عليها و قوله و اذكر ربّك في نفسك تضرعاً و خيفةً و دونَ الجهرِ من القول بالغدوِّ و الٰاصال و لاتكن من الغافلين انّ الذين عند ربّك لايستكبرون عن عبادته و الذين عنده هم محمّد و آله صلّي اللّه عليه و عليهم كما تقدّم عن الصّادق (ع) في قوله تعالي و له مَن في السموات و الأرض و مَن عنده لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون يسبّحون اللّيل و النهار لايفترون الي قوله و لايشفعون الّا لمن ارتضي و هم من خشيته مشفقون قال (ع) ويحك يا مفضّل الستم تعلمون انّ مَن في السّموات هم الملاۤئكة و مَن في الأرض هم الجن و البشر و كلّ ذي حركة فمن الذين ( الذي خل ) قال و مَن عنده قد خرجوا من جملة الملاۤئكة و البشر و كلّ ذي حركة فنحن الذين كنّا عنده و لا كون قبلنا و لا حدوث سماۤء و لا ارض و لا ملك و لا نبيّ الحديث ، و من دون هذه الرتبة هم في عالم الأنوار و في الحجب و في الذر و في عالم الزمان سابقون لأهل كل مقام الي طاعة الملك العلّام بحيث لايلحقهم لاحق و لايسبقهم سابق و لايطمع في ادراكهم و لا مُداناتهم طامع من جميع الخلاۤئق فهم في الحقيقة متفرّدون عن كلّ الخلق و ما ورد عنهم ممّا يدلّ بظاهره علي مساواة غيرهم لهم او مشاركتهم ايّاهم فهو جارٍ علي ما تعرفه عاۤمّة الناس و شرحُ بعض هذا يطول به الكلام و المعني المقصود ظاهر و القوّامون جمع قوّام و هو للمبالغة في قاۤئم اِمّا علي معني انّهم كثير القيام بامر اللّه و اِمّا علي معني انّهم شديدوا القيام ( بامر اللّه خ ) و المعنيان مُرادان معاً و المراد من الأوّل انّهم لميتجاوزوا امر اللّه في قليل او كثير في واجبٍ او مندوبٍ و لا نهياً في حرامٍ او مكروهٍ الّا قاموا به كما امرهم اللّه علي اكمل ما ينبغي و ما ورد عنهم انّهم يفعلون بعض المكروهات او يتركون بعض المندوبات فانّ ذلك من اقسام الواجب لانّهم يؤمَرُون علي سبيل الحتم لبيان الجواز و لايجوز لهم ترك الامر المحتوم لانّه لو لميكن ( محتوماً خ ) لجاز تركه و اذا كان في نفسه مرجوحاً كان تركه راجحاً و اذا لميكن محتوماً لميكن فعله راجحاً الّا انّه انما يفعله فاعله لراحة نفسه او تهاوُناً بالحدود او للرّخصة ففي الأوّلَين و ما انضمّ متركباً من الثلاثة لايجوز عليهم و امّا الثالث “٢” اذا كان خالصاً و هو لايكون الّا في بعض احواله “٢-” فانّه من الراجح فهو امّا واجب او مندوب لأنّه اذا اريد لمرجّح كما لو انفتِ النّفس عن الجاۤئز او سبقه نَهْي في الجواز او جواز في التَّرك فالأوّل ( كما خ ) لو لميجوّز فيما اجاز اللّه مثل ترك نافلةٍ و الثاني كما لو لميجوز فعل ما نهي اللّه عنه بعد ما اباحه و الثالث مثل الجمع بين الظهرين و العشاۤئين بغير ضرورة بعد ثبوت استحباب التفريق اذا لميعتقد مشروعيّة الجمع فانّ تلك الرخصة تكون واجبة لمن لميجوّز الأخذ بها و مستحبّة لمن جوّز اذا صغر عنده الجواز و قد نبّه رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله علي هذه الشقوق لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد بقوله (ص) انّ اللّه يُحبّ ان يؤخذ بِرُخَصِه كما يحبّ ان يؤخذ بفراۤئضه فخذوا برخص اللّه و لاتشدّدوا علي انفسكم انّ بنياسرائيل لمّا شدّدوا علي انفسهم شدّد اللّه عليهم ه .
فاذا فهمتَ ما اشرنا اليه من هذه التنبيهات ظهر لك انّهم (ع) لميتجاوزوا واجباً و لا مندوباً قطّ و لميفعلوا حراماً و لا مكروهاً قطّ و المراد من المعني الثاني انّهم يقومون بامر اللّه علي اكملِ وجهٍ يمكن وقوعه في الأمكان في حقِّ كلّ واحدٍ منهم و هم في هذه الرتبة و المقام سواۤء بمعني انّ كلّ واحدٍ يقوم بامر اللّه علي اكملِ وجهٍ فان قلتَ انّ عليّاً عليه السلام لايقدر علي ما يقدر عليه رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله و الحسن لايقدر علي عمل عليّ (ع) و هكذا كما هو ظاهر قد صرّحوا به في احاديثهم فكيف يكون الأدني منهم يأتي بالامر علي اكمل وجهٍ يمكن وقوعه في الأمكان و في الأمكان من هو اكمل منه و هو عملُ الأعلَي قلتُ انّ عمل الأعلي لايمكن للأدني الّا اذا تَسَاهل الأعلي في حالٍ مّا و اذا كان كذلك لميكن اعلي بل هو ادني و المفروض انّه اعلي فان قلتَ اي فرقٍ بينهم و بين غيرهم فانّك اذا فرضتَ هذا جري في حقّ غيرهم قلتُ لو فرضنا عدم وقوع تقصيرٍ مّا من غيرهم لكان منهم و لاحقنَاه بهم في هذا المقام و لكنّ الواقع انّ كلّ من سواهم يقع منهم تقصير في واجبٍ او مندوبٍ او مباحٍ تركه اولي لنفسِهِ او لغيره و لو في الأحتمال كما اشار النبيّ (ص) اليه بقوله ما معناه لايكون الرجل من المتّقين حتي يدع ما لا بأس به خوفاً ممّا فيه بأس ه ، و هذا الجواب يشمل جميع الخلق حتي الأنبياۤء و المرسلين علي حسب مراتبهم و روي ما معناه انّ في الصراط عقباتٍ كؤداً لايقطعها بسهولة الّا محمد و آله (ص) و هم لايقع منهم تقصير في شيء مّا فصحّ انّ كلّ واحدٍ منهم قاۤئم بامر اللّه علي اكمل وجهٍ لايمكن في حقّه اكمل منه في الأمكان بخلاف مَن سواهم فان قلتَ انّ اخبارهم تدلّ علي وقوع تقصيرٍ مّا منهم ايضاً و لهذا يتضرّعون و يستغفرون و يتوبون و ليس في مقامِ تعليمٍ بل علي حدٍّ من الخوف لايجري علي غيرهم حتّي انّ احدهم ليقع مغشيّاً عليه و ممّن ذكر التقصير سيّدالسّاجدين (ع) في سجود صلوة اللّيل كما تقدم من قوله لكنتُ مقصّراً في بلوغ اَداۤء شكرِ خفيِّ نعمةٍ من نعمك عَلَيّ ، قلتُ هذا التّقصير الذي نسبوه الي انفسهم و ما نشأ عنه من الخوف منشأه من امورٍ ثلاثةٍ الاوّل انّهم تحمّلوا ذنوب شيعتهم و تقصيراتهم فكانوا يستقيلون منها و يخافون منها ( بسببها خل ) و الثاني انهم عرفوا اللّه فاذا نظروا الي مقامه صغر عندهم كلّ شيء في حقّه و عرفوا انّ كلّ عاملٍ لايقوم بحقّه سبحانه لأنّ توفيقه عبده لخدمته نعمة توجب شكراً و هكذا و الثالث انه لمّا كان العمل طريق الخلق الي الحقّ سبحانه و هو يتوقّف ( متوقف خل ) علي وجود العامل و وجود العامل حجاب بينه و بين ربّه و هذا لاينفك المخلوق حال وجوده فهو محجوب بوجوده و المحجوب مقصّر و المقصّر مذنب و المذنب خاۤئف من ذنبه و قد قال شاعرهم في هذا المعني :
اقول و مااذنبتُ قالتْ مجيبةً ** * ** وجودُك ذنبٌ لايُقاسُ به ذنبٌ
و هم (ع) و ان لميلحظوا انفسهم في وجدانهم بين يديه لكنّهم موجودون بل اذا تعمّقنا في تحرير هذا الحرف وجدنا انّ مَن “٢” جرّد نفسه عن كلّ اعتبارٍ عَرَف ربّه و ذلك اذا فقد نفسه “٢-” مِن وِجْدَانِه “٢-” ظهر له ربّه بوجوده “٢-” و هذا الوجود الذي ظهر له به ربّه هو آية ربّه و دليله عليه و صفته الّتي عرفه بها و هو وجوده و نفسه الّتي اذا عرفها عرف ربّه فلايدرك الّا حقيقته الّتي هي وصفُ ربه نفسه له فتلك النفس مفقودة من الوجدان بمعني انّه يجد وصف ربّه و هذا الوصف و ان كان هو نفسه الّا انّه لايعرف ربه بلحاظ نفسه من حيث هي نفسه و يعرف ربه بمعرفتها من حيث هي وصفه و هذا يدلّ علي انّ لها وجوداً مّا و ان لحظها وصفاً للّه و اليه الاشارة بقول الصّادق (ع) في وصفه لمعراج النبيّ (ص) قال فكان بينهما حجاب يتلألأ بخَفْقٍ و لااعلمه الّا و قد قال زبرجد ، اقول اراد بقوله يتلألأ شدّة شفّافيّته حتي يكاد يضمحل و قوله بخَفْقٍ اي باضطرابٍ يعني يكاد ان يفني كذلك النفس حين لحاظ الوصف تكاد تفني و ما نحن فيه كذلك فاذا ثبت لهم وجودٌ ما كان ذلك الوجود حجاباً بنسبتِه فلاجل ذلك يبكون و يخافون و يستغفرون و هذا في الحقيقة تقصير في الخليقة الّا انّه لا بدّ منه لانّه من العَجْز الذي وَسَمَ اللّه تعالي به الخلق فاذا لميكن لهم تخلّف عن كمال ما ينبغي من القيام بامره تعالي في حالٍ من الأحوالِ لايتخلّف شخص عمّا يمكن في حقِّه صَدَقَ عَلَيْهِم اجمعين بانّ كلّ واحدٍ منهم قوّام بامر اللّه تعالي علي اكمل وجهٍ يمكن وقوعه في الأمكان بالنّسبة اليه و لايكون ذلك من احدٍ غيرهم كما فصّلنا سابقاً فراجع و المراد من الامر ظاهراً هو المعروف الذي هو الحكم و هو طلب الشارع من المكلّف الفعل مع استحقاق الذّم بتركه و يدخل فيه النهي كما قال تعالي فليحذرِ الّذين يخالفون عن امره اذ لاتختصّ مخالفة الأمر بالتحذير دون مخالفة النهي اجماعاً فانه مطابق لقوله تعالي و ما آتيكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا فيكون طلب الشارع من المكلّف الفعل او تركه الخ ما ذكره البهاۤئي في زبدته و امّا باطناً فمنه ما ينزل علي وليّ الأمر ليلة القدر و ليلة الجمعة و كلّ يوم و ليلة و كل ساعة مما يتجدّد في الوجود ممّا يظهر من فوّارة القدر باثبات ما لميكن و محو ما كان روي القميّ و العيّاشي عن الصّادق (ع) اذا كان ليلة القدر نزلت الملاۤئكة و الروح و الكتَبَة الي سماۤء الدنيا فكتبوا ما يكون من قضاۤء اللّه تعالي تلك السّنَة فاذا اراد اللّه ان يقدّم شيئاً او يؤخّره او ينقص شيئاً امر الملك ان يمحوَ ما يشاۤء ثم اثبت الّذي اراد و سئل عليه السلام عن قوله تعالي ادخلوا الارض المقدسة الّتي كتبَ اللّه لكم قال كتبها لهم ثم محاها ثم كتبها لأبناۤئِهم فدخلوها و اللّه يمحو ما يشاۤء و يثبت و عنده امّ الكتاب و عنه عن ابيه عليهما السلام قال قال رسول اللّه (ص) انّ المرء لَيَصِلُ رَحِمَهُ و مابقي من عمره الّا ثلاث سنين فيمدّها ( الي خ ) ثلاث و ثلاثين سنة و انّ المرء ليقطع رَحِمَهُ و قد بقي من عمره ثلاث و ثلاثون سنة فينقصها اللّه الي ثلاث سنين او ادني قال و كان الصّادق (ع) يتلو هذه الٰاية و عنه (ع) انّه سُئِل عن قول اللّه عزّ و جلّ يمحو اللّه ما يشاۤء و يثبت و عنده ( ام الكتاب قال ان ذلك الكتاب كتاب يمحو ما يشاء و يثبت خ ) فمن ذلك الذي يردّ الدعاۤءُ القضاۤءَ و ذلك الدعاۤء مكتوب عليه الذي يرد به القضاۤء حتّي اذا صار الي امّ الكتاب لميغن الدعاۤء فيه شيئاً و في المجمع عن النبيّ (ص) هما كتابان كتاب سوي امّ الكتاب يمحو اللّه منه ما يشاۤء و يثبت و امّ الكتاب لايغيّر منه شيء و عن الصّادق (ع) هما امران موقوف و محتوم فما كان من محتوم امضاه و ما كان من موقوف فله فيه المشيّة يقضي فيه ما يشاۤء و في الكافي عن الصّادق (ع) ما من ليلة جمعة الّا و لأولياۤء اللّه فيها سُرور قلت كيف ذلك جعلتُ فداءك قال اذا كان ليلة الجمعة وافي رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله العرش و وافي الائمة و وافيتُ معهم فماارجع الا بعلم مستفاد و لولا ذلك لنفد ما عندي و في تفسير علي بن ابراهيم في تفسير قوله تعالي عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احداً الا مَن ارتضي من رسول يعني عليّ المرتضي من الرسول (ص) و هو منه قال اللّه فانّه يسلك من بين يديه و من خلفه رصداً قال في قلبه العلم و من خلفه الرصد يعلّمه علمه و يزقّه العلم زقّاً و يعلّمه اللّه اِلْهَاماً و الرصد التعليم من النبي (ص) ليعلم النبي (ص) اَن قد ابلغ رسالاتِ ربّه و احاط عليّ (ع) بما لدي الرسول من العلم و احصي كلّ شيء عدداً ما كان و ما يكون منذ يوم خلق اللّه آدم الي ان تقوم السّاعة من فتنَةٍ او زلزلةٍ او خسفٍ او قذفٍ او امّةٍ هلكتْ فيما مضي او تهلك فيما بقي و كم من امامٍ جاۤئرٍ او عادلٍ يعرفه باسمه و نسبه و مَن يموت موتاً او يقتل قتلاً و كم من امامٍ مخذولٍ لايضرّه خذلان مَن خذله و كم من امام منصورٍ لاينفعه نصر مَن نصره ه ، و في الكافي عن ابيالحسن الأوّل موسي (ع) قال قال مبلغ عِلْمنا علي ثلاثة وجوه ماضٍ و غابر و حادث فامّا الماضي فمفسّر و امّا الغابر فمزبور و امّا الحادث فَقَذْفٌ في القلوب و نقر في الأسماع و هو افضل علمنا و لا نبيّ بعد نبيّنا (ص) و فيه عن المفضّل بن عمر قال قلتُ لأبيالحسن (ع) روينا عن ابيعبداللّه (ع) انّه قال علمنا غابرٌ و مزبورٌ و نكْتٌ في القلوب و نقر في الأسماع فقال امّا الغابر فما تقدّم من علمنا و امّا المزبور فما يأتينا و امّا النكْت في القلوب فالهام و امّا النقر في الأسماع فامر الملك ، اقول ما اشارَتْ اليه الاخبار المذكورة و ما في معناها من الأخبار المتكثرة ممّا ينزل عليهم في ليالي القدر و في ليالي الجُمَع و كلّ يوم و ليلة و كل ساعة من علوم الشريعة و الخليقة و الحوادث و الملاحم فانّه من الأمر كما قال تعالي تنزّل الملئكة و الروح فيها باذن ربّهم من كلّ امر يعني تنزّل به علي جدهم (ص) و عليهم و هم القُوّامُ به من اداۤءٍ و تبليغ و اعلم انّ ما اشارَتْ اليه هذه الأخبار من المحتوم و الموقوف ممّا يطول بيانه و لكن ( لمّا خ ) اَحْبَبْتُ اَلّااخلي هذا الشرح في بيان اكثر ما وقفتُ عليه من الأسرار اذا مررت بموضعه الّا ما كان ممّا يحرم اثباته في الدّفاتر و ان وجب اثباته في الضماۤئر فلا بدّ من ذكر شيء علي جهة الأقتصار ليَفْهَم السّرّ من وُفِّقَ له فاقول ان اللّوح المحفوظ له ثلاث صفحاتٍ احديها فيها المحتوم المستحيل تغييره و ثانيتها فيها المحتوم الممكن تغييره و لكنّه سبحانه لايغيّره تفضّلاً منه و عدلاً لما في ذلك من اللّطف في التكليف لئلّايقنط المؤمنون من رحمته و يتهاون الكافرون بسنّته و زاد الفريقَين من لطفه بهم اَلّايتّكِل العاملون بطاعته علي اعمالهم فانّ له ان يغيّر ما شاۤء كما شاۤء و لايقْنَط العاصون من رحمته فانّ له ان يرحمهم ان شاۤء كما شاۤء و لايظلم ربّك احداً و ثالثتها فيها الموقوف في لوحه لوح المحو و الأثبات حتي يستقرّ الشيء فيكتب في الصّفحتين و الواح المحو و الأثبات بما فيها في اللّوح المحفوظ و المحو في ذلك لا في المحفوظ فامّا الأولي الّتي يستحيل تغييرها فهو انّ الشيء اذا كتب محتوماً او موقوفاً فلايمكن الّايكتب و انما يمكن في المحتوم ان يغيّره لكنّه وعد سبحانه الّايغيّره كَرَما منه و صدقاً فان غيّره كان التغيير في لوح المحو و الاثبات فامكان الأُولي في الثانية و وقوعه في الثالثة و اما الثانية المحتوم ما فيها و يمكن تغييره فهو انّ ما حقّتْ عليه الكلمة من ايجادٍ و اعدامٍ و سعادةٍ و شقاوةٍ لايغيّره لصدق قوله و وعده كرماً و عدلاً و لو شاۤء غيّره لعلمه و قدرته علي ما يشاۤء فما تجد في كلامهم (ع) من انّ امّ الكتاب و اللّوح المحفوظ و القضاۤء الذي لايبدَّلُ و لايغيّر فانّ المراد به انّ ماكُتِبَ فقد كُتِبَ و هذا مستحيل اَلّايكتبَ لا اَنّه لايمكن تغييره و لا تبديله بل اذا شاۤء ان يبدّله بدّله كما شاۤء لانّ الممكن لايخرج بوجوده عن الأمكان فان قلتَ ان المعلول يستحيل اَلّايوجد عند وجود العلّة التاۤمّة اذا كملت قابليّته بوجود متمّماتها و هذا يدلّ علي خروج الممكن في حالٍ عن الأمكان لانّه واجب و هو قسيم الممكن فيجوز ان يكون ما في الصّفحة الثانية من المستحيل تغييره لانّ وَعْدَ اللّه ببقاۤئِه اخرجه عن امكان فناۤئِه قلتُ انّ الشّيء الواجب بالذّات يستحيل تغيّره لأنّ التّغير لاحق متأخّر عن الوجوب الذّاتي و الّا لميكن الذّاتي ذاتيّاً فيجب ان يكون التغيّر محدثاً به و لايجري عليه ما هو اجراه و اما الواجب بالغير فانّه قبل الغير لميكن و بذلك الغير كان و لميكن بذلك الغير الّا بعد تغيّره عن حاله الاوّل فكان التغيّر فيه سابقاً علي وجوبه فيجري عليه علي انّ ذلك الغير يجب ان يكون غير واجبٍ بذاتِه و الّا لميلزم وجوده به اذ لا ربط بينهما و الّا لميتخلّف عنه شيء تعالي اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً و اذا كان ذلك الغير ممكناً كان تأثيره تحت ارادة الواجب بالذّات فلاتؤثّر العلّة التّاۤمّة بكلّ فرض الّا باذن اللّه و لهذا بين ذلك في كتابه قال تعالي المتر الي ربّك كيف مدّ الظل و لو شاۤء لجعله ساكناً يعني و ان حصل موجب التّحريك ثم بيّن ذلك ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً يعني انّ الشمس الّتي تحرّكه علي جهة الايجاب عندكم قد جعلناها دليلاً عليه فانّه لايظهر للحسّ حتّي تطلع و يقع ضوءها علي كثيف فينعكس من خلف ضوءها و لميجعلها موجدة له كما تعرفون و لا انّه يجب وجوده عند وجودها بل قال تعالي و لو شاۤء لجعله ساكناً في كلّ حالٍ و ابين من هذا انّ الأحراق يجب عند وجود النار و قربها و اتّصالها بما يحترق و لمّا اُلقيَ ابراهيم (ع) في النّار لميأذن لها سبحانه في احراقه فكانت عليه برداً و سلاماً و هو فيها قد نبت حوله شجر اخضر و في هذه الحال اذا مرّ عليها الطّاۤئر في الهواۤء يحترق لشدّة حرارتها فكلّ ممكن له ان يغيّره لانّه في حال كونه واجباً بالغير انّما هو شيء به سبحانه لايستغني عن مدده اِذْ به تقوّمه لا بعلّته لأنّه سبحانه قال و من آياته ان تقوم السّماۤءُ و الأرض بأمره لا بأسبابها فوقوع الشيء في الثانية حكمه في الأولي و بقاۤؤه في الثانية و امكان تغيّره في الثالثة و امّا الثالثة الموقوف ما فيها فهو في الواح المحو و الأثبات و تلك الألواح بما فيها في اللّوح المحفوظ كما مرّ فوقوع الموقوف في الصّفحة الأولي و بقاؤه في الصّفحة الثانية و محوه و اثباته وقوعهما في الأُولي و بقاۤؤهما في الثّانية و نفسهما في الثالثة يعني انّ التغيير و التبديل نفسهما في الثّالثة فلاتتحقق الثالثة الّا في الأوّلتين فالأولي يستحيل فيها البداۤء و الثانية يجري فيها البداۤء بتغيير البقاۤء ان شاۤء تعالي و لكنّه اجري فضله علي الأستحقاق و لايخلف الميعاد و لنيخلف اللّه وعده و الثالثة محلّ الدّواعي و الموانع و في قعر هذا القدر شمس تضيۤء لاينبغي ان يطّلع عليها الّا الواحد الفرد فمن تطّلع عليها فقد ضاۤدّ اللّه في حكمه و نازعه في سلطانه و كشف عن ستره و سرّه و باۤء بغضبٍ من اللّه و ماويٰه جهنّم و بئس المصير .
قال عليه السّلام : العاملون بارادته الفائزون بكرامته
قال الشارح (ره) العاملون بارادته اي للّه او باللّه و هو اظهر فانّهم كانوا في اعلي مراتب القرب و قد تقدم في مراتب القرب النوافلي انه يسمع باللّه و يبصر به و يبطش به و يمشي به الفائزون بكرامته في الدنيا و الٰاخرة .
اقول يريد بقوله للّه اَنّ معني انّهم عاملون بارادته اي بما يطابق ارادته و محبّته كما هو الظاهر عند عاۤمّة الناس و اراد بقوله او باللّه و هو اظهر يعني انه يحتمل الوجهين و الثاني اظهر اي انّهم عاملون باللّه و انّ المراد منه ما في الحديث القدسي مازال العبد يتقرّب اليّ بالنّوافل حتّي احبّه فاذا احببتُهُ كنتُ سمعَهُ الذي يسمع به و بصرَهُ الذي يبصر به و يده الذي يبطش به الخ ، و معني كون اللّه سمعه و بصره قد اختلف ( العلماء خ ) فيه اختلافاً قيل هو كناية عن شدّة القرب و استيلاۤء سلطان المحبّة علي ظاهر العبد و باطنه حتي غيّبه عن نفسه و عن كلّ الخلق و قيل كنتُ له في سرعة الأجابة كسمعه له في ادراك مسموعاته الخ ، و قيل هو ان يشغله بامتثال اوامره و نواهيه حتّي يكون بمنزلة مَن لايسمع الّا ما اُمِرَ ( اومر خل ) بسماعه و لايري الّا ما امر برؤيته الخ ، و قيل غير ذلك و الذي افهم انه يحتمل وجهين احدهما ما ذكره الشارح اوّلاً و هو جعله غير الأظهر و الثاني انّهم (ع) كانوا محلّ مشيّة اللّه و الْسنَة ارادته كما دلّت عليه احاديثهم فليس لهم مشية لأنفسهم و لا ارادة لأنّهم اماتوا انفسهم و تَرَكُوا ملاحظتها و اعتبارها و انما مشيّتهم مشيّة اللّه و ارادتهم ارادة اللّه فاذا فعلوا فانّ اللّه هو الفاعل بهم ما شاۤء قال تعالي و مارميتَ اِذْ رَميتَ و لكنّ اللّه رمي و كما قال عليّ عليه السلام في شأن الملاۤئكة و القي في هويّتها مثالَهُ فاظهر عنها افعاله و الملاۤئكة مثلٌ لهم فهم يتكلّم اللّه بهم و يفعل بهم ما يشاۤءُ فعلي الظاهر يعملون بما يحبّ و يريد لايصدر منهم ما يخالف ما يريد منهم و علي الحقيقة ليس لهم ارادة و انّما الأرادة ارادته او انهم يصدرون عن ارادته و ارادتهم تابعة لأرادته بل مضمحلةٌ في ارادته و ذلك انّهم لمّا ارادوا السَّفَر اليه اعلمهم علي لسان نبيّهم صلي اللّه عليه و آله او نكت في قلوبهم انّ النجائب الميتَةِ لاتحملكم اليَّ و انّما تحملكم اليّ النجائب الحيّة و نجائبكم الّتي تحملكم الي بلدٍ من مدائن الزلفي اليَّ لمتكونوا بالغيه الّا بشقِّ الأنفس هي نفوسكم و القوها اي اميتوها فانّها تحيي و تحملكم الي كمال القرب منّي فالقوها فاذا هي حيّة تسعي لأنّ حياتها من فيضه و لاتقبل فيضه الّا اذا حييتْ و لاتحيي الّا بموتها في طاعته و قتلها في سبيله فلمّا اماتوها و قتلوها لانّ كلّ مؤمن له ميتة و قتلة لمتكن لها ارادة فحييتْ بارادة ربّها و مشيّته فهم عاملون بارادته فلهم حالتانِ حالةُ علي المعني الأوّل و حالة علي المعني الثّاني فاذا عرفت هذا فاعلم انّ عملهم بارادته جارٍ لهم في جميع الوجودات و شرعيّاتها و الشرعيّات و وجوداتها من خلقٍ و رزقٍ و موتٍ و حيوةٍ لايكون شيء الّا عنهم و لكنّهم ليسوا شيئاً في كلّ شيء و علي كلّ حالٍ الّا باللّه و ما هم (ع) في فعله الّا كصورةٍ في مرءاۤةٍ بالنّسبة الي شاخِصِها و تحسبهم ايقاظاً و هم رُقود و نقلّبهم ذات اليمين و ذات الشمال و لاحظ هذا الحرف في كلّ شيء تسمعه منّا لانريده الّا علي هذا المعني و امّا انّهم الفاۤئزون بكرامته فلأنّ اللّه اكرمهم بما لميكرم به خلقاً من خلقه لحقيقة ما هم اهله ففازوا بما لميفز به احد من الخلق و ظفروا بما طلبوا من الكرامة لديه علي نحو ما اشرنا اليه عند ذكر قوله (ع) المكرّمون فلاحِظ هنا .
قال عليه السّلام : اصطفيٰكم بعلمه و ارتضيكم لغيبه
قال الشارح (ره) اصطفاكم بعلمه اي عالماً بانّكم اهل الأصطفاۤء او بسبب ان يجعلكم مخزن العلوم و يؤيّده ما في بعض النّسخ من اللّام و ارتضاكم لغيبه قال اللّه تعالي عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احداً الّا مَن ارتضي من رسولٍ و ورد في الأخبار الكثيرة انّ رسول اللّه (ص) ممّن ارتضاه لغيبه و كلّ علمٍ كان لرسولِ اللّه (ص) فانّه وصل الينا مع انّه يمكن التّعميم في الرسول بحيث يشملهم كما يظهر من اخبارٍ اُخَر و اِخْبارهم بالمغيبات اظهر من الشمس و يمكن ان يكون المراد بالغيب الأسرار الألهيّة او الاعمّ فحينئذٍ يكون قوله و اختاركم لسرّه للتّأكيد او التّخصيص بعد التّعميم ه .
اقول الظاهر انّ المعني في اصطفاكم بعلمه انّ الباۤء هي الّتي تستعمل للأستعانة في مثل هذا الكلام و انّ المراد انّه اطّلع علي جميع خلقه علي معني ما تقدّم في بيان قوله المصطفون و هو بكلّ شيءٍ عليم فاحاط بكلّ شيء علماً فاختار منهم الصّفوة بعد تمييزهم ( تميزهم خل ) فقد اصطفي محمّداً و آله صلّي اللّه عليهم اجمعين عن علم منه بهم حيث انفردوا عن التماثل و التشاكل يجمع ذلك كلّه قولنا اصطفاهم بحقيقة ما هم اهله و علي نسخة اللّام انه اختارهم حملةً لعلمه ليؤدوا عنه احكامه الي خلقه او حفظةً لعلمه لأنّ غيرهم لايقدرون علي حفظه و المراد من العلم ما تضمّنه فعلُه و مشيّتُه لأنّ ( ما خ ) لايدخل تحت المشيّة لايحيطون به فلميصطفهم له قال تعالي و لايحيطون بشيء من علمه الّا بما شاۤء ( وسع كرسيه السماوات خ ) و هنا خفية قد اشرنا اليها ( اليه خل ) سابقاً تخفي هنا فننبّه عليها و ان لزم التكرير توفيةً للبيان و هي انّ علمه الذّاتي هو ذاته فلايتبادر ذكره هنا و ( لايراد و خ ) ما سواه سبحانه فكلّه قد دخل تحت المشيّة في الأمكان او في الأكوان و المراد هنا الثاني و كذا في الٰاية الشريفة و امّا الأوّل فقد يدخل في الاكوان فيما لايزال و قد لايدخل و ذلك لأنّ الممكنات و ان كانت يطلق عليها الأمكان لذاته عندهم في تقسيمهم كالمتكلّمين و المشاۤئين حيث قالوا انّ المعقولات خمسةٌ واجبٌ لذاته و هو اللّه سبحانه و واجبٌ لغيره و هو المعلول عند وجود علّته التّاۤمّة و ممتنع الوجود لذاته و هو شريك الباري و ممتنع الوجود لغيره و هو المعلول عند عدم علّته و ممكن الوجود لذاته و لميقولوا ممكن الوجود لغيره لأنّهم لو قالوا ذلك لكان يلزمهم عندهم علي ما يفهمون انّه لو كان ممكناً ( لغيره خ ) لكان قبل فعل ذلك الغير امّا واجباً فجعله الغير ممكناً و امّا ممتنعاً فجعله ذلك ( الغير خ ) ممكناً فلايكون الواجب واجباً و الممتنع ممتنعاً فلايطلقون علي الممكنات الّا الأمكان الذّاتي لئلّايلزمهم امكان الواجب و الممتنع و لكن يلزمهم مثله ايضاً و هو انّه اذا كان الممكن ممكناً لذاته لايخلو امّا ان يكون قبل ايجاده شيئاً او ليس بشيءٍ فان كان قبل ايجاده شيئاً فهو قديمٌ و لايمكن ايجاده لأنّه بالأيجاد يتغيّر و القديمُ لايتغيّر و ان لميكن شيئاً فهو بايجاده ممكن الوجود لغيره اذ ليس له ذكر قبل الأيجاد في جميع مراتب الوجود فيجب ان يقال ان التقسيم الحقّ انّ ما يطلق عليه الشيئيّة مطلقاً اي بالذات و بالغير شيئان واجب لذاته و هو اللّه تعالي و ممكن لغيره و هو ما سواه و امّا الواجب بغيره و الممتنع لغيره فهما من اقسام الممكن و قد ذكرناه مراراً فراجعه و امّا ما يسمّونه بممتنع الوجود لذاته فليس شيئاً اصلاً فلايدخل في التقسيم و الّا لكان اذا كان عندك خمسة دراهم لا غير لايصحّ ان تقول انّ الّذي عندي خمسة لانّ الذي عندك لايتناهي لكنّه ليس بموجود عندك الّا خمسة و هذا مضحكة في القول و الأعتقاد و ان كان شيئاً فهو من اقسام الممكن و لو كان الممكن ممكناً لذاته لماكان شيئاً باللّه بل هو شيءٌ بذاته فان قلتَ انّه شيء بالله حين وجد قلتُ و قبل وجوده ان كان شيئاً باللّه لزم ما قلنا من انّه ممكن بغيره و ان كان شيئاً بنفسه فهو قديم كما قلنا سابقاً و ان لميكن شيئاً اصلاً فذلك ما قلنا لكنّا نقول انّه ليس بشيء اصلاً فامكنه في الأمكان الراجح فهو ممكن بغيره امكاناً راجحاً ثم كساه حلّة الوجود و هي في قبضته تعالي فابقاؤها عليه و سلبها عنه متساويان و هذا الامكان المتساوي الذي نسمّيه الجائز فأن سَلبَها عنه لميخرج عن الامكان الراجح فما في الامكان الراجح لميحيطوا به و ما شاۤء وجوده دخل في الأمكان الجائز و هم يحيطون به فاذا قال و لايحيطون بشيء من علمه يراد به العلم الممكن الراجح ( الوجود خ ) و قوله الّا بما شاۤء يراد به ما اوجده فانّه يدخل في الجائز و بيان دليله من الحكمة انّ اللّه سبحانه امر نبيّه (ص) ان يسأله زيادة العلم فقال و قل ربّ زدني علماً و لا ريب انه لايسئله الّا ما ليس عنده و ذلك الذي ليس عنده (ص) ليس هو العلم الحقّ الواجب الذي هو ذاته تعالي بل هو ممكن و ليس مشاۤء ايضاً لانّ المشاۤء يحيطون به و ايضاً هم (ع) ابداً محتاجون الي مدده ( مدد خل ) في علومهم و في بقاۤئهم فلايستغنون عن المدد و هو دايماً يمدهم بما لا نهاية له و لايمدّهم بما عندهم بل يمدهم بما ليس عندهم و الحاصل انّه جلّ و علا اصطفاهم لما شاۤء من علمه و هو ظاهر ان شاۤء اللّه تعالي هذا علي نسخة لعلمه باللّام و اما علي نسخة بعلمه بالباۤء هنا فيجوز ان يكون ( المراد خ ) بالعلم الذي في الراجح و الذي في الجاۤئز و امّا الذي هو هو تعالي فليس في ذاته اصطفاۤءٌ “٢” و لا مصطفيً لأنّ هذا “٢” مقام في الخلق و هو معني فِعليٌّ و امّا الذّات البحت الواجب فانما هو هو لا غير و يأتي بيان بعض ما وصل اليهم في بيان قوله و ارتضاكم لغيبه ، فاقول انّ الأرتضاۤء اختيار خاۤصّ يعني انّ الشيء قد يكون مختاراً لأمرٍ و ان لميرتض لذاته و لايكون مرتضيً الّا مختاراً فهو بمعني الأصطفاۤء و بمعني الأختيار و في هذه الفقرة الشريفة اشارة الي قوله تعالي عالم الغيبِ فلايظهر علي غيبه احداً الّا من ارتضي من رسول الٰاية ، فعلي ظاهر التفسير انّ مِن بيانيّة و يكون المعني انّ اللّه سبحانه يرتضي من رسله من يشاۤء لِتَحمُّلِ ما يشاۤء من غيبه بان رٰاه اهلاً لذلك و مارٰاه الّا لحقيقة ما هو اهله و لايكون كذلك الّا لمحبّة اللّه له و كان محمّد رسول اللّه (ص) اولي بهذا المقام من جميع الخلق و لذا استعظم اللّه ما هو عليه في ذاته فقال تعالي و انّك لعلي خلق عظيم فلمّا ارتضاه لعبوديّته لصدقه و ارتضاه لرسالته لصدق عبوديّته ارتضاه لتحمّل ما يشاۤء من غيبه و ما علّمه اللّه فقد علّمه عليّاً و الطّيّبين من ذرّيّته صلي اللّه عليه و عليهم و علي التّأويل انّ المرتضي من الرّسول هو عليّ عليه السلام و كذلك في قوله تعالي و ماكان اللّه ليطلعكم علي الغيب و لكنّ اللّه يجتبي من رسله مَن يشاۤء و المجتبي من الرّسول هو عليّ (ع) و في الخراۤئج و الجرائح عن الرضا (ع) قال فرسول اللّه عند اللّه مرتضي و نحن ورثة ذلك الرسول الذي اطّلعه علي ما يشاۤء من غيبه فعلّمنا ما كان و ما يكون الي يوم القيٰمة و في الكافي عن الباقر (ع) قال و كان محمّد ممّن ارتضاه ، اقول علي التفسيرين دلّت الٰايتان و الرّوايات علي انّهم ممّن ارتضاهم لغيبه و لا شكّ في هذا عند من عرف الّا انّ هذا يحتاج الي بيان و قد اشرنا في خلال هذا الشرح في مواضع كثيرة الي ذلك فيما سبق و نذكر هنا منه ما يسنح بالخاطر الحاضر كما هي عادتنا فيما نكتبه لأجل البيان و ان لزم منه التكرار و التّطويل فاقول اوّلاً تعلم انّ ما ذكره العلماء رضوان اللّه عليهم من انهم لايعلمون الغيب لاينافي ما نذكره و ان اختلفت المقاصد لأنّهم لاينكرون انهم (ع) اخبروا باشياۤء كثيرة من الغيب الّا انّهم يقولون كان ذلك من الوحي الذي نزل علي محمّد (ص) في خصوص اشياۤء و قد علّمهم ذلك عن امرٍ من اللّه تعالي و نحن نقول بموجب ذلك و انّ ما كان عندهم فانّما هو وراثة عن جدهم رسول اللّه (ص) كما روي عنهم (ع) و لانّ عندهم علم القرءان كلّه و فيه تبيان كلّ شيء و تفصيل كلّ شيء الّا انّه مستور عن الاغيار و قد كشف سبحانه لمحمّد و آله الأطهار عليهم السّلام جميع الأستار و ما اخبروا به من ذلك المستور عن غيرهم و ايضاً عندهم الأسم الاكبر و به يعلمون ما شاۤؤا كما ذكروا في احاديثهم ثم اعلم انّهم علي كلّ تقدير لايعلمون من ذلك كلّه الّا بتعليم اللّه سبحانه في كلّ جزئي جزئيّ فاذا قيل لايعلمون الغيب بمعني من ذاتهم فهو حقّ و اذا قيل علّمهم رسول اللّه (ص) عن اللّه كثيراً من الغيب فهو حقّ و اذا قيل علّمهم اللّه فهو حق و اذا قيل علمهم الأسم الأكبر و اقدرهم به علي ما يشاؤن من العلوم الّتي لايطّلع عليها غيرهم فهو حقّ و اذا قيل قد سخّر لهم الملاۤئكة و الجاۤنّ تخدمهم في كلّ ما شاۤؤا و تحمل اليهم علوم ما غاب عنهم و ما لميكن مشاهداً فهو حقّ و اذا قيل قد كتب لهم في القرءان و في مصحف فاطمة و في الجامعة و في الجفر و في الغابر و في المزبور بل في جميع افراد الأشياۤء و في العالم و في الأنفس ما شاۤء من علمه فهو حقّ و كلّ هذه وردت بها اخبارهم و دلّت عليها ادلّة العقول المنيرة و هذه العلوم الغاۤئبة هي و امثالها هي المعنيّة بقوله الا بما شاۤء و الّا من ارتضي من رسول و لكنّ اللّه يجتبي من رسله مَن يشاۤء ، و بقوله (ع) ارتضاكم لغيبه و قد تقدّم في مواضع متعددةٍ و قول اللّه سبحانه فانّه يسلك من بين يديه و من خلفه رصداً اي يجعل اللّه تعالي لوليّه المرتضي مؤيداتٍ من الملاۤئكة و من امداداته و من ذكره تحفظ عليه ما اطّلعه عليه من الغيب له معقّبات من بين يديه و من خلفه يحفظونه من امر اللّه و تلك الحفظة من المَلَكِ المحدّث و يحرسونه من اختطاف الشياطين المسترقين للسّمع و المقيّضين لِأِنْساۤءِ ما تذكره الذّاكرات و لمحو ما نقش في الواح النّفوس ليعلم اللّه ان قد ابلغ النبيّ (ص) عليّاً و الطّيبين من ذرّيّته ما علّمه من غيبه و ان قد ابلغوا شيعتهم و ما اُمِروا بابلاغه من العلوم و الأحكام الوجوديّة و الشرعيّة او ليعلم الرسول انّهم قد ابلغوا عنه و قوله تعالي و احاط بما لديهم و احصي كلّ شيء عدداً فيه تنبيه و تصريح انّ ما اظهرهم عليه من غيبه في يده و في تصريفه لميخرج عن ملكه و يصدق عليه حقيقة انّه لايعلمه غيره كما قال تعالي قل لايعلم من في السموات و الأرض الغيب الّا اللّه و انّه لايعلمه احد الّا باذنه بل كونهم عالمين به حين علّمهم ايّاه قاۤئم به قيام صدور هو المالك لما ملّكهم و القادر علي ما اقدرهم عليه ،
ثم اعلم انّ المراد بالغيب ما غاب عن الحسّ فاذا قيل غيب اللّه يراد به ما غاب عن بعض خلقه او عن كلِّهم لانّ اللّه سبحانه لميغب عنه غائبة فلايكون عنده غيب و امّا خلقه فلهم غيبٌ و شهادة و قد يكون غيب في مكان عند بعضٍ شهادة عند بعض آخر و قد يكون غيب عند الكلّ فالاوّل هو المراد هنا فالغيب الذي ارتضاهم له انما هو غيب عند غيرهم و امّا عندهم فشهادة فعلمهم به علم احاطةٍ و عيانٍ لا علم اخبارٍ و ان كان علم الأخبار ايضاً يصْدق عليه الشهادة عند العالم به و ان كان غيباً عند من لايعلمه و الثاني الغيب الذي هو عند كلّ الخلق هو ما دخل في الأمكان و احاطت به المشيّة الّا انّه لمتتعلّق به تعلّقَ التّكوين و هذا لايتناهي و لاينفد ابد الٰابدين و ذلك هو خزاۤئنه الّتي لاتفني و لايتصوّر فيها نقص بكَثْرة الانفاق فهو عزّ و جلّ ينفق منها كيف يشاۤء فالذي ينفق منه في اوقات الانفاق و امكنتها ينزل من الغيب الي البيوت الّتي ارتضاهم لغيبه و ينزل من ابوابها ما يشاۤء و ذلك المخزون منه محتوم و منه موقوف فالمحتوم منه ما لايمكن تغييره و هو كونُ ما كانَ فانّه لايمكن بعد ان كان اَلّايكون و قد تقدم ذكره من قريبٍ و منه ما يمكن تغييره و لكنّه وَعَدَ اَلّايُغيره و هو لايخلف الميعاد قال تعالي في محتوم الخير فلا كفران لسعيه و انّا له كاتبون و في محتوم الشّرّ و لكن حقّ القول مني لأملئنّ جهنّم من الجنّة و الناس اجمعين و هذا المحتوم لو شاۤء غيّره و محاه و الموقوف مشروط فيكون كذا ان حصلَ كذا و ان لميحصل كذا كان كذا و كذا و الشرط هو السَبَبُ و امّا المانع فقد يكون في الغيب و الشهادة و قد يكون في الغيب و لايكون في الشهادة لانّه اذا وُجد في الشهادة وجد في الغيب و لايلزم العكس فاذا وُجد المقتضي فان وُجد المانع منه فان اعتدلا فهو الموقوف كما ذكر و ان رُجّح احدهما فالحكم له فاذا وُجد المقتضي و فُقِد المانع فان فُقِد في الغيب و الشهادة حتم وجوده فان تمّت قوابلُه وجد و وصل اليهم علمه لانّه ممّا شاۤء و ان انتظرت جاز في الحكمة الاخبار به فيخبر به علي جهة الحتم و لا بدّ ان يكون الّا انّه قبل كونه في الصّفحة الثانية من اللّوح و هذا عندهم (ع) و منه ما كان و منه ما يكون و الي هذا القسم اشاروا في اخبارهم انّ عندنا ما كان و ما يكون الي يوم القيمة و ان فقد المانع في الغيب خاۤصّة جاز في الحكمة الأخبارُ به فيخبر به من غير حتم و هذا قد يكون و قد لايكون و الفائدة في الأخبار به مع انّه سبحانه لايكذِّب نفسه و لايكذِّب انبياۤءه و رسله و حججه هي اظهار التّوحُّد بالخلق و الأمر و الأستقلال بالملك و ارشاد الخلق الي اعتقاد البداۤء لانّ ماعُبِد اللّه بشيءٍ افضل من البداۤء اي اثبات البداۤء للّه تعالي و هذا يجوز للحجج الاخبار به لا علي سبيل الحتم بل عليهم ان يعرّفوا مَن لايعرف انّ اللّه يفعل ما يشاۤء و انّه يمحو ما يشاۤء و يثبت و عنده امّ الكتاب و لهذا قالوا عليهم السلام ما معناه اذا اخبرناكم بامر فكان كما قلنا فقولوا صدق اللّه و رسوله و ان كان بخلاف ذلك فقولوا صدق اللّه و رسوله تُوجَروا مرتين ، و ليس عليهم ان يُعرّفوا من لايعرف هذا في خصوص الواقعة لان ذلك يوجب الشك في تصديقهم عند اكثر الناس و قد يلزمهم عليهم السلام من ذلك التقوّل علي اللّه لأنّه سبحانه لميأمر بذلك في كلّ واقعةٍ و ان كان قد يأمر بذلك كما في وَعْدِ موسي (ع) بين ثلاثين و اربعين في معرض التقرير و الهداية و البيان و قد يلزم من البيان خلاف المقصود مِن الأِخبار و هذا القسم قد يكون يوجد مانعه في الشهادة كالصّدقة في دفع البلاء المبرم يعني الذي ابرم في الغيب لعدم المانع هناك و الدّعاۤء في ردّ البلاۤء و قد اُبرِمَ اِبْرَاماً كذلك و كبعض الافعال بل كلّ الطّاعات و تفصيل ذلك يطول .
قال عليه السلام : و اختاركم لسرّه و اجتباكم بقدرته
قال الشارح (ره) و اختاركم لسرّه للتأكيد او التخصيص بعد التّعميم و اجتباكم بقدرته اشارة الي علوّ رتبة اجتبائِهم بانه لايمكن الّا من قدرة اللّه و ان كان الكلّ من قدرته او لاظهار قدرته .
اقول في مجمع البحرين و السّرّ الذي يكتم و منه هذا من سرّ آلمحمّد (ص) اي من مكتوم آلمحمّد الذي لايظهر لكلّ احدٍ قال بعض شرّاح الحديث اعلم انّ سرّ آلمحمد صعب مستصعب فمنه ما يعلمه الملاۤئكة و النبيّون و هو ما وصل اليهم بالوحي و منه ما يعلمه هم و لميجر علي لسان مخلوق غيرهم و هو ما وصل اليهم بغير واسطة و هو السّرّ الذي ظهرت به اۤثار الرّبوبية عنهم فارتاب لذلك المبطلون و فاز العارفون فكفر به فيهم من انكر و فرّط و من غلا فيهم و افرط و فاز مَن ابصر و اتّبع النّمط الأوسط ه ، و المراد بالسّرّ الذي يُعلم هو انهم (ع) حجج اللّه علي جميع خلقه من الأنس و الجن و الملاۤئكة و ساۤئر الحيوانات بل و النباتات و المعادن و سائر الجمادات بمعني اَنَّ اللّهَ احتجّ بهم علي خلقه فيما ( فما خل ) يريد منهم ممّا كلّفهم به من احكام التّشريعات و الوجودات و تسبيح الأسباب بافعالها و المسبّبات بانفعالاتها و الرّياح بهفيفها و المياه بجريانها و المطر بودقه و البرق بلمعانه و الرعد بزجلِه و لقد روي المفيد (ره) في الاختصاص باسناده الي سماعة قال كنت عند ابيعبداللّه (ع) فارعدتِ السماۤء و ابرقت فقال ابوعبداللّه (ع) اَمٰا انّه ما كان من هذا الرعد و من هذا البرق ( فانه خ ) من امرِ صاحِبِكُم قلتُ مَن صاحبُنا قال اميرالمؤمنين صلوات اللّه و سلامه عليه ه ، و امثال ذلك و كانَ ممّا اوحي الي حججه من الأنبياۤء و المرسلين و اوصياۤئهم المستحفظين و من الملاۤئكة المقرّبين و علّم كثيراً من شيعتهم كثيراً من ذلك انّ محمّداً و آله صلي اللّه عليهم اجمعين قد جعلهم حججه علي جميع خلقه علي نحو ما اشرنا اليه هنا و سابقاً في اثناۤءِ ما تقدّم و جعلهم ابوابه الي الخلق و ابواب الخلق اليه في جميع احوال مراتب الخلق و الرزق و الممات و الحيوة و هو سرّ اللّه عند مَن اطْلَعَهُ عليه قد اخذ عليهم العهد ان يكتموه عن غير اهله و مَن كانَ من اهله ان يلقوا اليه علي قدر ما يعرفون من احتماله و هذا القسم هو الذي اشاروا (ع) اليه بقولهم انّ حديثنا صعبٌ مستصعبٌ كما في البصاۤئر و في حديث ابيالطفيل الي ان قال عليٌ (ع) انّ امرنا صعبٌ مستصعبٌ لايعرفه و لايقرّ بِه الّا ثلاثةٌ ملكٌ مقرّبٌ او نبيٌّ مرسلٌ او مؤمنٌ نجيبٌ امتحنَ اللّه قلبه للايمان و عنه (ع) انّ حديثَنا صعبٌ مستصعبٌ خشن مخشوش فانبذوا الي الناس نبذا فمن عرف فزيدوه و من انكر فامسكوا لايحتمله الّا ثلاثة ملك مقرب او نبيّ مرسل او عبد مؤمن امتحنَ اللّه قلبه للأيمان ، و امثال ذلك ممّا دلّوا عليه في احاديثهم و هذا القسم لايُعلّمه اللّه تعالي احداً من خلقه الّا اذا علم صدقَه في ولايتهم (ع) و علي قدر معرفته في ولايتهم يعلّمه اللّه و ممّا يدلّ علي ذلك كثير منه ما رواه المفيد (ره) في الأختصاص باسناده الي المفضّل بن عمر عن الصّادق (ع) انه قال لمفضّل بن عمر انّ اللّه تبارك و تعالي توحّد بملكه فعرّف عباده نفسه ثم فوّض اليهم امره و اباح لهم جنّته فمن اراد اللّه ان يطهّر قلبه من الجنّ و الأنس عرّفه ولايتَنَا و مَن اراد ان يطمس علي قلبه امسك عنه معرفتَنَا ثم قال يا مفضّل واللّهِ مااستوجب آدم ان يخلقه اللّه بيده و ينفخ فيه من روحه الّا بولاية عليّ (ع) و ماكلّم اللّه موسي تكليماً الّا بولاية علي (ع) و لااقام اللّه عيسي بن مريم آية الّا بالخضوع لعليّ (ع) ثم قال (ع) اُجمِلُ الأمر ما استأهل خلق من خلق اللّه النظر اليه الّا بالعبوديّة لنا ه ، و هذا القسم علي قسمين قسم يعلمونه الأنبياۤء و المرسلون و الأوصياۤء و الملائكة عليهم اجمعين السّلام و شيعتهم و يحتملونه بتعليم آلمحمّد (ص) لهم بالاقبال عليهم علي جهة الأنبساط و العموم فتستضيۤء بذلك قلوبهم فيعلمون من الاسرار ما جرت به ( بهم خل ) لهم الأقدار فهم كالشمس تشرق علي الأرض و ينبسط ضوءها و تستنير البقاع علي قدر قوابلها و قسم لايعلمه احد منهم الّا باقبالٍ خاۤصّ و تعليمٍ خاۤصّ غير ما هو بالاشراق و الانبساط الاَوَّلي او غير ما هو عن الوجود التّشريعي بل بعنايةٍ سبقت و خاتمةٍ لحقت و ذلك مثل اطّلاع شخص منهم علي معرفة المنزلة بين المنزلتين في القدر فان ذلك ممّا نصّوا (ع) عليه بانّه لايعلمها الّا العالم او مَن علّمها ايّاه العالم و لقد رأيتُ في ايّام اقبالي و توجّهي رؤياً عجيبةً ملخّصها اني رأيتُ في المنام كأني في صحراۤء واسعة مدّ البصر و فيها ضياۤءٌ شديد اشدّ من نور الشمس بحيث لايكاد البصر يدرك شيئاً لشدّة النور و سمعتُ صوتاً اُخاطَبُ به ينبعث اليّ من كلّ جهة من الجهات السّتّ بلسانٍ واحدٍ و اَحِسُّ انّ كلّي سامع لاتختصّ الأذن بِسِماعه و لمافهمه حال انبعاثه لاستدارة كلّ حرفٍ منه عليّ كالكرة و اَنَا له كالقطب فلما انقطع فهمتُ معناه و استعظمته علي نفسي لأنّي فيما اعرف من نفسي لستُ اهلاً لذلك ثم رأيتُ المتكلّم شخصاً نورانيّاً قائماً في الهواۤءِ ارتفاع مكانه تقريباً من ثلاثين قامةً و لشدّة صفاۤئه كاد يخفي عن بصري و هو رامق اليّ بطرفه و كتمتُ امري مدّة قدر ستة اشهر لماتكلّم به ثمّ رأيتُ ليلةً النبيّ (ص) و سألتُه عن المتكلّم فقال ذلك انا فقلتُ يا سيّدي انا اعلم بنفسي و انت تعلم بي انّي لااستحقّ ذلك الخطاب بذلك المعني و لست اهلاً له فأي ( فبأي خل ) شيء استحققتُ به ذلك فقال بغير سببٍ و انما امرتُ ان اقول هكذا قلتُ امرتَ ان تقول هكذا في شأني قال نعم و اُمِرتُ ان اقولَ انّ فلاناً من اهل الجنّة و كان المشار اليه شيعيّاً الّا انّه جاهل لا معرفة له قال و اُمِرتُ انّ اقول انّ عبدَاللّهِ الغُوَيدِري يكون من اهل الجنّة و كان ذلك الرجل من اهل السّنّة و هو عشّار و حاكم علي محلّة و لميظهر لاحدٍ منه شيء من الخير قطّ الّا انّ في تلك المحلّة جماعة من السّادة الاعزّاۤء و كان يعظّمهم و يوقّرهم كثيراً و يخدمهم و يسمع كلامهم و يصدِّق قولهم فقلتُ يا سيّدي عبداللّه الغُويدِري يكون من اهل الجنة فقال (ص) لاتغترّ في انّ ظاهره خبيثٌ فانه يرجع الينا و لو عند خروج روحه فكان من القدر طاۤئفة من الشيعة من اهل القطيف اقتتلوا مع طاۤئفة من غير الشّيعة من البوادي فخرج هذا الرجل مع اناس من اهل محلّته ممّن هو حاكم عليهم لنصرة الذين من اهل القطيف و قُتِل و اخبَرتُ بهذا الكلام اناساً فقال رجل من الشّيعة قد كان بينه و بين عبداللّه المذكور صداقة و اختصاص انّ عبداللّه الغُوَيدِري شيعيّ قلنا معاذ اللّه قال اي واللّهِ لايعلم بتشيّعه الا اللّه و انا ، اثبتّ الرؤيا ملخّصة فتدبر هذا المعني حيث قال لي (ص) اني قلتُ ذلك بلا سببٍ و انما امرتُ ان اقول هكذا فلمّا تعجّبتُ كيف يكون بلا سببٍ اخبرني بامر الرجلين و هذا معني ما اشرتُ اليه من انّ بعض الأسرار يعلّمونها من شاؤا تعليماً خاصّاً و يؤيّد هذا المعني ما رواه في البصاۤئر عن الصّادق (ع) انّه قال ان حديثنا صعب مستصعب شريف كريم ذكوان ذكيّ وعرٌ لايحتمله ملك مقرب و لا نبيّ مرسل و لا مؤمن ممتحن قيل فمن يحتمله قال من شئنا و في رواية نحن نحتمله ،
اقول علي الرواية الاولي يكون صريحاً انّ من اسرارهم ما لايحتمله الملاۤئكة المقربون و لا الأنبياء المرسلون و لا المؤمنون الممتحنون فيحتمل انّ قوله عليه السلام مَن شئنا يراد به من شئنا من هؤلاۤءِ المذكورين اذ ليس غيرهم الّا مَن هو دونهم و ذلك لايحتمل الّا بالطريق الأولي او مَن هو فوقهم و ليس الّا هم عليهم السلام اي من شئنا يعني انفسنا الّا انه خلاف الظاهر و الرواية الثانية صريحة في حقّهم و هي غير هذه فتكون هذه في حق غيرهم ممّن شاۤؤا تعليمهم و يؤيّد هذا ما تقدّم في معرفة المنزلة بين المنزلتين في القدر المرويّة عن علي بن الحسين عليهما السلام و الدليل العقلي يشهد لهذا التّقسيم لانّ خصوص مشيّتهم مكمّلة لما نقص من قابليّة من ارادوا تعليمه و امّا السّرّ الذي لايعلمه الّا هم فهو ما كان من معرفة حقيقة مقامات اللّه الّتي لا تعطيل لها في كلّ مكان و حقيقةِ معانيه سبحانه و ظاهرِهِ جلّ و علا و وجهِه۪ و بابِه۪ و جنابِه۪ و حكمِهِ الذي اليه يصير كلّ شيء و امرِه الذي قام به كلّ شيء و كلمتِهِ الّتي انزجر لها العمق الاكبر و هو قولهم (ع) في الرواية المتقدّمة المشار اليها بقولنا و في رواية نحن نحتمله ، فانّ سرّهم هذا لو احتمله احد غيرهم لكان اعلم منهم لما روي انّ اباجعفر (ع) قال انّ حديثنا صعب مستصعب ذكوان اجرد لايحتمله ملك مقرب و لا نبيّ مرسل و لا عبد امتحن اللّه قلبه للأيمان امّا الصعب فهو الذي لميركب بعد و امّا المستصعب فهو الذي يُهرب منه اذا رُأي و امّا الذكوان فهو ذكاۤء المؤمنين و امّا الأجرد فهو الذي لايتعلّق به شيء من بين يديه و لا من خلفه و هو قول اللّه تعالي اللّه نزّل احسن الحديث فاحسنُ الحديث حديثنا لايحتمل احد من الخلاۤئق امره بكماله حتي يحدّه لانّ مَن حدّ شيئاً فهو اكبر منه و ذكر في البصاۤئر انّه وجد في بعض الكتب و لميروه بخط آدم بن عليّ بن اۤدم قال عمير الكوفي معني حديثنا صعب مستصعب لايحتمله ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل فهو ما رويتم انّ اللّه تبارك و تعالي لايوصف و رسوله لايوصف و المؤمن لايوصف فمن احتمل حديثهم فقد حدّهم و من حدّهم فقد وصفهم و مَن وصفهم بكمالهم فقد احاط بهم و هو اعلم منهم و قال نقطع الحديث عمّن دونه فنكتفي به لانّه قال صعب فقد صعُب علي كلّ احد منهم حيث قال صعب فالصّعب لايركب و لايحمل عليه لانّه اذا ركب و حمل عليه فليس بصعب ه ، فان قلتَ اذا كانَ ذلك السّرّ المشار اليه معرفة المقامات و المعاني و الظاهر و الوجه فكيف قلتَ لايعلمه غيرهم و انت تخبر عنها و الاخبار عنها دليل علي العلم بها فلايكون مختصّاً بهم اذ لايمكن ان يسمّي الشخص شيئاً باسمه و يعدّه و يعرف انّه قبل كذا و بعد كذا و هو لايعلمه الّا ان يقال انّ غيرهم يعرفها مجملة و هم يعرفونها مفصلة و علي هذا ينبغي ان يقال انها يعرفها غيرهم من وجه و هم يعرفونها من وجه و مع هذا لايصدق انه لايعرفها غيرهم قلتُ بيان جواب هذا طويل الذيل لتوقّفه علي تقديم مقدمات و معرفة مسائل كثيرة الّا اني اجمله في الأشارة فاقول انّ تلك الأشياۤء المشار اليها لاتخرج عنهم الي غيرهم و الشيء لايعرف الشيء حتّي يصل اليه و امّا ما سمعتَ من ذكرها فانما نَصِفُ آثارها مجملةً و تلك الٰاثار هي صورها في نفوس من عرف ذلك من غيرهم كما نعرف اللّه و نصِفه بصفاته و نعوت ذاته و هي صُوَرُ تعرُّفِه لعباده و هي ذواتهم الّتي ظهر لهم بها و لكنّه سبحانه ظهر لنا بذواتنا عن تلك الأشياۤء المشار اليها بمعني انّه جلّ و علا اظهر وصفه لنفسه الذي هو تعرُّفه لهم عليهم السلام و هو حقيقتهم و ظهر لنا بصورة تلك الحقيقة بما فيها من وصفه فنعرف تلك الأشياۤء بما انتقش في ذواتنا من صورها كما توجد صورة النجم في الماۤء و لما كانت تلك الأشياۤء كبيرة واسعة لايسعُها شيء ممّن هو دونها ( ما خ ) لميحط ذلك الشيء بكلّ صورها بحيث تظهر فيه كلّ حدود اشباح هياكلها و انما يسع بقدره فلمّا صغر في ذاته لميحط بتفاصيل اشباحِها و انما فيه انّ المعني غير الظاهر و انّ الباب غير الوجه و انّ الحكم غير الامر فالعارفون بهم عرفوا العدد او بعضه و من نفس الشبح بقدر وسعه و ذلك حقيقته و قيمته عند ربّه و قيمة كل امريءٍ ما يحسنه و هذا القدر من الظهور هو المراد من الاجمال فاذا كان كلّ من سواهم لايصل اليه الّا بعضُ اشباحِها صحّ انّ مَن سواهم لايعلمها لأنّ الشبح ظلّ النور و امّا النور فهو مقامات ربّهم و معانيه و ظاهره و وجوه صفاته و لايعلمها غيرهم كما ذكر و هذا هو السّرّ الذي اصطفاهم له و امّا القسمان الاوّلان منه فمعني انّه سبحانه اصطفاهم لهما انّهم الحافظون و المبلّغون و المؤدّون و خزائن مباديهما و نهاياتهما و ما يتوقّف ذلك من الكتب و الٰاجال و غيرهما و ممّا يدلّ علي انّ ما وصل اليهم منه ما لايحتمله غيرهم ابداً و منه ما يحتمله غيرهم بواسطة تعليمهم و انّ مَن ليس منهم و لا اليهم لايحتمل من سرّهم سرّاً لما فيهم من حقيقة الانكار للحقّ ما رواه في الكافي باسناده الي محمد بن عبدالخالق و ابيبصير قال قال ابوعبداللّه (ع) يا ابامحمّد انّ عندنا واللّهِ سرّاً من سرّ اللّه و علماً من علم اللّه واللّهِ مايحتمله ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل و لا مؤمن امتحن اللّه قلبه للايمان واللّهِ ماكلّف اللّه ذلك احداً غيرنا و لااستعبد بذلك احداً غيرنا و انّ عندنا سرّاً من سرّ اللّه و علماً من علم اللّه امرنا اللّه بتبليغه فبلّغنا عن اللّه عزّ و جلّ ما امرنا بتبليغه فلمنجد له موضعاً و لا اهلاً و لا حمالةً يحتملونه حتّي خلق اللّه لذلك اقواماً خلقوا من طينة خلق منها محمّد و آله و ذرّيّته (ع) و من نور خلق اللّه محمّداً و ذرّيّته و صنعهم بفضل صنع رحمته الّتي صنع منها محمّداً و ذرّيّته فبلّغنا عن اللّه ما امرنا بتبليغه فقبلوه و احتملوا ذلك فبلغهم ذلك عنّا فقبلوه و احتملوه و بلغهم ذكرنا فمالتْ قلوبهم الي معرفتنا و حديثنا فلولا انّهم خُلِقوا من هذا لماكانوا كذلك لا واللّهِ مااحتملوه ، اقول الاوّل هو الذي اختصّوا به و لايجوز في حكمة اللّه ان يكلّفَ به غيرهم و لايجوز لغيرهم ان يطلبوه و من طلبه فقد عصي الله و استوجب عقوبة طلبِهِ و انّ آدم (ع) بعد ما عَلِمَ سبق عِلْمِ اللّه بانّه سيأكل من تلك الشجرة شجرة الخلد الّتي منها القلم الأعلي حين اكل هو و حوّاء حبة من ثمارها طُرِدا من الجنّة و طلبها ايّوب فابتلي بالبلاۤء العظيم و رغب عن الخضوع لها يونس فالتقمه الحوت فلمّا تابوا و انابوا و سألوا اللّه بمحمّد و آله تحت قبّة سيّدالشهداۤء ابيعبداللّه الحسين (ع) قَبِلَ اللّهُ توبتهم و اثابهم علي عظيم البلاۤء جزيل الرضا و كذلك قد تناوَلَ ملكانِ من الملاۤئكة من ورقها وَ هَمَّ طاۤئفة من الملائكة بان يتناولوا من ورقها فطردهم من جوار عرشه فطافوا بالعرش سبعَةٰالاف سنةٍ فلمّا طردهم لاذوا بالبيت المعمور سبع سنين و تاب عليهم حين لاذوا بقبر الحسين (ع) في العالم الذي قبل هذه الدّنيا و السّرّ الثاني هو الذي يحتمله الملاۤئكة المقربون و الأنبياۤءُ المرسلون و المؤمنون الممتحنون لانّ طينتهم من فاضل طينة محمّد و آله الطيّبين صلي اللّه عليه و آله الطّاهرين فلهذا قَبِلوه و احتملوه لما حمّلوهم ايّاه و لمّا كان مثل هذا العلم لايحتمله الأغيار من اعداۤء الدين و لا الجّهال من المستضعفين امرَ اللّهُ بكتمانه و لذا سمّي سِرّاً اَمّا الاغْيٰار فلأنّهم خلقوا من خلاف الحقّ و خلاف الطّينة الطّيّبة و خلاف الحقّ هو الباطل و خلاف الطينة الطيّبة الطينة الخبيثة طينة خبال فلميقبلوا الحقّ الخالص و قد يقبلون منه المشوب اقامَة للحجّة عليهم و امّا المؤمنون الجّهال و المستضعفون فَلِمَا في طينتهم من لطخ الطّينة الخبيثة فاذا تزيّلت الطّينتان قَبِلَ الحَق اهله و الباطل لحقَ باهله و قد اشار عليه السلام في الحديث الّذي تقدم بعضه قال (ع) بعد ذلك ثم قال انّ اللّه خلق اقواماً لجهنّم و النّار فامرنا ان نبلّغهم كما بلّغناهم و اشمأزّوا من ذلك و نفرت قلوبهم و ردّوا علينا و لميحتملوه و كذبوا به و قال ساحر كذّاب فطبع اللّه علي قلوبهم و انساهم ذلك ثم اطلق اللّه لسانهم ببعض الحقّ فهم ينطقون به و قلوبهم منكرة ليكونَ ذلك دفعاً عن اولياۤئه و اهل طاعته و لولا ذلك ماعُبِدَ اللّه في ارضه فامرنا بالكفّ عنهم و السّتر و الكتمان قال ثم رفعَ يده و بكي و قال اللّهم انّ هؤلاۤء لشرذمة قليلون فاجعل محيانا محياهم و مَمَاتنا مماتهم و لاتسلّط عليهم عدواً لك فتفجعنا بهم فانك ان فجعتنا بهم لمتُعبَد ابداً في ارضك و صلّي اللّه علي محمّد و آله و سلَّم تسليماً ، فانّه (ع) ذكر المنكرين من المخالفين و لميصرّح بالمنكرين من المؤمنين لأنّ انكارهم ليس ذاتيّاً و ذلك لانّ من شأنهم الردّ الي ائمّتهم (ع) الّا انّه اهملهم و ذكر البالغين القابلين منهم المحتملين لسرّهم و دَعَا لَهُم ،
و امّا قوله (ع) و اجتباكم بقدرته فقد اشار الشارح (ره) الي معني من معانيه و هو انّه انّما نسب الأجتباۤء الي القدرة مبالغة في تعظيم مقام اجتباۤئه لهم لأنّ اجتباهم الواقع علي اكمل وجهٍ من الأجتباۤء انّما يكون عن قدرةٍ بالغةٍ و هي قدرته الّتي لاتعجز عن شيء و ان عظم و يجوز فيه معني آخر و هو انّهم لما كانوا كما هم اهله مظهر قدرته و مصدر آثارِها و باب فَيَضانِها بمكانٍ ينحدر منه السيل و لايصعد اليه الطّير و اجتباهم بسبب ذلك و يجوز معني آخر و هو انّ قدرته لمّا كانتْ لاتتناهي عظيماً و شدة بحيث لايقدر احد من المقدورات تحمّل ظهورها عليه بلا واسطةٍ وجب في الحكمة اتّخاذ الأعضاد للخلق و لمّا كانت الحكمة تقتضي ان تكون الأعضاد اقوي و اقرب ممّا يتقوّي به الي الفاعل و لميكن في الوجود اقوي و لا اقرب منهم اختارهم عضداً لقدرته و الباۤء بمعني اللام و علي تفسير ظاهر الظاهر المراد بالقدرة القدر يعني اختارهم بان جعلهم مقدِّرِين للأشياۤء باذن اللّه كما قال الحجة (ع) في دعاۤءِ شهر رجب و مناة و اذواد اي مقدِّرون بكسر الدّال و اختارهم بقدره فيرجع التقدير الي اختياره لهم او اليهم يعني انّهم مقدَّرُون بفتحِ الدّال اي معدَّلون في احسن تقويم او بمعني انّه اقدرهم علي تحمل ما شاۤء من علمه او علي اداۤءِ ما حَمَّلَهم و علي تبليغ ما امرهم بتبليغه و ما اشبه ذلك ممّا يطول به الكلام اذا تصرّف في معناه علي قواعد الباطن و ظاهر الظاهر و التّأويل و باطن التّأويل .
قال عليه السلام : و اعزّكم بهداه و اخصّكم ببرهانه
قال الشارح (ره) و اعزّكم بهداه اي جعلكم اعزّةً بالهداية هادياً او مهديّاً و اخصّكم ببرهانه اي بالقرءان و علومه فانّهما معجزان و هما عندهم او الأعمّ منه و من غيره من المعجزات الباهرة المتواترة الّتي روتها العاۤمّة و الخاۤصّة عنهم صلوات اللّه عليهم . اقول الهدي قد ذكرناه سابقاً و نذكر الٰان كما كان عزمنا من تكرير البيان للبيان فالهدي الأرشاد للزوم الطريق المؤدّي الي محبّة اللّه و المبلّغ الي جنّته الصّارف عن اتّباع الهوي الموجب للعطب و الأخذ بالٰاراۤء الموجب للهلاك روي هذا المعني عن الصّادق عليه السلام و الهدي الدّلالة علي الصراط المستقيم و الهدي الكتاب و الشريعة عن ابنعبّاس في قوله تعالي فمن اتّبع هدايَ الخ ، و الهدي التعريف لطريق الخير و الشّرّ و الهدي التّبيين كما قال تعالي اولميهد للذين يرثون الأرض الٰاية ، و الهدي التّقوي كما قيل في قوله تعالي هديً للمتّقين فيكون تقوي اي باعث تقوي و محدثها او زاۤئدها و المتّقين علي معني زاۤئدها ظاهر و علي احداث التقوي يكون المعني هدي و تقوي لمن يقبل او للمستحقين المتأهّلين لها او باعتبار ما يؤل بها امرهم الي الاتّصاف بها و الهدي بمعني الامضاۤء او الاصلاح كما في قوله تعالي انّ اللّه لايهدي كيد الخاۤئنين اي لايمضيه او لايصلحه و الهدي بمعني الطّريقة قال تعالي فبهداهم اقتده اي بطريقتهم في الايمان و التوحيد و العدل و النبوّة و الامامة و المعاد و مُجْمَل الشراۤيع و اصولها و الهدي الحفظ لما لا بدّ منه للمكلّفين و منه قوله تعالي و لكلّ قوم هاد و امثال ذلك و قوله (ع) و اعزّكم بهداه يصدق الهدي هنا علي هذه المعاني مع مقارنة معاني عزّ من اصل اللّغة و التضمين و من معانيه الشّدّة و القوّة مثل قوله تعالي عزيز عليه ما عنتّم اي شديد عنتكم يغلب صبره و كذا قوله تعالي فعزّزنا بثالث اي قوّينا و شدَدنا ظهورهما بثالث فيصير المعني شدكم بهداه و ارشاده للزوم الطريق المؤدّي الي محبّته و المبلّغ الي جنّته و قوّاكم بتعريفه و تبيينه لكم و قوّاكم بالتّقوي و بما امضي لكم في محتوم قضاۤئِه من سننه و طريقته و آدابه و اصول شراۤئعه و فروعها و شدّكم و قوّاكم علي حفظ ما لا بدّ منه للمكلّفين من الأيجادات و اسبابها و التّشريعات و آدابها عليهم و ايّدكم بما به تكونون غالبين لما تريدون ظاهرين علي مَن تُعادون و اذا جُعِلت الباۤء بمعني علي كما في قوله تعالي مَن اِن تأمنه بقنطارٍ اي علي قنطارٍ او بمعني اللّام او في او عن او غير ذلك من حروف الجرّ فانّ حروف الصّفات يقوم بعضها مقام بعضٍ اتّسعتْ وجوه المعاني و تكثّرت بما يطول ذكرها و يدّق بيانه و قوله (ع) و اخصّكم ببرهانه ممّا يراد به انه سبحانه اخصّهم بالقرءان بان انزله في حجراتهم او علّمهم مقاصده و ارادته فيه او جعلهم حفظة احكامه و قُوّاماً بما انزل فيه من اوامره و نواهيه او جعلهم محلّه لأنّهم محاۤلّ مشيّته و القرءان ظاهر مشيّته او مظهر مشيّته او عاملين بما ينطق به اذ لايمكن احد من خلق اللّه ان يعمل بما ينطق به كما ينطق الّا هم (ع) او مبلّغين به و منذرين به كما قال تعالي حكاية عن نبيّه و عنهم صلي اللّه عليه و عليهم ( و آله خل ) لأنذركم به و مَن بلغ اي و من بلغ ان يكون منذِراً منهم (ع) ينذركم به او مؤدّين عنه الي الموجودين و المكلّفين ما ظهر سبحانه به فيه لهم او ما اظهر عنه من المعجزات الخارقات للعادات المقرونات بالتحدي او ما اظهر فيه و انزل فيه من العلوم و الأسرار و الأخبار بالحادثات علي ممرّ الدّهور او بما ينال حملته و يبلغون بسببه من الشرف و المجد و العزّ الذي لايخلق جديده علي تطاول الأيّام و الدّهور او بما انزل فيه من البرهان و الحجج الّتي يقوم بها الحقّ و يبطل بها الباطل و ما اشبه ذلك او انّه سبحانه اخصّهم بالمعجزات الخارقة للعادة فانّها برهان اللّه و حجته و آياته المصدّقة لرسله و اولياۤئه و ذلك مثل احياۤء الموتي و ابراۤء الأكمه و الأبرص و الأِخبار بما يدّخرون في بيوتهم و انطاق الجمادات و الحيوانات العجم و احياۤء الجمادات باعطائها ارواحاً حيوانيّة و سلبها منها او بالأسم الاعظم الاكبر الذي به يفعلون ما شاۤؤا و يعلمون ما ارادوا او انّه اخصّهم بروح القدس المسدِّد لهم فلايخطئون و المعلّم لهم فلايجهلون و المذكّر لهم فلاينسون او انّه انزل في اجسادهم و اجسامهم و نفوسهم و عقولهم انوار مدده حتي كانوا آيةً للعالمين و حجج اللّه علي ساۤئر خلقه اجمعين او انّه سبحانه جعلهم مظاهر برهان ربوبيته و آيات علمه و قدرته كما تقدمتِ الأشارة اليه في رواياتهم من انّهم حجج اللّه و انهم آياته الّتي اراها خلقه في الٰافاق و في انفسهم و المراد بذلك انّ برهانه ظهر عليهم او هم اظهروه او هم ذلك البرهان و هذه الثلاثة الأحوال احوال كونهم مظاهر برهان ربوبيّته فالحال الثالث مقام المقامات في حقّهم و الأوّل مقام المعاني و الثاني مقام الأبواب و اۤثار الأحوال الثلاثة تظهر في المقام الرابع مقام الأمام فافهم .
قال عليه السلام : و انتجبكم بنوره و ايّدكم بروحه
قال الشارح (ره) و انتجبكم بنوره من الكمالات و الهداية و غيرها من الأنوار القدسيّة المعنويّة و ايدكم بروحه و هي روح القدس الّتي كانت مع نبيّنا (ص) و كانت معهم كما يظهر من الأخبار المستفيضة فمن ذلك ما رواه الكليني في الصّحيح عن ابيبصير ليث المرادي قال سألتُ اباعبداللّه (ع) عن قول اللّه تبارك و تعالي و كذلك اوحينا اليك روحاً من امرنا ماكنت تدري ما الكتاب و لا الأيمان قال خلقٌ من خلق اللّهِ عزّ و جلّ اعظم من جبرئل و ميكائيل كان مع رسول اللّه (ص) يخبره و يسدّده و هو مع الأئمة من بعده و في الصّحاح عن ليث قال سألتُ اباعبداللّه (ع) عن قول اللّه عزّ و جلّ و يسئلونك عن الرّوح قل الرّوح من امر ربي قال خلق اعظم من جبرئل و ميكائيل لميكن مع احدٍ ممّن مضي غير محمّد (ص) و هو مع الائمّة يسدّدهم و ليس كلّما طُلِبَ وُجِدَ ، الي غير ذلك من الأخبار الكثيرة و الظاهر انه من الملاۤئكة الرّوحانيّين و يمكن ان يكون عبارة عن تنوّر نفوسهم و عقولهم بالأنوار القدسيّة الألهيّة ه ،
اقول انّه سبحانه و تعالي انتجبهم اي اختارهم بنوره اي بعلمه يعني انّه اختارهم علي علم منه بهم انّهم الخيرَة و ذلك في القدم المخلوق و هو السّرمد و مبدء الفيض و المدّ و هذا العلم الذي اختارهم هو الكتاب الأوّل و يعبّر عنه بعبارات كثيرة مختلفة في الظّاهر و المدلول و المفهوم متحدّة في المعني و منها الحقّ المخلوق و الكتاب الأوّل و العلم المساوق و الربوبيّة اذْمربوب و الألوهيّة اذمألوه و الفعل و الأختراع و الأبداع و المشيّة و الأرادة و الرحمة الواسعة و الشجرة الكليّة و برزخ البرازخ و التعيّن الأوّل و مقام او ادني و عالم فاحْبَبْتُ ان اُعْرَف و غير ذلك و لايُراد به العلم الذي هو الذّات لأنّ الأنتجاب معنيً فعليّ و الذّات لاتكون فعلاً لنفسها و لاجل انّ المراد منه العلم المخلوق بنفسه عبّر عنه بالنّور و يجوز ان يكون المراد من النّور ذواتهم (ع) بمعني انّه لميخترهم بشيء غيرهم و انّما اختارهم بهم هذا و مثله من المعاني اذا اريد بانّه سبحانه اختارهم في المقام الأوّل و ان اريد انّه اختارهم في المقام الثاني يكون المراد بالنور هو الأمر و هو الماۤء الأول كما اشار اليه سبحانه و البلد الطّيّب يخرج نباته باذن ربّه و ان اريد به في المقام الثالث يكون المراد من النّور هو الأسم الكبير و المصباح المنير الّذي اشرقتْ به السموات و الأرضون و يكون المراد به هنا هو الحجاب الأبيض و يكون المراد من الرّوح في ايّدكم بروحه الحجاب الأصفر كما يأتي ان شاۤء اللّه تعالي و ان اريد به في المقام الرابع يكون المراد من النّور الوحي و القرءان بان جعلهم مهبط وحيه و حملة كتابه و آثار هذا النور علي ايّ معني فُرض تظهر آثاره في المقام الرابع كلّ اثرٍ بحسبه في احوالهم و اعمالهم و اقوالهم و افعالهم كما اشرنا قبل هذا فيما قبله و لاحِظ في الباۤء من بنوره معني ما تقدّم في نظائرها و تصرّف علي سنن بياننا تظهر لك ذخاۤئر لمتزل قبل هذا الشرح مكنونة لمتكتب في القِرطاس و لمتجر علي خواطر الناس ،
و قوله (ع) و ايّدكم بروحه
يراد منه انّه سبحانه ايّدهم بروح منه و اعلي ما يراد من هذه الرّوح ان يراد بها مشيّته فانّها حيوة كلّ شيء و من المراد من تأييدهم بها جعلهم محلّاً لها و لميجعل اللّه جلّ و عزّ تأييداً بشيء ممّا خلق لشيء ( بشيء خل ) ممّا خلق مثل التّأييد بمشيّته و لميؤيّد بجميعها خلقاً من ساۤئر خلقه الّا محمداً و آله الطّيبين صلّي اللّه عليهم اجمعين ثم يراد بعده القاۤئم بجميع حيوة الموجودات و هو الماۤء الذي به حيوة كلّ شيء و كان العرش الّذي استوي عليه الرّحمن برحمانيّته عليه قبل خلق السّموات و الأرض بما لايكاد يدخل تحت الضّبط و قد تقدّم ما فيه اشارة الي ذلك كما روي عنهم (ع) انّهم كانوا انواراً يسبّحون الله قبل خلق ساۤئر المخلوقات بالف دهرٍ و في ما روي انّ عليّاً (ع) خطب في البصرة و قال سلوني قبل ان تفقدوني الي ان قال الراوي فقام ( اليه خ ) الرجل فسأله عن مساۤئل الي ان قال فكم مقدار ما لبث العرش علي الماۤء قبل خلق الأرض و السماۤء فقال (ع) اتحسن انْ تحسب فقال نعم فقال اميرالمؤمنين (ع) افرأيتَ لو صبّ علي الأرض خردل حتي سدّ الهواۤء و ملأ ما بين الأرض و السماۤء ثم اُذِنَ لك علي ضعفِك ان تنقله من المشرق الي المغرب ثم مُدَّ لك في العمر حتي تنقله و احصَيْتَهُ لكان ذلك ايسر من احصاۤءِ ما لبث العرش علي الماۤء قبل خلق الأرض و السماۤء انّما وصفت ( وصفته خل ) عَشْرَ عَشيِرٍ من مائةالف جزءٍ و استغفر اللّه من القليل ( القول خل ) في التّحديد الحديث ، و هذا المشار اليه بالماۤء الذي به حيوة كلّ شيء ثاني رتبة يصدق عليها الروح الّتي ايّدهم بها و ثالث رتبة هو الرّوح الذي اشار اليها الشارح و هو المذكور و هو تحت المرتبتين الأوّلتين و يطلق علي القلم و العقل الكلّي و علي مَلَكٍ له رؤس بعدد الخلاۤئق من وُلِدَ و من لميُوْلَد و في العلل للصّدوق بسنده الي عمر بن علي (ع) عن ابيه علي بن ابيطالب (ع) انّ النّبي (ص) سُئِلَ ممّ خلق اللّه عزّ و جلّ العقل قال خلقه ملكاً له رؤس بعدد الخلاۤئق مَن خُلق و مَن لميخلق الي يوم القيمة و لكل رأسٍ وجهٌ ( وجهٍ رأسٌ خل ) و لكلّ آدميّ رأس من رؤس العقل و اسم ذلك الانسان علي وجه ذلك الرأس مكتوب و علي كلّ وجهٍ ستر ملقيً لايُكشف ذلك الستر من ذلك الوجه حتّي يُولد هذا المولود و يبلغ حدّ الرّجال او حدّ النّساۤء فاذا بلغ كُشِف ذلك السّتر فيقع في قلب هذا الأنسان نور فيفهَمُ الفريضة و السّنّة و الجيّد و الرّدي اَلَا و مثل العقل في القلب كمثل السّراج في وسط البيت و مثله روي ان اللّه عزّ و جلّ خلق ملكاً له رؤس بعدد بني آدم و لكلّ رأسٍ وجهٌ عليه اسم شخص منهم و علي ذلك الوجه ستر فاذا وُلِدَ مولود من بني آدم ارتفع من السّتر عن الوجه شيء ثم لايزال كلّما نشأ ذلك المولود يرتفع من السّتر من الوجه فيشرق نوره بكماله في القلب قليلاً حتّي يرتفع السّتر بتمامه عن الوجه فيشرق نوره بكماله في القلب ه ، و هذا الرّوح مَلَكٌ كما في هذه الأحاديث و غيرها و يسمّي ايضاً بلسان الشرع بالقلم كما تقدّم و بالعقل و بلسان اهل الحكمة بالعقل الكلّيّ و عند بعض بالعقل الأوّل و قد يعبّر عنه في الأخبار بالحجاب الأبيض و النّور الأبيض و بالحجاب الأصفر و النّور الأصفر و بالرّوح من امرِ اللّه و رووا من طرقهم اوّل ما خلق اللّه العقل و رووا عنه (ص) اوّل ما خلق اللّه عقلي و اول ما خلق اللّه روحي و من طرقنا اوّل ما خلق اللّه نور نبيّك يا جابر و انّ العقل اوّل خلق من الروحانيّين عن يمين العرش و بالجملة فالمعروف عند العلماۤء و الحكماۤء انّ اوّل ما خلق اللّه العقل و انّ المراد بالعقل و المَلَكِ و الرّوح و النور ( في الروح خل ) في الرّوايات واحدٌ و انّه يكون مع الأنبياۤء و الرسل و الائمّة يسدّدهم كما تقدّم في روايتَي ليث و في الكافي عن الصّادق (ع) انّه سُئِل عن العلم أهو شيء يتعلّمه العالم من افواه الرّجال ام في الكتاب عندكم تقرؤنه فتعلمون منه قال الأمر اعظم من ذلك و اوجب اَمَاسمعت قول اللّه تعالي و كذلك اوحينا اليك روحاً من امرنا ماكنتَ تدري ما الكتاب و لا الأيمان ثم قال قد كان في حال لايدري ما الكتاب و لا الأيمان حتّي بعثَ اللّهُ الرّوح الّتي ذكر في الكتاب فلمّا اوحي اليه علم به العلم و الفقه و هي الرّوح الّتي يعطيها اللّهُ من يشاۤء فاذا اعطاها العبد علّمه الفهم ه ، و المرادُ به هو الرّوح من امر اللّه اي الذي اظهَرَهُ امرُ اللّه و امرُ اللّه هو مشيّتُه و هو يطلق علي ملكين هما معاً عن يمين العرش و هما المعبّر عنهما في كلام زينالعابدين (ع) بالنّور الابيض و النّور الأصفر و الأبيض هو العقل و الأصفر هو الرّوح و المراد بالعقل عقل محمّد (ص) و الرّوح روحه لانّ العرش قلبه و القلب فيه العقل و الرّوح من جانب الطور الأيمن و فيه النّفس و الطّبيعة من الجانب الأيسر و لهذا لميوجد هذا الملك العالي عند احدٍ من النّاس ( الخلق خل ) الّا محمّد و آله (ص) لانّه عقله و عقلهم ينتقل من واحدٍ الي واحدٍ و في الحديث منذ انزل اللّه ذلك الرّوح علي محمّد (ص) ماصَعِدَ الي السماۤء و انّه لفينا ، اقول انّما كان ذلك لانّه عقله فهو مخصوص بهم و انّما يكون عند الأنبياۤء عليهم السلام منه وجهٌ من وجوهه لكلّ نبيّ وجه و يكون عند كلّ مؤمن اشراق من اشعّة تلك الوجوه و معني انّ اللّه ايّدهم بروحه الّذي هو عقلهم ان اللّه سبحانه اكمله فيهم و هو في حدّ ذاته نور لايُظْلم و ذكر لاينسي و لايغفل و علم لايجهل و يقين لايشكّ و معرفة لاينكر و هدَاية لايضلّ و ما اشبه ذلك و معني انّه ليس كلما طُلِبَ وُجِد لانّ العقل اذا اقبل لايحتاج الي طلبه اذ لايطلب الّا لاقباله و اذا ادبَر لايمكن طلبه اذ ليس في مشاعر العبد بعد الوجود اقوي منه فيطلب به و لانّه فانٍ في الوجود فاذا صرفه الوجود المعبّر عنه بالفؤاد لايقبل و اذا اقبل به فهو شاهد لايطلب و هذا الرّوح له اطلاقانِ احدهما الرّوح الذي هو من امر اللّه و هو ملكان عن يمين العرش و ثانيهما الرّوح الّذي علي ملاۤئكة الحجب اي الموكّل علي ملاۤئكة الحجب و هو ملكان عن يسار العرش و هذه الأربعة هم العالون الذين اشار سبحانه و تعالي اليهم بتأويل قوله تعالي لأبليس استكبرتَ ام كنتَ من العالين لأنّهم لميسجدوا لٰادم بل انّما امر اللّه السجود ( الملاۤئكة بالسجود خل ) لاۤدم كرامة لهؤلاۤء الأربعة لانّ اللّه انزل انوارهم في آدم و هم انوار محمّد (ص) و هم حملة العرش و العرش ذواتهم او ما جعل اللّه عندهم من خزاۤئن الأشياۤء و الملاۤئكة الّذين هم جبرئل و ميكاۤئيل و اسرافيل و عزراۤئيل يستمدّون من اُولۤئك الأربعة العالين امدادات مراتب الوجود الأربعة الخلق و الرزق و الحيوة و الممات و هؤلاۤءِ الأربعة العالُون هم الحجب و هم الأنوار الأربعة الّتي خُلقَ منها العرش روي عليّ بن ابراهيم في تفسيره بسنده عن ابيالطّفيل عن ابيجعفر (ع) قال جاۤء رجل الي ابي عليّ بن الحسين (ع) فقال له انّ ابنعبّاس يزعم انه يعلم كل آية نزلت في القرءان و في ايّ يوم نزلَتْ و فيمَن نزلَتْ فقال ابي (ع) سله فيمن نزلَتْ ( فقال خ ) و مَن كان في هذه اعمي فهو في الٰاخرة اعمي و اضلّ سبيلاً و فيمَنْ نزلَتْ و لاينفعكم نصحي ان اردتُ ان انْصَحَ لكم ان كانَ اللّهُ يُريدُ ان يغويَكم و فيمَن نزلَتْ يا ايّها الّذين آمنوا اصبروا و صابروا و رابطوا فاتاه الرجل فسأله فقال وَدَدتُ ان الذي امرك بهذا واجهني به فاسأله عن العرش ممّ خلقه اللّه و كم هو و كيف هو فانصرف الرجل الي ابي (ع) فقال (ع) هل اجابك بالايٰات قال لا قال ابي (ع) لكن اجيبك بعلمٍ و نورٍ غير المدّعي و لا المنتحل اما قوله و من كان في هذه اعمي فهو في الٰاخرة اعمي و اضلّ سبيلاً ففيه نزل و في بنيه و اما قوله و لاينفعكم نصحي ان اردتُ ان انصح لكم ففي ابيه نزلت و امّا الأخري ففي بنيه نزلت و فينا و لميكن الرّباط الذي امرنا به و سيكون ذلك مَن يسألنا المرابط و مَن نسأله المرابط و امّا ما سأل عنه من العرش فانّ اللّه عزّ و جل خلقه ارباعاً لميخلق قبله الّا ثلاثة اشياۤء الهواۤء و القلم و النّور ثم خلقه من انوار مختلفة فمن ذلك النّور نور اخضر اخضرّت منه الخضرة و نور اصفر اصفرّت منه الصّفرة و نور احمر احمرّت منه الحمرة و نور ابيض و هو نور الأنوار و منه ضوء النّهار ثم جعله سبعينالف طبق غِلْظ كلّ طبق كأول العرش الي اسفل السّافلين ليس من ذلك طبق الا يسبّح بحمد ربّه ( بحمده خل ) و يقدّسه باصواتٍ مختلفةٍ و السنةٍ غير مشتبهة و لو اُذِن للسان منها فاسمع شيئاً مما تحته لهدم الجبال و المداۤين و الحصون و لخسف البحار و لاهلك ما دونه له ثمانية اركان علي كلّ ركن منها من الملاۤئكة ما لايحصي عددهم الّا اللّه عزّ و جلّ يسبّحون الليل و النّهار لايفترون و لو حسّ شيء مما فوقه ماقام لذلك طرفةَ عينٍ بينه و بين الأحساس الجبروت و الكبرياۤء و العظمة و القدس و الرّحمة و العلم و ليس وراۤء هذا مقال ثم قال (ع) لقد طمع الحاۤئر في غير مطمعٍ اَمَا انّ في صلبه وديعة قد ذُرِئتْ لنار جهنم فيخرجون اقواماً من دين اللّه و ستصبغ الأرض بدماۤء افراخٍ من افراخ آلمحمّد صلي اللّه عليه و آله تنهض تلك الافراخ في غير وقتٍ و تطلب غير مُدْرَك و يرابط الذين آمنوا و يصبرون و يصابرون حتّي يحكم اللّه بيننا و هو خير الحاكمين ه ، فذكر في هذا الحديث الشريف العالين الأربعة و انّهم انوار اربعة فالنّور الأبيض و النّور الأصفر هما الرّوح من امر اللّه و هما عن يمين العرش و النّور الأخضر و النّور الأحمر هما الرّوح الذي علي ملاۤئكة الحجب اي الموكلان بالكروبيّين و هما عن يسار العرش فالعرش مركّب من هذه الأنوار الأربعة و هو هنا عبارة عنهم لانّ له اطلاقات مختلفة عند اهل الشرع عليهم السلام فيطلق علي الملك و علي الدين و علي قلب العبد المؤمن و علي العلم الباطن و علي عالم الأمر و علي كلّ الوجود و علي محدّد الجهات و سأل حنّان بن سدير اباعبداللّه عليه السلام عن العرش و الكرسي فقال انّ للعرش صفاتٍ كثيرةً مختلفة له في كلّ سبب وضع في القرءان و صفة علي حدة فقوله ربّ العرش العظيم يقول ربّ الملك العظيم و قوله الرحمن علي العرش استوي يقول علي الملك احتوي و هذا ملك الكيفوفيّة في الأشياۤء ثم العرش في الوصل منفرد عن الكرسي لانهما بابانِ من اكبر ابواب الغيوب و هما جميعاً غيبان و هما في الغيب مقرونان لانّ الكرسي هو الباب الظاهر من الغيب الذي منه مطلع البدع و منه الأشياۤء كلها و العرش هو الباب الباطن الذي يوجد فيه علم الكيف و الكون و القدر و الحدّ و الأين و المشيّة و صفة الأرادة و علم الألفاظ و الحركات و الترك و علم العود و البدء فهما في العلم بابانِ مقرونان لانّ ملك العرش سوي ملك الكرسي و علم ( علمه ظ ) اغيب من علم الكرسي و لذلك ( ذلك خل ) قال ربّ العرش العظيم اي صفة ( صفته خل ) اعظم من صفة الكرسي و هما في ذلك مقرونان قال جعلتُ فداۤءك فلم صار في الفضل جار الكرسي قال انّه صار جاره لأنّ علم الكيفوفيّة فيه و فيه الظاهر من ابواب البداء و اينيّتها و حدّ رتقها فهما جاران احدهما حمل صاحبه في الظّرف و تمثل صرف العلماء و استدلّوا صدق دعواهم لانّه يختص برحمته مَن يشاۤء و هو القويّ العزيز فمن اختلاف صفات العرش انّه قال تبارك و تعالي ربّ العرش ربّ الوحدانيّة عمّا يصفون الحديث ، فتدبّر هذين الحديثين و ما اشير فيهما اليه و ذلك بيان الرّوح و اسماۤئها و مراتبها و صفاتها حيث عبّر عنها بالألسنة المختلفة .
قال عليه السلام : و رضيَكم خلفاۤء في ارضه و حججاً علي بريّته
قال الشارح (ره) و رضيكم خلفاۤء في ارضه كما قال اللّه تعالي وعد اللّه الذين آمنوا و عملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم و ليمكننّ لهم دينهم الذي ارتضي لهم و ليبدّلنّهم من بعد خوفهم امناً يعبدونني لايشركون بي شيئاً و روي متواتراً انّها وردت فيهم و كمال الأستخلاف في زمان المهديّ (ع) فانّه الزّمان الذي تجتمع فيه الخلاۤئق علي الأيمان و يرتفع الشرك بالكلّيّة كما رواه العاۤمّة ايضاً متواتراً و روي الخاۤصّة متواتراً انّهم خلفاۤء اللّه في ارضه و لايكون زمان خالياً من الخليفة كما يظهر من قوله تعالي اني جاعل في الأرض خليفة و يظهر ايضاً من قوله تعالي انّما انت منذر و لكل قومٍ هادٍ و روي في الأخبار المتواترة انّ المراد به الأمام و انّه لو لميبق الّا اثنان لكان احدهما الأمام (ع) ه .
اقول انّه سبحانه رضيهم اي جَعْلُه ايّاهم خلفاۤء في ارضه مصاحب لرضاه بان رضي بان يكونوا ( بجعلهم خل ) خلفاۤء او رضي بخلافتهم او رضيهم للخلافة او ظهر رضاه بخلافتهم او بجعلهم خلفاۤء و انّ خلافتهم هي رضاه او انها مظهرة لرضاه او ركن رضاه او سبب لرضاه و الرضا ضدّ السّخط و السّخط هو الغضب و اذا نسب الي اللّه اريد به فعل العقاب بالمسخوط عليه و المغضوب ( عليه خ ) و كذلك الرضا و يكون هنا وجهاً من معاني هذا الكلام لانّ رضا اللّه ثوابه فرضيهم اللّه خلفاۤء اثابهم بالخلافة او بالمدد و التّأييد للخلافة او جعل خلافتهم ثواب الطّائعين و هو اعظم مراتب الأثابة امّا بقبولها او بجعلهم ملوكاً بسبب القيام بمقتضاها و الأنقياد لأربابها و ( او خل ) انّها سبب للأثابة بنعيم الجنان و قد يكون الرضا بمعني الأقرار في الشيء كما قالوا (ع) لشيعتهم في حقّ مخالفيهم ارضوا ما رضي اللّهُ لهم من ضلالٍ اي اقرّوهم علي ما اقرّهم اللّه عليه و قد يكون بمعني الأذن في التصرّف كما يقال رضي المالك بان يبيع وكيله المتاع فعلي معني الاقرار في الشيء يمكن ان يتكلّف لجريانه هنا و المراد بالتكلّف بعده عن مراد الظّاهر و الّا ففي الحقيقة لا ريب في ارادته لمن عرف المراد من مقاصد اهل العصمة (ع) و علي معني الأذن ظاهر لانّه قد اشهدهم خلقَ الأشياۤء و انهي علمهم اليهم و جعلهم اولياۤءَ علي ساۤئر خليقته و هو تأويل قوله تعالي في حق نبيّه (ص) ما اوحي الي سليمان بن داود (ع) هذا عطاۤؤنا فامنن او امسك بغير حساب و هذا ملحوظ فيه قوله تعالي لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و اذا اريد بالرضا الأختيار فهو اظهر و يرجع الأختيار الي ذواتهم اي انّه تعالي اختارهم من ساۤئر خلقه لخلافته في ساۤئر خلقه او الي خلافتهم اي انّه اختار لهم خلافته الحقّ الّتي لا خلافة مثلها لانّه اقامهم في ساۤئر عالمه مقامه و صاحب هذه الخلافة ينقاد له كل شيء من المعاني و الأعيان و الذّوات و الصّفات و السّكون و الحركات و الأفعال و الأعمال و الأحوال و الٰاجال و الكتب و الرّخص و غيرها لأنّ هذه الخلافة هي ولاية اللّهِ الحقّ لأنّ غير هذه الخلافة و ان كانتْ حقّاً ليستْ كليّةً شاملةً و لا خالصةً من جميع الهفوات و القصورات و التقصيرات بل امّا خلافة جورٍ او مشوبة بحقّ و باطل او ناقصة او ظاهرةً في البعضِ او باطنةً في البعض و لاينطق علي قوله تعالي هنالك الولاية للّه الحقّ الّا الخلافة التي رضيها لهم (ع) و قوله (ع) في ارضه التفاتٌ الي قوله تعالي و اذ قال ربك للملاۤئكة اني جاعل في الارض خليفة امّا ذكر الأرض في الآية فهو ظاهر لأنّ الأرض لما كان ابليس حاكماً علي طواۤئف الجن ثم ( لمّا خ ) طغوا و خالفوا اوامر اللّه و ارسل عليهم جنوداً من الملاۤئكة و قتلوهم و اسروا ابليس و صعِدوا به الي السماء اراد اللّه ان يعمر ارضه بقاۤئمٍ بالحقّ بعد ما افسد فيها الجن و الشيطان فالتفتَ (ع) الي انّ خلافتهم و ان كانت عاۤمّة لأهل الأرض و اهل السماۤء و مَن في الغيب و الشهادة و اهل الدّنيا و الٰاخرة لُوحِظ فيها مقابلة خلافة اهل الجور و الطّغيان من الشّيطان شيطان هذه الأمّة و جنوده ذرّيّة الجنّ من اهل الزّيغ و العدوان و كانت في الأرض فرضيهم اللّه تعالي خلفاء في ارضه ليقيموا العدل فيها و يملئوها قِسْطاً كما ملأها شياطين الأنس و الجنّ ظلماً و جوراً و الّا فخلافتهم عاۤمّة لكلّ شيء كما اشار اليه اميرالمؤمنين (ع) في وصف النبيّ (ص) في استخلاف اللّه له قال (ع) اقامه في ساۤئر عالمه يعني في جميع خلقه و المراد بجعلهم خلفاۤء للّه في ارضه انّ اللّه تعالي يجري علي ايديهم افاعيله و اوامره و نواهيه في ساۤئر خلقه بواسطة ما سخّر لهم من ملاۤئكته و جنّه و انسِهِ و ساۤئر ما صنع لهم و يجوز ان يكون الأستخلاف في العلم و هو قول الباقر (ع) في تفسير قوله تعالي وَعَدَ اللّهُ الذين اۤمنوا و عملوا الصّالحات ليستخلفنهم في الأرض الآية ، الي ان قال (ع) فقد وكلّ ولاة الأمر بعد محمّد صلّي اللّه عليه و آله بالعلم و نحن هم فاسئلونا فان صدقناكم فأقرّوا و ما انتم بفاعلين او يكون هو مطلق التمكين في الأرض لأقامة دين اللّه فيصدق في هذا الزمان اذ ليس هدي و لا دين الّا بهم او خصوص التمكين في رجعتهم خاۤصّة لا التمكين العاۤمّ و المطلق لانّ ذلك لاتعرفه عوامّ الناس و انما يعرفونه بالملك و التسلّط الظّاهري و ذلك لايكون الا عند قيام قاۤئمهم عجّل اللّه فرجه او في رجعتهم الي الدنيا و قد يفهم من قوله في ارضه ارادة التّوقيت بالزمان لذكر الأرض و ليس المراد ( به خ ) حصر الأستخلاف و لكن لمّا كان فائدة ذلك انّما هو للمكلفين و اجراۤء احكام التكليف ظاهراً انّما هو في الدّنيا او ما هو من دار التكليف كاحوال الرّجعة لانّه في مقابلة استخلاف ائمّة الجور و لهذا ورَدَ بلفظ وعَدَ و الا لماحسن وعد لأنّ اللّه سبحانه قد جعلهم خلفاۤء بالمعني الاوّل بل كان لهم ذلك قبل كلّ الخلق كما قال (ع) الحجّة قبل الخلق و مع الخلق و بعد الخلق ،
و قوله عليه السّلام و حججاً علي بريّته
قد تقدّم الكلام في الحجج و البريّة قيل الخليقة مشتقّة من برأ بالهمزة قيل بمعني خَلَقَ و قيل في قوله تعالي هو اللّه الخالق البارئ المصوّر الخالق المقدِّر لما يوجده و البارئ المميّز بعضهم عن بعضٍ بالأَشكال المختلفة و المصوّر المُمَثِّل و قال في مجمع البحرين قال بعض الأعلام قد يظنّ انّ الخالق و البارئ و المصوّر الفاظ مترادفة و انّ الكلّ يرجع الي الخلق و الأختراع و ليس كذلك بل كلّما يخرج من العدم الي الوجود مفتقر الي تقديره اوّلا و ايجاده علي وفق التقدير ثانياً و الي تصويرٍ بعد الأيجاد ثالثاً فاللّه تعالي خالقٌ من حيث هو مقدِّر و بارئ من حيث هو مختَرِع و موجِد و مصوِّر من حيث انه مرتّب صور المخترعات احسن ترتيب ،
اقول ليس واحد من هذه الأقوال بشيء فعلي الأوّل البريّة الخليقة و علي الثاني البريّة هي المميّزة بعضها عن بعضٍ بالأَشْكالِ المختلفة و علي الثالث الموجودة علي وفق التقدير هذا علي تقدير انّها من برأ و الحقّ في الاسماۤء الثلاثة انّ الخالق هو الموجِد للكون و البارئ هو الموجِد للعين و المصوّر هو الموجِد للتقدير فتكون البريّة هي ( هو خل ) المكوّنة المعيّنة قبل ان تلحق افرادها السّعادة او الشّقاوة يعني مع قطع النظر عن السّعادة و الشّقاوة و قيل من البراۤءِ بالمدِّ و القصرِ و هو التّراب و المعني المخلوقة من التّراب فعلي انّها من برأ يكون المراد بها كل ما دخل تحت الأرادة و علي انّها من البراۤء اي التراب فان اريد به علي الظاهر اختصّت بما كوّن من العناصر فتخرج الملاۤئكة و قد تدخل الملاۤئكة العنصريّون علي قولِ من يجعل الملاۤئكة قويً جسمانيّة و علي قولِ من يجعلهم ارواحاً مجرَّدِين عن الماۤدّة العنصريّة و المدّة الزّمانيّة الّا انّهم اجسام كما هو الحقّ فيخرجون علي الظاهر و يدخلون علي الباطن بمعني انّها التّراب ينتهي الي الصّور العلميّة كما اشار اليه تعالي بقوله افلايرون انّا نأتي الارض ننقصها من اطرافها اي بموت العلماۤء كما روي عنهم (ع) و علي قولِ مَن يجعلهم مجرّدين عن مطلق الماۤدّة يخرجون مطلقاً و امّا الملاۤئكة العقليّون فيخرجون مطلقاً و الحقّ اخذها من بَرَأ فيدخل فيها كلّ من كان تحت الأرادة فتدخل الملائكة العقليّة فيكون المعني انّهم حجج اللّه علي جميع خلقه و قرأ نافع و ابنذكوان البرئة بالهمزة علي الأصل لأنّها من المهموز و قرأ الأكثر بالتّخفيف للتخفيف و الظاهر انّ قراءة الهمزة من برأ لا مِنَ البراۤء و قراءة التخفيف تحتمل الوجهين و معني انّه رضيَهم حججاً علي بريّته كما تقدّم في بيان و حجج اللّه علي اهل الدنيا و خصّكم ببرهانه فلا فائدة في اعادته ( لأعادته خل ) .
قال عليه السّلام : و انصاراً لدينه و حفظةً لسِرِّه
الأنصار جمع ناصرٍ و هو الذّابُّ فانّهم عليهم السلام يذبُّون عن دينه كلّ مخالفٍ له بان يبطلوا حُجّته بالبرهانِ الحقِّ كما قال الصّادق (ع) فانّ فينا اهل البيت في كلّ خلفٍ عُدُولاً ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين ، و عنه (ع) قال قال رسول اللّه (ص) يحمل هذا الدّين في كلّ قرنٍ عُدُولٌ ينفون عنه تأويل المبطلين و تحريف الغالين و انتحال الجاهلين كما ينفي الكبريت خبثَ الحديد ،
اقول قوله (ع) فانّ فينا اهل البيت في كلّ خَلَفٍ عُدُولاً الخ ، يحتمل ان يريد بالعُدُولِ انفسهم (ع) و هذا علي الحقيقة و الأصل و يحتمل ان يريد بالعُدُول ( علماء خ ) شيعتهم الذين يقتفون آثارهم و يعرفون احكامهم الممتحنون المحتملون لعلومهم و هو مَن عَنَاهم علي بن الحسين عليهما السلام في تقسيم العلماء الي ان قال و لكنّ الرّجل كلّ الرّجل نعم الرجل هو الذي جعل هويٰه تبعاً لأمرِ اللّهِ و قوَاه مبذولة في رضا اللّه يري الذّل مع الحقّ اقرب الي عزّ الأبد من العزّ في الباطل و يعلم انّ قليل ما يحتمله من ضرّاۤئِها يؤدّيه الي دوام النعيم في دار لاتبيد و لاتنفَد و انّ كثيرَ ما يلحقه من ضرّاۤئِها ان اتّبع هويٰه يؤدّيه الي عذاب لا انقطاع له و لايزول فذلكم الرّجل نعم الرّجل فبه فتمسّكوا و بسنّته فاقتدوا و الي ربّكم به فتوسّلوا فانّه لاتُردّ له دعوة و لاتخيّب له طلبة و كذلك قول الصّادق (ع) فاما من كان من الفقهاۤء صاۤئناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً هواه مطيعاً لأمر مولاه فللعواۤمِّ ان يقلّدوه و ذلك لايكون الا في بعض فقهاۤء الشيعة لا جميعهم الحديث ، و من شيعتهم الأنبياۤء و المرسلون و اوصياۤؤهم كما قال الباقر (ع) في قوله تعالي و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قريً ظاهرة و قدّرنا فيها السّير الٰاية ، قال فنحن القري الّتي بارك اللّه فيها و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ فيمن اقرّ بفضلنا حيث امرهم ان يأتونا فقال و جعلنا بينهم و بين القري الّتي باركنا فيها اي و جعلنا بينهم و بين شيعتهم القري الّتي باركنا فيها قريً ظاهرة الرسل و النقلة عنّا الي شيعتنا و فقهاۤء شيعتنا فعلي الأوّل هم الأنصار لدينه الّذين ينفون عنه كلّ ما ليس منه و يتمّون منه ما نقص منه و علي الثاني فكذلك لأنّهم انما نصروا دينَ اللّه بتسديد ائمّتهم و تعليمهم و امدادهم لهم باحاديثهم و تنويرهم لقلوبهم و تعريفهم كيف يعلمون و يعملون و يعلِّمون عواۤمَّهم بل لميصدر عنهم شيء من الحقّ في انفسِهم و لرعاياهم الّا منهم و عنهم (ع) بل لميوجد شيء من الحقّ عند احدٍ من الخلق الّا منهم ، و عن محمد بن مسلم عن ابيجعفر (ع) اما انّه ليس عند احدٍ من الناس حقّ و لا صوابٌ الّا شيء اخذوه منّا اهل البيت و لا احد من النّاس يقضي بحقٍّ و عدلٍ و صوابٍ الّا و مفتاح ذلك القضاۤء و بابه و اوّله و سببه علي بن ابيطالب (ع) فاذا اشتبهتْ عليه الامور كان الخطأ من قِبَلِهم اذا اخطأوا و الصّواب من قبل علي بن ابيطالب (ع) و النّصرة منهم (ع) لدينه عاۤمّة و في كلّ مرتبة من مراتب الدّين من التّوحيد فما دونه الي ارش الخدش فما فوقه بل كل جزء هم القُوَّام به و لاحِظ ماتقدم فان فيه شرح ما تريد شرحه بقي هنا نكتةٌ و هي انّ عليّ بن الحسين (ع) قال في دعاۤءِ شهر رمضان و اجعلني ممّن تنتصر به لدينك و لاتستبدل بي غيري فاقول اذا كانَ القاۤئل به مثله (ع) هو و اۤباؤه و ابناۤؤه الطّاهرون كانت النّصرة علي الحقيقة علي نحو ما اشرنا اليه بالأصالة و اذا كانَ القاۤئل غيره من شيعتهم من الأنبياۤء مثلاً فهو حكم عاۤمّ اضافيّ علي الحقيقة بعد الحقيقة و اذا كان ( شيعتهم خ ) من غير اهل العصمة فهو خاۤصّ علي محض التّبعيّة و هذا في الجملة ظاهر و صعوبة الأمر فيه في التفصيل لكن الشيخ الأمين الشيخ ياسين بن صلاح ( الدين خ ) البحراني تغمّده اللّه برحمته روي في كشكوله قال كتب رجل الي ابيعبداللّه (ع) يسأله ان يدعوَ اللّه له ان يجعله ممّن ينتصر به لدينه فاجاب (ع) رحمكَ اللّهُ انّما ينتصر اللّه لدينه بشرّ خلقه ، اقول لعلّ الساۤئل طلبَ في نفسِهِ اعلي النّصرة لدين اللّه التي لاتكون لغير محمّد و اهل بيته (ص) و علم الامام (ع) ذلك منه فاجابه بان طلب ذلك المقام العالي لايكون الا من اهله بالحقّ او من مدّعي مقامهم و لايكون الّا شرّ خلقِ اللّهِ كما قال تعالي في شأن بختنصّر حيث انتقم به من اهل حضور او حاضور اسم قرية من اليمن حين قتلوا نبيّهم حنظلة بن صفوان و نقل انّهم طبخوه و اكلوه فسلّطه اللّهُ عليهم حتّي قتلهم و لميبق منهم احداً حتّي الحيوانات و هو قوله تعالي فلمّا احسّوا بأسنا اذا هم منها يركضون ، و عن ابنعبّاسٍ نادي مناد من السماۤء يا لثارات الأنبياۤء و قيل هو يهتف بثار حنظلة فسمّاه اللّه بأساً لَه و هذا كافر شقي انتصر اللّه به لدينه و ان كانَ متعدّياً مدعياً فلو ان السائل طلب ان ينصر اللّه دينه به ( به دينه خل ) تبعاً لهم (ع) لأجابَه الي سؤاله و لذا ورد النهي عن سؤال مقامات الأنبياۤء و الأئمّة (ع) لساۤئر النّاس فنصرة الحقّ بالحقّ علي كمال ما يريد اللّه لاتكون الّا من محمّد و آله (ص) دون غيرهم من جميع خلقه فقوله و رضيَكم انصاراً لدينه يريد به اعلي مراتب النّصرة علي ما اشرنا اليه و قوله عليه السلام و حفظةً لسرّه تقدّم بيانه في قوله عليه السلام و حفظة سرّ اللّه .
قال عليه السّلام : و خزنةً لعلمه و مستودعاً لحكمته
اقول قد تقدّم معني كونهم خزنةً لعلمه في قوله (ع) و خزّان العلم و انّ العلم نفس المعلوم فهم يرون كلّ شيء في مكان وجوده و زمان شهوده و ذلك لأنّ الشيء قاۤئم بامر اللّه و لايقوم شيء بدون امر اللّه و هو قوله تعالي يذرؤكم فيه و هم ذلك الأمر الذي قامتِ الأشياءُ بنوره و كلّ شيء من خلق اللّه هو العلم به فهم خزّان العلم و ذكر هنا انه ارتضاهم خزنةً لعلمه و المراد بهذا العلم العلم الحادث الّذي هو ذواتها لأنّ العلم الأزليّ هو ذات الواجب جلّ و علا و لايكون له خازن غيره و لايحيطون بشيء من علمه و لمّا كانَ العلم نفس المعلوم لزم من قولنا انهم خزنة ( العلم انهم خزانة خ ) الأشياء من ذواتها و صفاتِها و احكامِها و مصادِرِها و مواردها و علّلنا ذلك بانّها قاۤئمة بامر اللّه و انّهم امر اللّه و قلنا انّها ذرِئتْ فيه اي في نوره لا في ذاته و مرادنا انّ ( انها بكل خل ) ما لها و عليها قاۤئمة بنورهم و معني هذا القيام هو تأويل قوله تعالي قل مَن بيده ملكوت كلّ شيء و هو يجير و لايجار عليه ان كنتم تعلمون فملكوت الأشياۤء و ازمّتُها نورهم فقد خزنوا كلّ شيء شاۤءه اللّه مشيّة كونٍ في ملكوته باللّه و بامره قد رضيَهم لذلك فكانوا كما رضيَ و احبَّ فقولنا تأويل قوله تعالي قل من بيده ملكوت كلّ شيء نريد به انّهم يد اللّه كما قالوا (ع) و ملكوت كلّ شيء غيبه و علّته و زمامه الّذي به قام و لذا قلنا انّ الشيء مخزون في ملكوته و لايَتَصرّف في الشيء الّا من بيده ملكوته و بيانه انّ التّصرّف الّذي لا مانع له هو المرادُ لا مطلق التّصرّف فان نور السراج تقدر ان تتصرّف فيه في الجملة و ان لمتملك ملكوته بأنْ تقرأ عليه و تضع مرءٰاة تعكس بعضه الي غير جهة المقابلة و تحجبه و لكن مَن كان بيده السّراج بنفسِهِ هو الذي يتصرّف بلا مانع لأنّك اذا اردت ان تقرأ مثلاً و هو لميرد ذلك نقل السّراج عنك و لمتقدر ان تمسك شيئاً من النّور اذ ليس في يدك ملكوته فافهم و الي هذا المعني اشار تعالي بقوله الحقّ قل مَنْ يكلؤكم باللّيل و النّهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربّهم معرضون ام لهم آلهة تمنعهم من دوننا لايستطيعون نصر انفسهم و لا هم منّا يصحبون و بيان الأستشهاد من الٰايتين في رتبة المعاني و هي الثانية لهم و بيان المراد في رتبة البيان و هي الاولي لهم و قد تقدّم كثير من هذا .
و قوله : و مستودعاً لحكمته
الأستيداع الأستيمان بان تضع ملكَكَ عند من تثق به و الحكمة العلم او العلم مع العمل به او تعديل القوة الملكيّة بالتوسّط بين الأفراط المسمّي بالجربزة و بين التفريط المسمّي بالبَلَهِ و تعديلها هو الحكمة و هي العقل المكمّل كما قال في حقّ العقل و لااكملتك الّا فيمن اُحِبّ او هي المعرفة الّتي تقابل بالأنكار لا بالجهل و الشّكّ او هي ضياۤء المعرفة في الفؤاد او هي نور الفؤاد او هي نور اللّه المعبّر عنه بالتّوسّم و الفراسة و بالجملة فمعني انّ اللّه سبحانه رضيهم مستودعاً لحكمته اختارهم اختيار محبّةٍ و رضيً مستودعاً لحكمته يعني انّه يثق بهم في حفظ الحكمة و وَضعَها موضِعها بان يبذلوها لمن يحفظها و يمنعوها مَن لميحفظها او هم الحكمة و استودعهم انفسهم و انّهم يؤدّونها الي المستحقين ليعملوا بها او يبلغونها اهلها ليعملوا عنها فحفظوا الحكمة علي سبيل ارادة المستودِع سبحانه و تعالي و وضعوها فعرفوا بالتّوسّم مَن يحفظها فبذلوها له مسدِّدِين له علي حسب ما كتبَ له من الحظّ فيها و انكروا مَن لميعرفها فيمنعونه منها و حفظوا انفسهم عليه و علي خدمتِهِ كما استودعهم في قوله تعالي خلقتُك لأجلي و خلقتُ الأشياۤءَ لأجلك و اذا ادّوها الي المستحقين اعانوهم علي العمل بمقتضاها و علي التبليغ و الأداۤء و امثال ذلك و كلّ ذلك و امثاله من ذلك الأستيداع و انّما عُبِّر عن افاضتها عليهم بالأستيداع لأنّ ما اعطاه و افاضه من خزاۤئنه علي احدٍ من خلقه لميخرج عن قبض يده بل هو المالِكُ لما ملّكهم و القادر علي ما اقدرهم عليه فكلّ ما جعله عند احدٍ من خلقه فهو عارية و وديعة مهما شاۤء ان يستردَّه استردّه لأنّه مالكُهُ و مالك التّصرّف فيه ملكاً غير موقّتٍ و لا مشروط بغير ارادته جلّ و علا .
قال عليه السّلام : و تراجمةً لوحيه و اركاناً لتوحيده
قال الشارح (ره) و تراجمةً اي مبيناً لوحيه القرءان او الأعم و اركاناً لتوحيده اي رضيهم اللّه بان يكونوا اركاناً للأرض لأن يوحِّدَه الخلق كما يظهر من الأخبار المتكثرة و تقدّم بعضُها او هم المبيّنُون لتوحيد اللّه تبارك و تعالي فكأنّهم اركانه ه .
اقول التّراجمة جمع تَرجُمان بفتح التّاۤءِ و ضمّ الجيم و هو الأفصح و فيه لغةٌ بضمهما معاً و فيه لغةٌ بفتحهما معاً و هو المفسِّر للّسان ( لللّسان ظ ) و المبيّن له بلغةٍ غيرِ لغةِ المتكلّم و في الحديث الأمام يترجم عن اللّه عزّ و جلّ يعني بقوله عند الأنصراف من الصّلوة السّلام عليكم يعني يقول لمن يصلون معه امان لكم من عذاب اللّه يوم القيمة كما رويَ عنهم (ع) و الوحي في الأصل الكلام الخفيّ الّذي يدرك بسرعة و في تفسير القمّي قال وحي مشافهةٍ و وحي الهامٍ و هو الذي يقع في القلب و يستعمل الوحي بمعني الأشارة و اوحي اليهم ان سبّحوا بكرةً و عشيّاً و قيل في هذه الٰاية بمعني اومأ و قيل كتب لهم في الأرض و يستعمل بمعني زخرف كما قال تعالي يوحي بعضهم الي بعض زخرف القول غروراً و بمعني وسوس قال تعالي و انّ الشياطين ليوحون الي اولياۤئهم ليجادلوكم يعني اولياۤئهم من الأنس و الشياطين و عن ابيجعفر (ع) انّه قال انّ الشياطين يلقي بعضهم بعضاً فيُلقِي اليه ما يغوي به الخلق حتّي يتعلّم بعضهم من بعض ه ، فاوّل وحيٍ للّه سبحانه فِعْله اوحاه الي نفسه و ترجم عن نفسه ما اظهر فيه من آثار الربوبيّة اذْلامربوب الّتي هي حقاۤئق الربوبيّة اذمربوب مبلّغاً مؤدّياً الي حقيقتهم (ع) التي هي محلّ مشية اللّه فتترجم تلك الحقيقة لنفسها المعبّر عنه بالقبول و للقلم و هو الوحي الثّاني فتؤدّيه الي القلم و هو الوحي الثّالث فيترجم القلم لنفسِهِ و هو قبوله و لللّوح و يؤديه ( يؤدّي خل ) الي اللوح و هو الوحي الثالث فيترجم اللّوح لنفسه و هو قبوله و للملاۤئكة و تؤدّيه الي الأنبياۤء (ع) و هو الوحي الرّابع و هم يترجمونه لأنفسهم و هو تحمّلهم له و لأمَمِهم و في كلّ رتبة يترجم الواسطة كلام الأعلي لنفسِهِ بنور اللّه و للأدني بلسانه ليفهم خطاب اللّه له و ما يريد منه و انما ذكرتُ هذه الأشياۤء للتّمثيل لا للحصر فيها بل ورد انّ اللّه سبحانه خلقَ الفَالفِ عالَمٍ و الفَالفِ آدم و هي من سلسلة ( متسلسلة خل ) مترتّبةٍ بترتيبٍ طبيعيٍّ متناسق يجري فيها الأمر و الحكم يتنزّل الأمر فيها و بينها في كلّ عالَمٍ و كلّ جزئيٍّ علي نحو ما مثّلنا به هذا مثال التكوين التشريعي و امّا التكوين الوجوديّ فكذلك و لكن تمثيله في الجملة هكذا من الفعل الي الحقيقة و منها الي العقل و منه الي الرّوح و منه الي النّفس و منه الي الطّبيعة و منها الي الماۤدّة و منها الي المثال و منه الي الجسم و منه الي محدّدِ الجهات و منه الي فلك البروج و منه الي السموات و منها الي العناصر و منها الي المعادن و منها الي النباتات و منها الي الحيوانات و منها الي الملاۤئكة و منهم الي الجاۤنّ و منهم الي الأنسان هذا ترجمة الوحي من جهة المفعولات بقول مطلق يعني المقيّدة و ما هو مقيدٌ باعتبار مطلق باعتبار و امّا ترجمة الوحي من جهة الأفعال فالمشيّة تترجم عن نفسها لنفسها و للأرادة و القدر و القضاۤء و للأسماۤء الثّمانية و العشرين فرفيع الدّرجات يترجم للجامع عن الجامع و هو يترجم للأنسان عن اللّطيف و هو يترجم للجاۤنّ عن القوي و هو يترجم للملاۤئكة عن المذلّ و هو يترجم للحيوانات عن الرّزاق و باعتبارٍ آخر بالعكس فيترجم الرّزّاق للنّبات عن المذلّ و هو يترجم للحيوانات عن القوي و هو يترجم للملاۤئكة عن اللّطيف و هو يترجم للجاۤنّ عن الجامع و هو يترجم للأنسان عن رفيع الدّرجات و العزيز يترجم للجمادات عن المميت و هو يترجم للتّراب عن المحيي و هو يترجم للماۤء عن الحيّ و هو يترجم للهواۤء عن القابض و هو يترجم للنّار عن المبين و هو يترجم لفلك القمر عن المحصي و هو يترجم لفلك عُطارد عن المصوّر و هو يترجم لفلك الزّهرة عن النّور و هو يترجم لفلك الشمس عن القاهر و هو يترجم لفلك المرّيخ عن العليم و هو يترجم لفلك المشتري عن الرّبّ و هو يترجم لفلك زحل عن المقتدر و هو يترجم لفلك المنازل عن غني الدّهر و هو يترجم لفلك البروج عن الشكور و هو يترجم للكرسي عن المحيط و هو يترجم للعرش عن الحكيم و هو يترجم لجسم الكلّ عن الظاهر و هو يترجم لشكل الكلّ عن الٰاخر و هو يترجم لجوهر الهباۤء عن الباطن و هو يترجم لطبيعة الكلّ عن الباعث و هو يترجم لنفس الكلّ عن البديع و هو يترجم لعقل الكلّ عن فعل اللّه و ابداعه و قد تقدّم انّ الوحي قسمان وحي مشافهة و وحي الهام فامّا وحي المشافهة فهو ان يرسل اللّه اليه ملكاً رسولاً فيبلّغه عن اللّه مشافهةً و هو قوله تعالي او يرسل رسولاً يعني ملكاً فيوحي باذنه ما يشاۤء انّه عليّ حكيم او يرسل اليه بشراً رسولاً فيوحي باذنه ما يشاۤء اي يبلّغ ذلك الرسول المرسل الي الرسول الٰاخر باذن اللّه كما قال تعالي اذ جاۤءها المرسلون اِذْ اَرْسلنا اليهم اثنين فكذّبوهما فعزّزنا بثالثٍ فعلي روايةٍ ان هذه الرسل رسل عيسي ارسلهم باذن اللّه و امره و المرويّ ان الثالث شمعون بن حمون الصّفا رأس الحواريّين و الأثنان ذكر السّهيليّ في تفسيره انّ احدهما اسمه صادق و الٰاخر اسمه صدوق و قال الثالث المعزّز به اسمه شلوم و بالجملة هذه الثلاثة رسل اللّه اوحي اليهم بواسطة عيسي (ع) فالوحي اليهم وحي مشافهة و منه ما كلّم اللّه به من وراۤء حجاب كما كلّم موسي (ع) فانّه سمع الصّوت المنبعث من الشجرة فكان مشافهة و ما اشبهه و امّا وحي الألهام فما يرد علي القلب من النّور بحيث يفهم به مراد اللّه و ما يظهر من الأشارات و نطق احوال الأشياۤء من الجمادات و النباتات و الحيوانات و احوال الحركات و الهيئات و الأوضاع و ترتّب الطبيعيّات و غير ذلك كدويّ الرّيح و جريان المياه و تغطمط البحار و هفيف الأشجار و نباتها و اثمارها و تقلّب الطير في الهواۤء و ما تسقط من ورقة و ما تنبت و ما تنمو و تذبل و الأشارات و الأيماءات و التلويحات و ما تبوّءته النّحل من الجبال و الشجر و ما يعرشون و ما اشبه ذلك كلّه من وحي الألهام و هذا في حركاتها و هيئاتها و امّا اصواتها و اصوات الحيوانات و طنينٌ مثل النّحل و الذّباب و منطوق احوال الكلام و نطق السنة الأحوال في الحسّ المشترك فهو علي ما اَلْهَمْناهُ من الوحي الشفاهي و هم صلّي اللّه عليهم مترجمون لذلك لهم و لمن اُمِروا بتبليغهم من وحي او من وراۤء حجاب او بارسالِ رسلٍ بالسنةِ قومِهم او بخطابِ مشافهة ثم انّ كونهم مترجمين انما هو بصنع اللّه و احداثه في قلوبهم و انفسهم ما شاۤءَ ان يصلَ اليهم بما شاۤء من اقلامه الجارية في الواح علومه الّتي يترجم بها سبحانه لمن شاۤء ما شاۤء قال اللّه تعالي هذا كتابنا اي مكتوبنا ينطق عليكم اي بنا بالحقّ يعني بالحق من عندنا انّا كنّا نستنسخ ما كنتم تعملون اللهم صلّ علي محمّد و آلمحمّد كما صلّيتَ علي ابراهيم و آل ابراهيم انّك حميد مجيد و الاركان جمع ركن و هو الجانب الأقوي و المراد بكونهم اركاناً لتوحيد اللّه عن رضيً من اللّه بذلك انّ التّوحيد الّذي هو حقّ معني لا الٰه الّا اللّه لايتحقق الّا بشهود خلوص التفرّد بالألوهيّة و ( و هو خل ) التفرّد بالألوهيّة هو التّوحيد و لايتحقق حقّ التّفرّد الّا بتحققه امّا في عالم البيان فانّ العارف اذا جرّد نفسه غاية التّجريد المعبّر عنه في الحديث بمعرفة النّفس بانّ العارف اذا جرّد نفسه عن كلّ صفةٍ و نسبةٍ و اعتبارٍ حتّي عن الأشارة و عن تجريده بحيث لايجدها عرف نفسه فانّها وصف ( نفسه خ ) الذي ليس كمثله شيء فاذا عرف الوصف عرف ربّه و ذلك المثل الذي ليس كمثله شيء اۤيتهم (ع) كما قال تعالي سنريهم آياتنا في الٰافاق و في انفسهم فتلك الٰايات الّتي هي حقيقة التوحيد في الخلق هي آياتهم و هم ذلك المثل الأعلي الذي ليس كمثله شيء فهم ركن التّوحيد اي الجانب الأقوي منه لأنّه سبحانه تعرّف لكلّ مَن سواهم عنهم (ع) فهم (ع) في ذلك التّعرّف العضد المتقوّم به فلهذا كانوا اركانَ التّوحيد و قد رضيَهم اللّه لذلك و امّا في عالم المعاني فلانّ الصفات العليا اذا اعتبرها العارف بربّه وجدها مع كثرتها بمعني واحد لايكون لغير اللّه سبحانه فانّ السّمع و البصر و القدرة و امثال ذلك ان اردتَ بها الذّاتيّة فليستْ شيئاً غير ذاته لا واقعاً و لا فرضاً و لا اعتباراً كما قال (ع) و كمال التّوحيد نفي الصّفات عنه و ان اردتَ بها الصّفات الحادثة فليس لها معاني الّا حقاۤئقهم لأنّهم معانيه فهم علمه و قدرته و يده و عينه و اذنه و جنبه و لسانه و امره و حكمه و حقّه كما في رواية جابر بن عبداللّه و تقدّمتْ و هم قلبه كما في رواية الحسن بن عبداللّه عن الصّادق (ع) رواها في الأختصاص فاذا كانت هذه المراد بها شيء واحد و هو حقيقتهم كانت وحدة ( واحدة خل ) الصّفات انّما هي بهم بل ليستْ شيئاً غير تلك الحقيقة و هذا توحيد الصّفات و هم ركن هذا التّوحيد و تلك المعاني و ان كانت متكثرة المفاهيم لكنّها في حقيقتها لاتصدق علي متعدّد و انما تغايرت مفاهِيمها لأنّ فهمها باعتبار متعلّقاتها و معني توحيده فيها انه لايشاركه فيها هي و لا غيرها و هو قوله تعالي ليس كمثله شيء و دعوي المشاركة شرك و اليه الأشارة بقوله تعالي و يوم يناديهم فيقول اين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ثم لمتكن فتنتهم الّا ان قالوا واللّهِ ماكنّا مشركين انظر كيف كذبوا علي انفسهم و ضلّ عنهم ما كانوا يفترون فانّهم ادّعوا انّ اللّهَ قد شرك آلهتهم في تلك الحقيقة او انّ آلهتهم شاركتْ تلك الحقيقة في اتّصاف اللّه بها او في وصفِها لِلّهِ او انّ تلك الٰالهة تولّدت من تلك الحقيقة او تولّدت الحقيقة منها و كلّ هذه الوجوه شرك باللّه لأنّ هذه المشاركة و تفرّد تلك الحقيقة للّه هو الجانب الأقوي من التّوحيد و اذا عاتبهم اللّه يوم القيمة اين شركاۤؤكم اي من اتّخذتموهم شركاء لي فيقولون واللّه ربّنا ماكنّا مشركين بك فقال تعالي يا محمد انظر كيف كذبوا علي انفسهم و انّما خصّه (ص) بالخطاب ليذكّره خلافهم له و ردّ وصيّته لهم يوم الغدير و غيره ليدّعي عليهم بهذا الشرك و يطلب من اللّه تعالي الشهادة عليهم فانّه (ص) قال اللّهم انت الشاهد عليهم اني قد بلّغتهم و اعلمتهم انّ الغاية و المفزع عليّ بن ابيطالب عليهما السّلام ( عليه السلام خل ) و لمّا كانوا لميتّخذوا صنماً علي ما تعرفه العواۤمّ و انّ من اطاعوهم و جعلوهم اولياۤء من دون ولي اللّه لمتعرف العواۤمّ انّهم اصنام و انّهم عبدوهم مع اللّه حيث جعلوا عليّاً رابع الخلفاء ( و خ ) اظهروا الغدر تستّراً من الناس فقالوا واللّهِ ربّنا ماكنّا مشركين فقال العليم بهم سبحانه انظر كيف كذبوا علي انفسهم لأنّ رسول اللّه (ص) اعلمهم عن اللّه تعالي انّ الشرك في ولاية عليّ (ع) و الشرك فيه كفر و شرك باللّه تعالي و علموا ذلك و وعوه و لكن بغْضهم لعليّ (ع) و عداوتهم له غطّت علي بصاۤئرهم حتّي جهلوا ما علموا و هم يعلمون و هم لايعلمون حتّي حصل لهم من تغيير فطرة اللّه فيهم ظنّ الأصابة للحقّ و الي هذا اشار الصّادق (ع) بقوله هيهات فات قوم و ماتوا قبل ان يهتدوا و ظنوا انّهم آمنوا و اشركوا من حيث لايعلمون و امّا في عالم الأنوار فبان لايري و لايجد المستدلّ مؤثّراً في الوجود الّا اللّه وحده لا شريك له فهذا التّوحيد ركنه الأيمن و جانبه الأقوي هم (ع) لأنّهم عضد لقبول الأيجاد في الأسباب و المواۤدّ و القوابل و الغايات كما اشرنا اليه مراراً فلمّا كانوا هم العلل الأربع و التأثير في الوجود متوقّف عليها كانت التّأثير انّما تقوّمت بهم لأنّهم محلّ فعله قام فعله بهم قيام ظهور فعنهم لا غيرهم اظهر افعاله لتوقّف الفعل في التّأثير علي ظهوره المتوقّف عليهم و توقّف العلّة الفاعليّة علي ذلك الظّهور و علي العلّة الماۤدّيّة لأنّها متعلّقة و علي العلّة الصّوريّة لأنّها هيئة تأثيره و علي العلّة الغاۤئية لأنّها الباعث لها فهم متمّمات فعله في التّأثير و لاتكون هذه الأربع المتمّمات منهم لغير فعله تعالي لأنّ ما سواها اثر لها و الأثر لايكون متمّماً لمؤثّره و لايكون شيء بغيرها ليكون ذلك الغير ركناً لأنّ غيرها متقوم بها و لايكون المعلول مقوّما لعلّةٍ من عِلَلِهِ و لاتكون هي مغايرة لفعله تعالي ليكون غير اللّه مؤثراً في الوجود لأنّها ليستْ الّا متممات فعله من قابله و متعلّقه و هيئته و باعثه كما مرّ فهم (ع) اركان توحيده في فعله و هو معني انّه سبحانه اتّخذهم اعضاداً لأنّهم عضد ظهور فعله و عضد قابله و عضد متعلّقه و عضد هيئته و باعثه و عضد خلقه يعين الخلق علي قبول الأيجاد و هم مع ذلك قد حفظهم بقيوميّته علي العضديّة و قدّرهم علي السّببية و كوّنهم علي السّببية و المسببيّة فمن عرفهم وجَدَ ( اي خ ) ان لا مؤثر في الوجود الّا اللّه لأنه قد عرف اللّه و هو ما قال سيّد الوصيّين (ع) نحن الأعراف الّذين لايعرف اللّه الّا بسبيل معرفتنا ، يعني الّا بمعرفتنا و هو احد معاني كلامه (ع) و المعني مَن عرفهم فقد عرف اللّه لأنّهم معانيه و ظاهره في خلقه كما نطقتْ به اخبارهم فهم الأسم و هو المسمّي و هم المعرفة و هو المعروف و هم الحجب و هو المحتجب و هم صفته و هو الواصف نفسه لعباده بهم فهم اركان توحيده و امّا في عالَم سرّ التّكليف و غايته و هو وفق امره و ارادته و اجتناب نهيه و كراهته اللّذان هما العبوديّة و العبادة فانّما توحيده فيهما بهم لأنّهم ركن ذلك الأمتثال و اصل تلك الأعمال و ذلك لأنّه سبحانه لمّا لمتحط به العباد و لاتعلم ما يريد منهم من الأطاعة و الأنقياد اراهم طريق الهداية و الرّشاد فقال تعالي و لِلّهِ الأسماۤءُ الحسني فادعوه بها و ذروا الّذين يلحدون في اسماۤئِه فاعلمَ المكلفين انّ له الأسماۤء الحسني و امرهم ان يدعوه بها لأنّه ان لميدع بالأسماۤء الحسني ليس غيرها الّا الأسماۤء السوأي و لايليق بقدس جنابه سبحانه و تعالي ان يدعا بها و حيث لايمكن ان يدعا بذاته لعدم امكان ذلك تعيّن ان يدعا بالأسماۤء الحسني فانحصرت العبادة الّتي هي فعل ما يرضي و العبوديّة الّتي هي رضي ما يفعل فيهم و بهم (ع) لأنّ التّسبيحَ و التّقديس و التّحميد و التكبير و التّهليل و الخضوع و الخشوع و الرّكوع و السجود و جميع الطّاعات و انواع العبادات و كذلك العبوديّة كلّ ذلك اسماۤء معانيها تلك الذّوات القدسيّة و الحقاۤئق الألٰهيّة الّتي خلقها اللّه لنفسه و خلق خلقه لها و هي اسماۤؤه الحسني و امثاله العليا و نعمه الّتي لاتحصي و هي الّتي اختص بها و امر عباده ان يدعوه بها قال تعالي و لِلّهِ الأسماۤء الحسني فادعوه بها فتأمّل ما روي عنهم في تفسير الأسماۤء و ما يُرادُ مِنها ففي القمي في تفسير قوله تعالي و لِلّهِ الأسماء الحسني قال الرّحمن الرّحيم ففسّر الأسماۤء الحسني بالرّحمن الرّحيم و روي العيّاشي عن الصّادق (ع) في تفسير هذه الٰاية الي ان قال قال ابوعبداللّه (ع) نحن واللّهِ الأسماۤء الحسني الّذي لايقبل من احد الّا بمعرفتنا ففسّر الأسماۤء مرّة بالرّحمن الرحيم بقصد الأسماۤء اللّفظيّة و مرّة بهم (ع) بقصد معاني تلك اللّفظيّة لأنّ معاني هذه الألفاظ هي اسماۤئه تعالي و لهذا قال الرضا (ع) و قد سُئِل عن الأسم فقال صفة لموصوف و عنه (ع) قال قال اميرالمؤمنين (ع) في خطبته الي ان قال الّذي كنّا بكينونيّته قبل خلقِ الخلق قال الصّادق عليه السلام في تفسير كلام جدّه عليه السلام بكينونيّته في القدم و هو المكوِّن و نحن المكان و هو المشيء و نحن الشّيء و هو الخالق و نحن المخلوقون و هو الرّبّ و نحن المربوبون و هو المعني و نحن اسماۤئه و هو المحتجب و نحن حجبه الحديث ، و انّما قيل انّ حقاۤئقهم اسماۤؤه تعالي لأنّ الأسم في الأصل علامة علي المسمّي و العلامة كما تحصل في اللّفظ تحصل بالمعني الّذي هو الوصف بالطّريق الأولي بل الصّفة ادلّ في التّعيين و قد اشار الي ذلك الرّضا (ع) كما تقدّم و لمّا كان الأصل في الأسم و المقصود منه انّما هو علامة المسمّي ليتميّز من غيره كانَ الأصل فيما يعرف به اللّه هو وصفه نفسه للمخلوق بنفس ذلك المخلوق و لمّا كانَ الباعث الي الأيجاد هو المعرفة وجب ان تكون سابقةً علي ما سواها و لايجوز ان تكونَ بدون عارفٍ فتقع لغواً و لا علي موجودٍ فلاتكون سابقةً او يكون هو غير محدث بل يجب ان تكون هي ايّاه لانّ اوّل صادرٍ يجب ان يكون اشرف ممّا دونه في كلّ شيء و لمّا كانَ لايجوز ان يقع علي اللّه شيء لا لفظ و لا معني وجب ان يكون ما يمكن ان يُعرف متضمّناً لٰاثارِ صفاته ليستدلّ به عليه فكان الأسم المعنويّ اولي من اللّفظيّ لأمكان اصدار الٰاثار الدّالّة عليه عنه و لمّا كانَ الأسم المعنوي يحتاج الي معرفته لتوقّف معرفة اللّه تعالي علي معرفته و كان ممّا يمكن الأسم اللّفظيّ ان يميّزه ببعض ( بعض خل ) وجوهه جاز اطلاق الأسم اللّفظيّ عليه لما بينهما من المشاركة في نوع مطلق الخلقيّة ( الخليقة خل ) و لمّا كانَ المعنويّ واسعاً لانّه قد وسع كلّ آثار الصّفات الألٰهيّة وجب في الأسم الّذي يراد منه تمييزه ببعض وجوهه ان يكون اجمع الأسماۤء للدّلالة علي اۤثار الكمال المطلق و الغنا المطلق و القدس و العزّة و الوحدة الذّاتية بما له لذاته و لايكون ذلك الا في الأسماۤء الحسني الّتي اختارها لنفسه فهي بما تضمّنت من الدّلالة الذّاتيّة تدلّ علي تلك المعاني القدسيّة الّتي هي معانيه صلّي اللّه علي محمّد و آله و لمّا كانوا هم الأسماۤء الحسني الّتي امرَ ان يدعا بها و هم معانيه كما مرّ في حديث جابر و هم ذوات و معان و الأسماۤء الحسني الفاظ وجب ان تكون اسماۤء اللّه ظاهرها الفاظ و باطنها معانٍ و وجب لابتناۤء احدهما علي الٰاخر ان تكون الأسماۤء اللّفظيّة الظّاهرة اسماۤء للأسماۤء المعنويّة الباطنة و المعنويّة الباطنة اسماۤؤه تعالي و هو لايُعرف و لايُعبد الّا باسمائه فَتَوَحَّدَ تعالي بهم (ع) في عبادته و لايفقدهم منذ عبد بهم فهم اركان توحّده في عبادته فمن دعا غيرهم بالولاية و الخلافة فقد اشرك باللّه في عبادته و هو قول الباقر عليه السلام في تفسير قوله تعالي لئن اشركتَ ليحبطنّ عملك و لتكوننّ من الخاسرين بل اللّهَ فاعبُد و كن من الشّاكرين حين سئل عن هذه الآية فقال تفسيرها لئن امرت بولاية احد مع ولاية علي (ع) من بعدك ليحبطنّ عملك و لتكوننّ من الخاسرين و في الكافي عن الصادق (ع) يعني ان اشركت في الولاية غيره قال بل اللّه فاعبد و كن من الشاكرين يعني بل اللّه فاعبد ( بالطاعة خ ) و كن من الشاكرين اَن اعضدتُك باخيك و ابن عمِّك ه ، و معني قوله (ع) فاعبد بالطّاعة يعني به فاعبد اللّه بالطّاعة لأمره في ولاية عليّ (ع) دون غيره و ايضاً يعني به اذا اريد منه ايّاك اعني كما قال الصادق (ع) في هذه الٰاية ان اللّه بعث نبيه بايّاك اعني و اسمعي يا جارة يعني به فاعبد اللّه بالطّاعة لأميرالمؤمنين (ع) و هو قول اللّه عز و جل فيما اوحي الي ايّوب في علّة ابتلاۤئِه كما تقدّم قال تعالي انّي ابتليتُ آدم فوهبتُ له بالتسليم عليه بامرة المؤمنين فانت تقول خطب جليل و امر ( امير خل ) جسيم فوعزّتي لأذيقنك من عذابي او تتوبَ اليّ بالطّاعة لاميرالمؤمنين و هذه المراتب الأربع هي مراتب التّوحيد كما تقدّم توحيد الذّات و توحيد الصّفات و توحيد الأفعال و توحيد العبادة و لمثل هذا كانوا اركان توحيده و ارتضاهم اللّه سبحانه لذلك .
قال عليه السّلام : و شهداۤء علي خلقه و اعلاما لعباده
قال الشارح (ره) و شهداۤء علي خلقه كما ورد في الأخبار المتواترة فمن ذلك ما رواه الكليني و غيره في الصّحيح عن بُريدٍ العجلي قال قلتُ لأبيجعفر (ع) عن قول اللّه تبارك و تعالي و كذلك جعلناكم امّةً وسطاً لتكونوا شهداۤء علي النّاس و يكون الرسول عليكم شهيداً قال نحن الأمّة الوَسَط و نحن شهداۤء اللّه تبارك و تعالي علي خلقه و حُجَجُه في ارضه قلتُ قوله هو اجتباكم قال ايّانا عني و نحن المجتبون و لميجعل اللّه تبارك و تعالي في الدّين من ضيق او حرج فالحرج اشدّ من الضّيق ملّة ابيكم ابراهيم ايّانا عني خاۤصّة و سمّيٰكم المسلمين اللّه عزّ و جلّ سمّانا المسلمين من قبل في الكُتُبِ الّتي مضت و في هذا القرءان ليكون الرسول عليكم شهيداً و تكونوا شهداۤء علي النّاس فرسول اللّه الشّهيد علينا بما بلّغنا عن اللّه تبارك و تعالي و نحن الشهداۤء علي النّاس فمن صَدَقَ يوم القيٰمة صدّقناه و من كذبَ كذّبناه يوم القيمة و روي ايضاً في الأخبار المتواترة انّه تعرض اعمال هذه الأمّة ابرارها و فجّارها كلّ صباحٍ و مساۤءٍ عليهم و تقدّم و اعلاماً لعباده اي ائمّة يعلم بهم امور دنياهم و آخرتهم ه .
اقول انّ اللّه سبحانه خلق محمّداً و آله صلي اللّه عليه و آله لنفسه اي ليعرفوه قال تعالي كنتُ كنزاً مخفيّاً فاحببتُ ان اُعرف فخلقت الخلق لأُعرف و لا حاجة له الي ذلك و لمّا كانَ الكامل يقتضي ان يظهر اثر ( اثره خل ) كماله و الّا لميكن كاملاً مطلقاً ثمّ لمّا كان سبحانه و تعالي لايجري عليه ما يجري علي خلقه من انّ الكامل منهم يتوقّف ظهور اثر كماله علي فاعلٍ غيره بمعني انّه غير مستقلٍّ بذلك في الأظهار و في المظهر و في المحلّ بل قد تقتضي حقيقته او طبيعته اظهار اثرٍ لايحبّ اظهارَه و قد يكون ذلك الظّاهر لازماً له لاينفكّ عنه لانّ غيره الزمه ذلك اللّازِم و علم سبحانه حاجة ما سواه الي ابتداۤء كرمه و لايصدر عنه شيء الّا حيث يصدره بارادته دلّ علي علّةِ ايجاد خلقه بما ابان و احدث من كرمه و محبّته فقال فاحببتُ اي فاوجدتُ محبّةً و كرماً فكان ما اوجد قد اقامَه بنفسِه و اقرّه في ظلّه فكان الكرم الحاۤلّ في نفسه و المحبّة المستقرّة في ظلّها محمّداً و آلَهُ (ص) فهم محاۤلّ محبّة اللّه و احبّاۤؤه و مقرُّ كرمِه و امناۤؤه فكان سبحانه قد خلقهم علي كمال حقيقة ما هم اهله ثم لمّا ارادَ ان يخلق لهم ساۤئرَ خلقه اشهدهم خلقهم و انهي اليهم علمهم روي في الكافي عن الجواد (ع) انّ اللّه تعالي لميزل متفرداً بوحدانيّته ثم خلق محمّداً و عليّاً و فاطمة عليهم السلام فمكثوا الفَ دهرٍ ثم خلق جميع الاشياۤء فاشهدهم خلقها و اجري طاعتهم عليها و فوّض امرها اليهم الحديث ، و قد تقدّم و قد جرتْ حكمة الحكيم في خلقِ خلقه انّه يخلق كل شيء بمقتضي قابليّته و معني ذلك بلسان اهل الشرع (ع) انّه سبحانه يخلقهم بالأختيار مثلاً الأعمي انما خلقه اعمي لأنّه اختار العمي و كذلك الأصمّ و المُقْعَد و الكافر و المؤمن و لولا ذلك لكان للناس علي اللّه حجة كما اذا قال المُبْتَلي لو عافيتني لَعَمِلتُ كما يَعْمل المعافَي و كما اقامَ سبحانه عليهم الحجّة في تكاليفهم بما ( فيما خل ) فيه صلاحهم بحيث كانت للّه عليهم الحجّة البالغة كذلك اقام عليهم الحجّة في وجوداتهم علي ما اليه مردّهم بحيث كانت للّه عليهم الحجّة البالغة لكن ظهور الحجّة عليهم في امر التّكاليف الشرعية و وجوداتها ظاهر لكثرة الأدلّة و البراهين عليها قطعاً لمعذرة المكلّفين و امّا ظهور الحجّة في امر التكاليف الوجوديّة و ما تضمّنتْ من شرعيّاتها فخفيّ لايعلمه الّا الأوحدون الأقلّون عدداً و قد دلّتِ النّصوص علي ذلك و العقول المزكّاة بالعلم و العمل بالموجود من الأمور الواقعة تشهد بذلك و تعرفه العقول الظّاهرة اذا انصفت باللّزوم فانّها تقرّ للّه سبحانه بانّه عالم لايجهل عادل لايظلِم ذاكر لاينسي غنيّ لايحتاج و قد امرضَ الطّفل في بطن امّه و اعماه و اصمّه و قد يسلب ما اعطي من العقل و ساۤئر القوي و لايحسن من الحكيم العليم الغنيّ ان يأخذ ما اعطي بدون علّة من الذي كان اعطاه لأنّ هذا ينافي الحكمة و الغِنَي المطلق و قد ذكر هذا في كتابه المجيد فقال اللّه تعالي انّ اللّه لايُغيّر ما بقومٍ حتّي يغيّروا ما بانفسهم فيلزم من هذا انّه كانَ عن سببٍ وقع مِن المخلوق و لايصحّ ان يؤاخذ بسببٍ يقع منه بغير اختياره لانّه كَمَنْ لا سَبَبَ له فثبت انّه سبحانه اصابهم ببعض ذنوبهم و يجري هذا الحكم علي الأنسان و الحيوان و النبات و الجماد و ان خفي هذا في الحيوان و النبات و الجماد لكنّه ظاهر عند اهل التحقيق لانّ الصّنع واحدٌ و الصّانع واحدٌ و يجب ان تكون المصنوعات كلّها بطريق واحد لانّها كلّها قد اشتركت في الوجود و كلّه حيوة و شعور و تمييز و اختيار ليس فيه قسْرٌ فلايجري حكم لمقتضي وصفٍ قد تحقق في جميع افراد شيء علي بعضها دون بعضٍ الّا اذا كان علي خلاف مقتضي الغني المطلق و الحكمة البالغة فاذا ظهر لك ممّا اشرنا و نبّهنا عليه انّ جميع ما في الوجود من الشرعيّات و وجوداتها و الوجودات و شرعيّاتها من مباديها الي نهاياتها كلها جارية علي التّكاليف الأختيارية كما تري في افعال الأنسان كذلك هو في ساۤئر الحيوانات و النباتات و الجمادات ( و خ ) الجواهر و الأعراض عرفتَ انّ جميع الأشياۤء مكلّفة بالاختيار و انّ منهم المطيع و منهم العاصي و عرفتَ من هذا و من الكتاب و السّنّة و العقل و الٰايات في الأنفس و في الٰافاق فانّ اللّه سبحانه قد جعل علي كلّ شيء رقيباً و شاهداً و هم (ع) الشهداۤء علي ساۤئر الخلق و اللّه من وراۤئهم محيط بالكلّ شاهد علي الكلّ كما قال تعالي حكاية عن عيسي (ع) كنتَ انتَ الرقيبَ عليهم و انت علي كلّ شيء شهيد و لمّا كان جميع المكلّفين في كلّ شيء مختارين جاز من العاصي و المبتلي ان يحتجّ علي اللّه و ينكر البيان و الحجّة البالغة فجعل علي كلّ شيء شهيداً لئلّاتكون للناس علي اللّه حجّة فالأنبياۤء و الائمّة و الأوصياۤء و العلماۤء تشهد لهم الأشهاد بالتّبليغ و الرّعيّة بالقبول و الأمتثال و عدمهما روي الطبرسي في الاحتجاج عن اميرالمؤمنين (ع) في حديث طويل في احوال اهل الموقف الي ان قال فيقام الرّسل فيسألون عن تأدية الرسالات الّتي حُمِّلوها الي اممهم فاخبروا انّهم قد ادّوا ذلك الي اممهم و تسأل الامم فيجحدون كما قال تعالي فلنسئلنّ الّذين ارسل اليهم و لنسألنّ المرسلين فيقولون ماجاۤءنا من بشير و لا نذير فليستشهد الرسل رسول اللّه (ص) فيشهد بصدق الرسل و بكذب من جحدها من الأمم فيقول لكلّ امّة منهم بلي قد جاۤءكم بشير و نذير و اللّه علي كلّ شيء قدير اي مقتدر علي شهادة جوارحكم عليكم بتبليغ الرسل اليكم رسالاتهم و لذلك قال لنبيّه (ص) فكيف اذا جئنا من كل امّة بشهيد و جئنا بك علي هؤلاۤء شهيداً فلايستطيعون ردّ شهادته خوفاً من ان يختم اللّه علي افواههم و ان تشهد عليهم جوارحهم بما كانوا يعملون و يشهد علي منافِقي قومهم ( قومه خل ) و امَّته و كفّارهم باِلْحادِهم و عنادهم و نقضهم عهده و تغييرهم سُنّتَه و اعتداۤئهم علي اهل بيته و انقلابهم علي اعقابهم و ارتدادهم علي ادبارهم و احتذاۤئهم في ذاك سنّة من تقدّمهم من الأمم الظالمة الخاۤئنة لأنبياۤئها فيقولون باجمعهم ربّنا غلبت علينا شقوتنا و كنّا قوماً ضاۤلّين ه ، و في قوله تعالي و كذلك جعلناكم امّةً وسطاً الٰاية ، المراد بهم الأئمة (ع) كما رواه ابنشهراشُوب في المناقب عن الصّادق (ع) قال انّما انزل اللّه و كذلك جعلناكم ائمّةً وسطاً لتكونوا شهداۤء علي الناس و يكون الرسول شهيداً عليكم قال و لايكون شهداۤء علي النّاس الّا الائمّة و الرّسل فامّا الأمّة فانّه غير جائز ان يستشهد ( ها خ ) اللّه و فيهم مَن لايجوز شهادته في الدنيا علي حزْمَةِ بقلٍ و روي العيّاشي في تفسيره عن الصّادق (ع) قال ظننت ( ان خ ) اللّه عني جميع اهل القبلة من الموحّدين افتري مَن لاتجوز شهادته في الدنيا علي صاعٍ من تَمْرٍ يطلبُ اللّه شهادته يوم القيٰمة و يقبلها منه بحضرة جميع الأمم الماضية كلّا لميعن اللّه مثل هذا من خلقه يعني الأمّة الّتي وجبت لها دعوة ابراهيم عليه السلام كنتم خير امّة اخرجتْ للناس و هم الأئمّة الوسطي و هم خير امّة اخرجت للنّاس ،
اقول المراد بالامّة في الٰاية بالأصالة في معني الأمّة و في جعلها شهداۤء و في كونهم خير امّة هم الائمّة عليهم السلام و بالتّبعيّة هم شيعتهم و ما تقدّم من الروايات لاينافي دخول الشّيعة في ذلك بالتّبعيّة لانّ قولهم (ع) صريح في اثباتهم من باب دلالةِ الأشارة و المفهوم لأنّ الّذين لايجوز شهادتهم علي حزمةِ بقلٍ و صاعٍ من تمرٍ انّما هم اعداۤؤهم و ان دخل في ردّ شهادتهم فسّاق شيعتهم لاتّباعهم لأولۤئك الأعداۤء في معاصي الأعمال و امّا شيعتهم الّذين تقبل شهادتهم في الدّنيا و لو علي ادني مرتبةٍ تعتبر في العدالة و يُكتَفي بها شرعاً فانّه تقبل شهادتهم في الٰاخرة بالطريق الأوْلي لأنّ اللّه سبحانه هو الذي قبل شهادتهم في الدّنيا علي ما هم عليه قبل ان يموتوا و انّه سبحانه ابداً يكفّر عنهم سيئاۤتهم بمحن الدنيا و بلاياها و عند الموت و في القبر و البرزخ و اهوال يوم القيٰمة حتّي ان اكثرهم يخرج من قبره و ليس عليه ذنب يطالب به مع ما هم عليه حينئذٍ من كونهم مع ائمّتهم و رسول اللّه (ص) يباهي بهم الأمم الماضية و اخبر اللّه عن سلامة رسول اللّه (ص) و اهل بيته (ع) من اذيهم قال تعالي و امّا ان كان من اصحاب اليمين فسلام لك من اصحاب اليمين و قد تحمّل النبيّ و اهل بيته (ص) جميع ذنوبهم و قد غفرها اللّه لنبيّه (ص) فقال ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك و ما تأخّر و كذلك ساۤئر الائمّة (ع) و من ذلك شهادة الحسين (ع) و اي مُثْمنٍ يعدل ثمناً منه استشهاد الحسين و اهل بيته و انصاره و هتك نساۤئهم و سبيهنّ و تسييرهنّ مكشّفات علي اقتاب المطايا هدايا تساق عرايا الي ارذل البرايا و امثال ذلك ممّا جري عليهم و علي شيعتهم و محبيهم لأجلهم كلّ ذلك في مقابلة ذنوب شيعتهم و محبّيهم فكيف لايقبل شهادتهم في الٰاخرة و هم في احسن احوالهم و طهارتهم و انّما نفي (ع) عموم الأمّة لكلّ شخص منهم كما فسّره المخالفون اِصلاحاً لشأنهم و تأسيساً لمذهبهم و في الكافي في حديث ليلةالقدر عن الباقر (ع) انّه قال و ايمُ اللّهِ لو ( لقد خل ) قُضي الأمر اَلّايكون بين المؤمنين اختلاف و لذلك جعلهم شهداۤءَ علي النّاس ليشهد محمّد (ص) علينا و لنشهد علي شيعتنا و لتشهد شيعتنا علي النّاس فرسول اللّه شاهد علينا و نحن شهداۤء اللّه علي خلقه و حجّته في ارضه و نحن الذين قال اللّه و كذلك جعلناكم امّةً وسطاً ه ، اقول قوله و لتشهد شيعتنا علي النّاس صريح فيما قلنا و احتمال ارادة خصوص الأنبياۤء (ع) بعيد لأنّهم و ان كانوا مرادين و احقّ بذلك لكن ساۤئر الشيعة داخلون ايضاً للأحاديث المتَكثرة الدالّة علي ذلك و خصوص قوله علي الناس فانّ الظّاهر انّهم المخالفون و شهادة هذه الشّيعة عليهم اقرب و اشفي لغيظهم و لحضورهم عقوبات اعداۤئهم يوم القيمة جزاۤءً بما اوذوهم في الدّنيا و هذا ظاهر ،
و الحاصل انّهم (ع) قد رضيهم اللّه شهداۤء علي خلقه لما هم عليه من الحقّ و الصّدق و الحفظ و الأحاطة بكل شيء من خلقه لأنّه تعالي انهي اليهم علم خلقه و ما هم به عاملون و اليه صاۤئرون و لانّ ذلك اعظم ( اعم خل ) اقامة للحجّة علي الخلق حيث لايجدون عليهم طعناً في شيء ثمّ لاتغفل عمّا ذكرناه سابقاً من انّ المراد بشهادتهم علي ساۤئر الخلق ليس علي خصوص اعمالهم الظّاهرة بل علي كل شيء كما مرّ فافهم ،
قوله عليه السّلام : و اعلاماً لعباده
الأعلام جمع عَلَمٍ بفتحِ اللّامِ و هو الجبل الّذي يعلّم فيه الطّريق او الجبل الطّويل و المراد انّهم (ع) يثبّتون العباد عن الفناۤء بفاضل وجودهم و عقول الانبياۤء و المرسلين و المؤمنين و الملۤئكة بفاضلِ عقولهم ( عقلهم خل ) فبهم يعقلون الأمر و النهي و يعرفون الجيّد و الرديّ كما قال تعالي و هديناه النّجدين اي طريق الخير ( و الشر خ ) و بفضل هديٰهم اهتدي المهتدون و بفضل اعمالهم عمل العاملون فكانوا جبالاً رواسي القي اللّه سبحانه اشباحهم و اطواد ظواهرهم في ارضي ( اراضي خل ) قلوب الخلاۤئق ان تميد بهم فلايستقرّ لها علم و لا عمل و لا يثبت لها فكر و لا ذكر بل اضرب لك مثلاً لفاضل انوارهم المشرِقة علي قلوب الخلاۤئق اجمعين من الأنبياۤء و المرسلين و المؤمنين و الملاۤئكة المقرّبين و هو انّ اشراقات انوارهم مثل ظهور الشّاخص و انوار قلوب الخلق مثل الصورة في المرءاة الّتي ليست في الواقع شيئاً الّا ظهور الشاخص بها و امّا انوار حقاۤئقهم فلاتتناهي بالنسبة الي جميع الخلق فعلي معني انّ العَلَمَ محرّكاً هو الجبلُ الّذي يعلّم فيه الطّريق يكون المراد انّ الأخذ عنهم و الأقتداۤء بهم انما يمكن لمن علّموه ما شاۤؤا كما شاۤؤا فلاينتفع احد بشيء من علومهم و ان سمعَ منهم او رأي الّا اذا علّموه ظاهراً او باطناً و ارادوا انّه ينتفع و الّا فلا و اليه الأشارة بقوله تعالي يقول عن نفسه و يحكي عن ذاته و جعلنا علي قلوبهم اكنّة ان يفقهوه و في آذانهم وقراً و هذا حكم باطن الباطن و هو معني انّ هذه الجبال لعظمها لايُسلك الطّريق فيها الّا بالعلامات الموضوعة فيها للسّالك و العلامات توضع في المواضع المنخفضة منها السّهلة بحسب الممكن و مع هذا و هو صعب المسلك كذلك انّهم لايعلم احد من علمهم الّا ما شاۤؤا و مع هذا فهو ( و هو خل ) صعب المسلك لايسلكه الّا الأقلّون و الي هذا اشاروا في احاديثهم كما تقدّم منها قول اميرالمؤمنين صلوات اللّه عليه انّ حديثنا صعب مستصعب خشن مخشوش فانبذوا الي النّاس نبذاً فمن عرف فزيدوه و مَن انكر فامسكوا لايحتمله الّا ثلاث مَلَكٌ مقرّبٌ او نبيٌّ مرسلٌ او عبد مؤمنٌ امتحن اللّه قلبه للأيمان و قوله لكميل بلي و لكن يرشح عليك ما يطفح منّي ، و امّا ما هم عليه من العلم فلايحتمله غيرهم من جميع الخلق و علي معني انّ العَلَم هو الجبل الطّويل يعني في الهواۤء لعلوّه فيقتدي به في الطّريق المشتبهةِ الأعلام او العلامات يكون ( المراد خ ) ان اللّه سبحانه و له الحمد قد علا قدرهم و رفع شأنهم علي ساۤئر خلقه فجعلهم بما اۤتاهم و فضّلهم علي العالمين اعلاماً لعباده يهتدون بهم في ظلمات البر و البحر اي في ظلمات الأحكام النّاشية عن مقتضيات الأجسام و الطّباۤئع و هو البرّ و مقتضيات النّفوس و العقول و هما البحر و المراد انّهم يهتدي بهم جميع العباد في طرق المعتقدات و الأحوال و الأعمال في كلّ شيء بل لا حقّ الّا منهم (ع) عند جميع الخلق و قد تقدّم في اوّل هذا الشّرح انّهم هم المعلِّمون للملاۤئِكة تسبيح اللّه و تهليله و تكبيره و تمجيده و رويَ انّ جبرئل (ع) كان جالساً عند النبيّ (ص) فاتي عليّ (ع) فقامَ له جبرئل فقال (ص) اتقوم لهذا الفتي فقال انّ له عليّ حقّ التعليم فقال النبيّ (ص) و كيف ذلك التّعليم يا جبرئل فقال لمّا خلقني اللّه تعالي سألني مَن انت و ما اسمُكَ و مَن انا و ما اسمي فتحيّرتُ في الجواب ثم حضر هذا الشّاۤبُّ في عالَم الأنوار و علّمني الجواب فقال قل انت ربّي الجليل و اسمك الجميل و انا العبد الذليل و اسمي جبرئيل و لهذا قمتُ له و عظّمته فقال النبيّ (ص) كم عمرك يا جبرئيل فقال يا رسول اللّه (ص) يطلع نجم من العرش في كلّ ثلاثينالفَ سنةٍ مرّة و قد شاهدتُه طالعاً ثلاثينالفَ مرّةٍ ٩٠٠٠٠٠٠٠٠
ه ، فتأمّل في قول جبرئل طاوس الملاۤئكة الّذي هو معلِّم الرّسل و الانبياۤء (ع) فانّه ماعرفَ ربّه و ماعرف نفسه الّا بتعليم الأمام فكيف ما سواه من الملاۤئكة و اذا كانت الملاۤئكة كذلك فكيف ساۤئر الخلق و يجوز ان يُراد بالأعلام العلامات من تفسير ظاهر الظّاهر و المراد منها معالم الطّرق و كل ما يستدلّ به الماۤرّة من جبل او نصبٍ او مورد ماۤء او بناۤء او نجم لانّهم (ع) هم علامات الهداية و ادلّاۤء الطّرق الي اللّه و في قوله تعالي و علامات و بالنجم هم يهتدون عنهم (ع) نحن العلامات و النّجم رسول اللّه (ص) و في تفسير العيّاشي بسنده عن احدهما عليهما السلام في قوله و علامات و بالنّجم هم يهتدون قال هو اميرالمؤمنين فهم الأعلام الّذي بهم يهتدي الساۤئرون و بهم يثبّت الارض ان تميد باهلها و عن ابيجعفر (ع) انه قال لو انّ الأمام (ع) رُفع من الأرض ساعة لماجت باهلها كما يموج البحر باهله فاللّه سبحانه وسَمَ كلّ شيء و دلّ علي كلّ شيء فهم اصحاب الميسم و الأدلّاۤء علي كل شيء و ادلّاۤء كلّ شيء علي اللّه .
قال عليه السّلام : و مناراً في بلاده و ادلّاۤء علي صراطه
قال الشارح (ره) و مناراً في بلاده اي يُهتدي بهم و بانوار اخبارهم في جميع الأرض ه .
اقول المنار بفتح الميم الشيء المرتفع الذي يوقد في اعلاه النار لهداية الضاۤلّ و يروي في وصف الامام (ع) يرفع له في كلّ بلدةٍ منار ينظر منه الي اعمال العباد و في حديث يونس قد كثر ( في خ ) ذكر العمود فقال لي يا يونس ما تراه اتراه عموداً من حديدٍ قلتُ لاادري قال لكنّه ملك موكّل بكلّ بلدةٍ يرفع اللّه به اعمال تلك البلدة ففي الرواية الأُولي المنار الذي يري منه و ينظر منه الي اعمال العباد هو نور خيال الأمام (ع) و هو عمود نورٍ ممتدٍّ منه الي العرش عن يساره و النظر يصدر عن عقله و عقله من الخيال الي اظلّة الأعمال و العاملين و هذا العقل عقل الكلّ و هذا الخيال خيال الكلّ و اظلّة الأعمال و العاملين قد تقوّمت بنور هذا العمود فان اريد به حقاۤئق تلك الأظلّة فيراد به النّفس الكلّيّة و الروح الذي علي ملاۤئكة الحجب و النّور الأخضر و حجاب الزبرجد و ان اريد به ادراكها فيراد به فعل ذلك العمود و تربيته ذلك الملك و تدبيره لها و ان اريد به العلم بها فيراد به ذواتها و مجموع المراتب الثلاثة هو ذلك العمود الّذي هو المنار فَبهِ اهتدت تلك الحقاۤئق الي معرفة ربّها و معرفتها بنفسها و كذلك ذواتهم و العلم بهم و انّ هذا العمود اعطاه اللّه وليَّه عموداً من نور يري فيه اعمال الخلاۤئق كما يري احدكم الشخص في المرءاۤة و المراد بكونه مناراً في البلاد هو انّهم يُنيرون لأهل البلاد و هي الدنيا او الأرض او الأجسام او الوجود كلّه فعلي الأوّل و الثاني يكون المعني انّهم منوّرون لبني آدم و الجن فان كانوا مؤمنين اي مستجيبين نوّروا قلوبهم كما نوّروا قلوب الملاۤئكة فباستجابتهم و قبولهم كانوا مؤمنين بان كتب اللّه في قلوبهم من مداد ذلك النّور الأيمان و ايدهم بروح منه و هذا الرّوح ملك خلق من نورهم (ع) جعل علي الأذن اليمني من قلب المستجيب للّه و لرسوله حين دعاه لما يحييه اي دعاه الي الولاية و هذا الملك مؤيّد له في تلك الأستجابة فاذا ايّده استقام و لميتغيّر عن الايمان ما دام معه و هو قوله تعالي انّ الّذين قالوا ربّنا اللّه ثم استقاموا و هذا الملك هو الرّوح الرّابعة يحضر المؤمن في كلّ وقت يحسن فيه و يتقي و يغيب عنه في كلّ وقت يذنب فيه و يعتدي فهي تهتزّ سروراً عند احسانه و تسيخ في الثري عند اساۤئةِ ( اسائته خل ) كذا روي عن الكاظم (ع) فالملك المؤيّد من نورهم و الأستجابة و القبول من محبّتهم و الأيمان المكتوب من صفتهم و في الكافي عن ابيخالد الكابلي قال سألتُ اباجعفر (ع) عن قول اللّه تعالي فاۤمنوا باللّه و رسوله و النور الذي انزلنا فقال يا اباخالد النور واللّهِ الأئمة (ع) يا اباخالد لَنُور ( النور خل ) الأمام في قلوب المؤمنين انور من الشمس المضيۤئة بالنّهار و هم الّذين ينوِّرون قلوب المؤمنين و يحجب اللّه نورهم عمّن يشاۤء فتظلم قلوبهم و يغشاهم ( يغشيهم خل ) بها ه ، فقوله ينوِّرون قلوبَ المؤمنين هو ما ذكرتُ لك في مؤمني الأنس و الجنّ و في الملاۤئكة بالأستجابة و القبول و بالكتابة و بالمدد و بالتّأييد و قوله (ع) و يحجب ( اللّه خ ) نورهم عمّن يشاۤء الخ ، يريد انّ من لميستجب للّه و رسوله حين دعاه الي ولايتهم خلق من ردّه لولايتهم و عدم قبوله لها حجاباً من ظلمةٍ اصله غضب اللّه و فرعه ذلك الرّدّ و ثمرته عداوة عليّ و اهل بيته (ع) و مأويٰه جهنّم و بئس المصير فحجب اللّه بذلك الحجاب نورهم عن قلبه و هو قوله تعالي بل طبعَ اللّهُ عليها بكفرهم و ذلك النور المحجوب هو محبّتهم و ولايتهم و قوله (ع) انور من الشمس ظاهر لانّ ذلك النّور علي ثلاثة اقسام علي حسب مراتب المؤمنين في معرفتهم و اتباعهم فالقسم الأدني انور من الشمس سبعين مرّة و القسم الثاني انور من الشمس اربعةاۤلاف مرّة و تسعمائة مرّة و القسم الأعلي انور من الشمس ثلثمائةالف مرّة و ثلاثة و اربعين الفَ مرّةٍ لأنّ الأدني من غيب فلك الزّهرة و الوسط من غيب فلك المكوكب و الأعلي من غيب فلك ( الفلك خل ) الاطلس و علي الثالث و الرابع يكون المعني انّ ما في الأجسام او الأنفس و العقول من نور الوجود فهو من شعاع نورهم فما في شيء من الموجودات من نورٍ فمنهم و ما فيه من ظلمةٍ فمن نفسه و هو تأويل قوله تعالي و ما بكم من نعمةٍ فمن اللّهِ و قوله تعالي ما اصابك من حسنةٍ فمن اللّه و ما اصابك من سيئة فمن نفسك و انما قلنا انّ كلّ ما في الموجودات من نور الوجود فهو من شعاع نورهم لأنّ اللّه سبحانه لمّا خلق انوارهم تشعشعتِ الأنوار من انوارهم لأنّ ذلك دليل كمال نورهم اذ كلُّ كاملٍ لكماله ظهور يشابه هيئة ( هيئاة خل ) ظهوره به فكما انّ قلوب شيعتهم لمّا نوّروها ( نوّروهم خل ) بفاضل نورهم انبعثت عنها الأعمال الصالحة الّتي تكون بها الوجودات الشّرعيّة بأمرِ اللّهِ و صنعه كذلك عالم الأجسام بل الموجودات كلّها لمّا نوّروها بافاضة ذواتها من فاضل انوارهم انبعثت عنها القوابل الحُسني التي تكون بها الشرعيّات الوجوديّة بامر اللّه سبحانه فنور الذّوات بوجوداتها و تلك الوجودات من نورهم كما دلّت عليه الروايات عنهم (ع) و شهد له العقول المزكّاة السّليمة و آثار تلك الذّوات المنبعثة عنها من جهة عقولها من ( سناء خ ) نورهم فعلي الاخيرين تكون البلاد هي نفس الأشياۤء و صفاتها و انّما سمّيناها بلاداً كما سمّينا متعلّق نظر الوليّ من المكلفين لاستنباط حكمه علي حسب ما يقتضيه بيتاً كما قلنا في تأويل قوله تعالي ان اتّخذي من الجبال بُيوتاً الٰاية ، و كما قالوا (ع) في تأويل قوله تعالي و جعلنا بينهم و بين القري الّتي باركنا فيها قري ظاهرة قال (ع) نحن القري الّتي بارك اللّه فيها و القري الظّاهرة شيعتنا و الأنبياۤء منهم كما تقدّم و كذلك قوله تعالي في بيوت اذن اللّه ان ترفع و قوله تعالي و اتوا البيوت من ابوابها و قوله تعالي و اسئل القرية الّتي كنّا فيها يعني يوسف و قوله تعالي و تلك القري اهلكناهم لما ظلموا و قوله تعالي تلك من انباۤءِ القري نقصه عليك منها قاۤئم عجّل اللّه فرجه و حصيد لعن اللّه قاتِلَهُ و ظالمه و ما اشبه ذلك مما اطلق عليه لفظ البيت و القرية و يرادا ( يراد خل ) به الرّجال في التأويل بتبيين اهل العصمة (ع) و الحاصل انّ اللّه سبحانه قد رضيهم مناراً في بلاده علي نحو ما سمعتَ و ما لمتسمع ،
و قوله عليه السّلام و ادلّاۤء علي صراطه
الأدلّاۤء جمع دليلٍ و الصّراط هنا هو الطريق المؤدّي الي محبّة اللّه المبلّغ الي جنّته كما قال الصّادق (ع) في تفسير قوله تعالي اهدنا الصّراط المستقيم قال يعني ارشدنا للزوم الطريق المؤدّي الي محبّتك و المبلّغ الي جنّتك و المانع من ان نتّبع اهواءنا فنعطبَ و ان نأخذ بٰارائنا فنهلك ، اقول هذا الطّريق الذي عناه (ع) الذي سأل اللّه لزومه هو طاعته في القيام باوامره و اجتناب نواهيه و التخلّق بٰادابه علي نحو ما نهج لهم من دينه و بين لعباده من معرفتِه و حدد لهم من احكامه هذا في الظاهر و في الباطن الصّراط هو النبيّ و الأمام صلّي اللّه عليهما و آلهما روي في المعاني عن الصّادق انّ الصّراط هو اميرالمؤمنين و فيه عنه هو الطريق الي معرفة اللّه و هما صراطان صراط في الدنيا و صراط في الٰاخرة فامّا ( و اما خل ) الصراط في الدنيا فهو الأمام المفترض الطاعة من عرفه في الدنيا و اقتدي بهداه مرّ علي الصراط الذي هو جسر جهنّم في الٰاخرة و من لميعرفه في الدنيا زلّت قدمُهُ عن الصراط في الٰاخرة فتردّي في نار جهنّم و روي ايضاً نحن الصراط المستقيم ، و معني كون الأمام (ع) صراطاً و طريقاً ما ذكرنا ( ذكرناه خل ) مراراً في شرحنا هذا كما سبقَ و في غيره من رساۤئلنا من انّه (ع) طريق اللّه الي جميع خلقه و طريقهم اليه امّا الأوّل فلأنّ الأمام (ع) باب المدد و الفيض من اللّه الي جميع خلقه في خلقهم في الكون و العين و القدر و القضاۤء و الأذن و الأجل و الكتاب و لميجعل اللّه سبحانه و تعالي له باباً لافاضةِ الوجود في جميع مراتبه غيرهم في ادباره و لا في اقباله الي اللّه تعالي كما اشارَ اليه (ع) في هذه الزيارة الشريفة في قوله مَن اراد اللّهَ بدأ بكم و مَن وحّده قبِل عنكم و من قصده توجّه بكم يعني من اراد ان يسير الي اللّه بدأ بالسّير فيكم و هو تأويل قوله تعالي و جعلنا بينهم اي بين العلماۤء من الشّيعة من الأنبياۤء و المرسلين و المؤمنين و الملاۤئكة المقرّبين و هم الطّالبون لتوحيد اللّه علي الحقيقة و بين القري الّتي باركنا فيها و هي مقاماته الّتي لا فرق بينه و بينها الّا انّهم عباده و خلقه و هي من الذّات كالقاۤئم من ذات زيدٍ و هي آيةُ اللّه الّتي يريها عبده في نفسه حين يعرف نفسه و هذا في كلّ شيء بنسبة مقامه قريً ظاهرةً و هذه القري الظاهرة علي هذا التّأويل هم الائمة الظّاهرون ( الطاهرون خل ) المفترضون الطّاعة و قدّرنا فيها السّير اي اذا اردتم ان تصِلوا الي القري الّتي باركنا و هي آيتنا في انفسكم و في الٰافاق فتوصّلوا اليها بتوسّط القري الظّاهرة كما قال تعالي سيروا فيها و هذا احد التّأويلين في الٰاية و هو معني قوله مَن ارادَ اللّه بدأ بكم و قول عليّ (ع) نحن الاعراف الّذين لايعرف اللّه الّا بسبيل معرفتنا و ذلك معلوم فانّك لاتصل الي الكعبة الّا بقطع المسافة فان كنتَ شرقيّاً عن مكّة و سرتَ اليها الي جهة الغرب قربت المسافة بينك و بينها لانك سرتَ اليها من جهتك و مَن كان غربيّاً عنها ( منها خل ) كانَ بعكسكَ و لو تعاكستما في المسير الي الكعبة بان سرتَ اليها من جهة الرجل الغربيّ و سار هو من جهتك لطالت مسافة سيركما و هو قوله (ع) من عرف نفسه فقد عرف ربّه و ان كان ايضاً مَن عرف غيره فقد عرف ربّه و لكنّ المسافة طويلة فافهم الأشارة و بالجملة فلاتصل الي الكعبة الّا بالسّير اليها في طريقها المختصّ بها و مَن وحّده قبِلَ عنكم يعني انّ من وحّده و اصاب الحقّ في توحيده قبل عنكم معرفة دينه و ما وصفتم به ربّكم و مَن لميقبل منكم لميوحّد اللّه تعالي فقد توقّفت معرفة ربّه و معرفة دينه و ما يجب عليه و به نجاتُه علي القبول عنهم تلك المعارف و الحدود و من قصده توجّه بكم يعني انّهم وجه اللّه و لهم عند اللّه الجاه العظيم و المنزلة الرّفيعة فمن توجّه بهم و تشفّع الي اللّه قبل اللّهُ منه و استجاب و تجاوز عن تقصيره و مَن توجّه قاصداً الي اللّه مصاحِباً لولايتهم و طاعتهم او تعريفهم كيفيّة القصد اليه و الأستعداد له بما يحبّ القصد به اليه سبحانه او مستعيناً بهم في التّوصل بقصدِه وَ يأتي زيادة توجيه في هذه الفقرات في محلّها ان شاۤء اللّه تعالي فهم الطّريق الي اللّه لا غيرهم و ليس للّه طريق غيرهم و غير فروعهم من الأعمال الصّالحات من حدود اللّه و ما يريده من العباد ممّا فرضوه و سنّوه عن اللّه سبحانه الّا ما لايحبّه من طرق الضلالة هذا من جهة وجوداتها و امّا من جهة تكليفاتها فلأنّ الأمام (ع) هو الباب الذي تصدر عنه اوامر اللّه و نواهيه و عزاۤئمه و تعرّفاته و اراداته و رخصه و ما اشبهه ( اشبه خل ) ذلك لأنّ جميع ذلك لايصدر الا عن مشيّتهِ ( مشيّة خل ) و هم محلّ تلك المشيّة كما قال تعالي ماوسعني ارضي و لا سماۤئي و وسعني قلب عبدي المؤمن ، و المراد انّه سبحانه لايسعه شيء و هو وسع كلّ شيء رحمةً و علماً و قدرةً و انّما ذلك الذي لمتسعه ( ارضه خ ) و لاسماۤؤه هو اراداته و متعلّقات مشيّته من اوامره و نواهيه و جميع ما يريد من عباده و لايسع ذلك السماۤء و الأرض لأنّ السماۤء و الأرض لايسع كلّ واحدٍ منهما الّا ما يتعلّق به من الاحكام و الدّواعي الألٰهيّة و كذلك كلّ واحد من ساۤئر الخلق اذ كلّ واحد انّما يراد لنفسِهِ و امّا العبد المؤمن المراد هو محمّد ( و آله خ ) (ص) فقلبه يسع تلك الأمور كلّها الّتي متعلّقها جميع الخلاۤئق في الدنيا و الٰاخرة من الموجودات و التكليفات و انّما وَسِعَها لأنّها انما صدرتْ عنه وَ خُلِقَتْ من فاضل نوره او عكوس نوره و صُوِّرتْ علي صور هيئة عبادته و خلقت له و الشيء يسع احكام ( احكامه خل ) ما عنه و ما منه و ما لَهُ و لما لميكن لمشيّة اللّه محلٌّ غيرهم الّا عنهم بوجهٍ منها وجب ان يكونوا عليهم السلام هم ابواب اوامره و نواهيه و ما يريده من خلقه فهم صراطه الي خلقه في كلّ ما يصل منه تعالي الي خلقه من الأيجادات و التكليفات و امّا الثاني و هو انّهم (ع) طريق الخلق الي اللّه تعالي فلأنَّ جميع العباد انّما يصلون الي اللّه تعالي الي محبّته و جنّته و قربه و الفوز لديه بما اعدَّه لمَن اطاعه بولايتهم و محبّتهم و طاعتهم و انما تصعد اعمال الخلاۤئق الي اللّه تعالي اذا كانت جاريةً علي سنّتِهم و طريقتهم و كانت مأخوذةً عنهم بالتّسليم لهم و الرّدّ اليهم و بالولاية لهم و بالبراۤءة من اعداۤئهم و هو قول اللّه تعالي انما يتقبّل اللّه من المتّقين يعني انّ اللّه لايقبل من احدٍ اعماله و لاتصعد اليه الّا اعمال المتّقين و هم الذين احبّوا اللّه و رسوله (ص) و ائتمروا بأمره و انتهوا عن نهيه و والَوا ولي اللّه و عادوا عدوَّ اللّهِ و معني المتّقين في الباطن المتّقون لولاية اعداۤء عليّ عليه السلام و المجتنبون لسنّتِهم و ضلالتهم فالمتّقي حقّاً من اتّقي سنّة اعداۤءِ عليّ و اهل بيته (ع) و سنّتهم فرعهم فمن اتّقي سنّة اعداۤء عليّ (ع) فهو المتّقي لأنّه اتّقي جميع معاصي اللّه فكانوا (ع) هم الطريق الي اللّه و ولايتهم ايضاً طريق صعود الأعمال الي اللّه تعالي و طريق قبول الدعاۤء روي ابنفهد في عدّةالداعي عن ابيالحسن الهادي عليه السلام الي ان قال الساۤئل يا سيّدي الفتحُ يقول يعلّمني الدعاۤء الذي دعا لك به فقال انّ الفتح يوالينا بظاهره دون باطنه الدعاۤء لمن دعا به بشرط ان يوالينا اهل البيت الحديث ، يعني انّ ولايتنا شرط لقبول الدعاۤء و في رواية محمّد بن مسلم عن احدهما (ع) قال قلتُ انّا نري الرجل من المخالفين عليكم له عبادة و اجتهاد و خشوع فهل ينفعه ذلك فقال يا محمّد انما مثلُنٰا اهل البيت مثل اهل بيت كانوا في بنياسراۤئيل فكان لايجتهد احد منهم اربعين ليلةً الّا فاجيب و انّ رجلاً منهم اجتهد اربعين ليله ثمّ دعا فلميستجب له فأتي عيسي (ع) يشكو اليه و يسأله الدعاۤء له فتطهّر عيسي (ع) و صلّي ثم دعا فأوحي اللّه اليه يا عيسي انّ عبدي اتاني من غير الباب الذي اُوتي منه انّه دعاني و في قلبه شكّ منك فلو دعاني حتّي ينقطع عنقه و تنتثِر ( تنتشر خل ) انامله مااَسْتجيبُ له فالتفتَ عيسي (ع) و قال تدعو ربّك و في قلبك شكّ من نبيّه قال يا روحَ اللّهِ و كلمته قد كانَ واللّهِ ما قلتَ فاسئل اللّه ان يَذهَبَ به عنّي فدعا له عيسي (ع) فتفضّل اللّه عليه و صار في اهل بيته كذلك نحن اهل البيت لايقبل اللّه عمل عبدٍ و هو يشكّ فينا ،
اقول اذا فسّرنا الصراط الذي هم ادلّاۤء عليه بانّه الأمتثال لاوامره و الأجتناب لنواهيه و العمل علي وفْقِ مراد الله او انّه ولاية عليّ و اهل بيته (ع) و هم يدلّون عليها لأنّها في الحقيقة ولاية اللّه كما قال تعالي هنالك الولاية للّه الحقّ هو خير ثواباً و خير عُقبي و متعلّقها جميع ما اراد اللّه و احبّه من الوجودات و شرعيّاتها و ما يترتّب علي ذلك و من الشرعيّات و وجوداتها و ما يترتّب علي ذلك من احوال الدنيا و الرجعة و الٰاخرة و اذا فسّرناه بذواتهم النّوريّة التي هي نور الأنوار و صفوة الجبّار و هداة الأبرار فهم يدلّون عليها كما لو كشف لك لرأيت انّ القرءان ما ينطق الّا بهذه و ما لها و ما منها ممّا تثبِتُه و تَنْفيه و هو تأويل قوله تعالي و ان من شيء الّا يسبّحُ بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم انّه كانَ حليماً غفوراً ، و قول الكاظم (ع) لمّا سأله يحيي بن اكثم عن قوله تعالي سبعة ابحرٍ مانفدَتْ كلمات اللّه ما هي فقال (ع) هي عين الكبريت و عين اليمين و عين ابرهوت و عين الطّبريّة و جمّة ماسيدان و جمّة افريقيّة و عين ناجروان و نحن الكلمات التي لاتدرك فضاۤئلنا و لاتستقصي ، اقول ( ما خ ) رواه احمد بن ابيطالب الطّبرسي في الأحتجاج و في نسخةٍ عين بلعوران بدل ناجروان و قد ملأنا هذا الشرح من بيان ما اردنا من هذا المعني و انّما يدلّون عليها لأنّ معرفتها كما يريدون توجب القيام بما يحبّ اللّه تعالي من معرفته و معرفة صفاته و القيام باوامره و اجتناب نواهيه و التّأدب بادابه و الحمد للّه ربّ العالمين اللّهم صلّ علي محمّد و المحمّد كما صلّيتَ علي ابراهيم و ال ابراهيم انك حميد مجيد .
تم الجزء الأول من شرح الزيارة الجامعة و يتلوه الجزء الثاني بعون اللّه و حسن توفيقه و الحمد للّه ربّ العالمين ، تمت .